الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الثقافة"

الدعوة فى العصر الحاضر

Share

للدعوة والإعلان في العصر الحاضر شأن ملحوظ ، ومكانة غير مجهولة ، وهي في نظر القائمين بها خليقة بما يرصدونة  لها من أموال وما يستنقدون فيها  من جهد  ولم تصل الدعوة حتى اليوم إلى ان تكون علما من العلوم له اصوله وقواعده ونظرياته ومذاهبه ؛ وأبرع الدعاة أو اقدر المعلنين لا يستطيعون أن يعرفوا بصورة قاطعة مدى نجاحهم ؛ وقصاري ما في الآمر أن المعلنين قد اكتسبوا خبرة وأفادوا معرفة في عرض السلع في شكل

سائغ وترويج البضائع ، وحذقوا فن التكرار والتقرير والتلوين ، وادركوا كيف يترضون عواطف الجمهور ، ويمالقون الغرائز الوضيعة ، ويستغلون الخوف في مختلف مظاهره ، سواء الخوف من الأمراض ، أو الخوف من الموت ، او الخوف من الشيخوخة الباكرة ، أو الفزع من الدمامة وتقضن الوجه وتشنن الجلد .

والإعلان في التجارة وإن كان يستلزم الكثير من البراعة والبصر مواقع الأهواء ، والالمام بمختلف العادات

ومتباين الآذواق ، أقل تعقيدا وأيسر مطلبا من الدعوة في الأخلاق والسياسة ، لأن عمل الداعية الأخلاقي في جوهره قائم على تمكين الناس من الانتصار على أثرتهم ، ونسيان مطامعهم الشخصية ومآربهم الدنيوية في سبيل غاية بعيدة ، ونظام مأمول ؛ والفلسفات الأخلاقية علي كثرتها واختلاف صراميها أساسها إنكار الذات ونبذ المطامع ، ومغالبة  الأهواء ، لتحقيق المثل الأعلى المنشود ؛ ومن ثم كانت الدعوة في الأخلاق والسياسة من أشق الأمور ، وتستلزم إجادتها معرفة عميقة بالقلب الانساني ، وخبرة واسعة بالنفس البشرية ، وإلماما بالتاريخ في مختلف أدواره وشتى عصوره ، وهي مع ذلك لا تصادف التوفيق إلا إذا ناصرها الزمن وواتتها الظروف . ففي الحرب الكبرى السالفة ظلت دعوة الخلفاء عقيمة غير مثمرة حتى صيف سنة ١٩١٨ ، ولم تئن من عزيمة الألمان ؛ ولكن بعد انقضاء ذلك الصيف عضتهم الحاجة ، وهذا لهم شبح الجاعة ، ومهدت الوقعات غير الموفقة السبيل لتأثير الدعوة ؛ فالدعوة السياسية والدعوة الدينية والدعوة الأخلاقية لا تؤثر تأثيرها البعيد ، ولا تحيك في النفوس ، إلا إذا أصابت استعدادا وقبولا كما في قول أبي الطيب :

إنما تنجح المقالة في المر  ء إذا وافقت هوى في الفؤاد

وقد لقي كتاب " كل شئ هاديء في الميدان الغربي رواجا عظيما عند ظهوره ، فتعددت طبعاته ، وترجم إلي أ كثر اللغات ، لان العالم كان لا يزال يعاني ويلات الحرب ويضمد جراحاتها ، ويحاول إصلاح ما افسدته ، ولكن سرعان ما نشأ الجيل الذي لم يكتو بنيران الحرب ، وعادت الأمم إلي الاستعداد للتسلح والتأهب للحرب .

وخطأ القاعين بالدعوات في كثير من الأحيان مصدره أنهم يظنون أن الاتجاه النفسي الذي يلحظونه في المجتمع

مقدر له أن يستمر على حاله أو أنه يتزايد ويعم ، ففي عصور الشك يظن دعائة  ان الخرافات قد قضى عليها وذهبت إلي غير رجعة ، وان العقل قد انتصر انتصارا نهائيا حاسما ، وفي أيام رد الفعل الدين يظن رجال الدين ان الشك قد دمي تدميرا ، وقضي عليه إلي الأبد ، وكلا الظنين مخطئ ، لان التاريخ البشري يسير في تموجات ، والناس سرعان ما تسأم اي لون من الوان التفكير إذا طال عهدهم به وإذا استحكم في نفوسهم التبرم ، والزهد فيه اتجهوا إلي نقيضه . والدعوة الموفقة هي التي تحسن مراقبة هذه الاتجاهات النفسية ، وتعمل على تعميق مجراها وتوسيع دائرتها .

وفي الأمم الديمقراطية تكثر الدعوات وتتنافس ، وتفقن كل دعوة في اجتذاب الجمهور واسترعاء الأسماع . أما في الأمم الخاضعة للنظام الديكتاتوري فإن الحكومة تحتكر الدعوة ، لأنها قامة على مصادرة الحريات والاستئثار بالتفكير والقيادة والتوجيه . واستعانة الحكام الأقوياء بالدعوة قد تبدو غريبة متناقضة ، لان لهم من امتداد النفوذ واستقرار المكانة ما يخيل إلي الناظر أنهم في غير حاجة إلي الدعوة ، والاستزادة من المكانة والنفوذ ؟ ولكن الواقع أن الحكومات الديكتاتورية تحاول على الدوام أن تكتسب الصفة الشرعية ، وتدرأ عن نفسها تهمة استلاب السلطة ، وهو أمر لا تشعر الحكومات القديمة التي رسخ نظامها بأنها في حاجة ماسة إليه .

ومنذ حدوث الثورة الفرنسية أصبح الشعب هو مصدر السلطة ، لذلك يحاول كل منتصب للسلطة في البحر الحديث أن يسوغ ذلك في صورة دمقراطية ؛ فالديكتاتوريون الذين هدموا الدمقراطية ، واستخفوا بمبادئها  ، وخانوا تعاليمها ، يتخذونها برغم ذلك وسيلة لتحليل حكمهم وتبرير مذهبهم ؛ والنظام الديكتاتوري قائم

على الخضوع العام والاستسلام المطلق ، وهو لذلك يحاول أن يعوض الناس مما فقدوه من الحرية والكرامة ، بأن يذيع بينهم انهم شعب ممتاز وامة راقية ، ويلجأ في ذلك إلي الدعوة ليصرفهم من الشعور مما يعانون من العبودية وثقل القيود ويمدهم بأسباب تدعو إلي ان يحسنوا الظن بأنفسهم ، ويطلقوا العنان لكبريائهم وغرورهم ، ويمكن من علاج مركب النقص والشعور بالهوان .

والدعوة في أكثر الأوقات عنصر من عناصر السياسة وعتاد للزعيم السياسي ، وقد أوفي فيها على الغاية زعيم ألمانيا المرجب وجذيلها المحكك المستشار هتلر ، وهو يفرق في كتابه " كفاحي " بين التوضيح العلمي والدعوة ، فالتوضيح العلمي المستنيرين ، ولا شأن له يهم ؛ أما الدعوة فإنها للجماعات ، وهذا ما يهمه ويعنيه . وقد اقتبس هتلر أسلوبه الخاص في الدعوة من البلاشقة وأدخل عليه التعديلات الملائمة ، واستوفي نواحيه وهذب حواشيه . ولم يكن عند لبنين وترونسكي جيش قوي عند قيام الثورة الروسية ليرد عنهما قائلة الأعداء وغارات الخصوم ، فعمدا إلي أسلوب جديد لأشعال الثورة وخلق أسباب التفرقة والخلاف في الأمم الرأسمالية ؛ وهذا الأسلوب هو إيجاد جيش من الصناع والمزارعين المدنيين في داخل البلاد المناوئة لهما ، ليعتمدوا عليه في الخروج على الدولة وزعزعة النظام وهدم البناء الاجتماعي . وهتلر رجل بعيد المطامع يريد أن تكون السيادة العالية للشعب الألماني ، ولك يتم له ذلك قد ابتكر أسلوبا جديدا للحرب الشاملة وليس معنى ذلك عند هتلر تعبئة قوة الرجال وحشد القوي الصناعية لخوض المعركة وإحراز النصر ، فانما ذلك مجرد مظهر من مظاهر ذلك الاستعداد الضخم ، وإنما الحرب الشاملة عند هتلر يقصد بها نوعين قوي خصمه وتفكيك روابطه ، لا الاكتفاء بهزيمته في ميدان القتال وهو يريد

بذلك حربا مستمرة لا تهمد حركتها ولا تهدأ نيرانها ، سواء أراد ذلك خصومه أم لم يريدوه ، وهو يستعمل في تلك الحرب كل سلاح يحقق غرفه ويدنيه من الانتصار. وأكثر الدول في العصر الحديث تعد الحرب شراً يلجأ إليه عند الضرورة القصوى ؛ ولكن هتلر يعتبر الحلول السلمية وهنا فى الرأى وضعاً في السياسة ؛ والحرب في زعمه عمل شريف ومطلب سام ما دام هناك من يقف فى سبيل الشعب الألمانى ؛ وقد تحقق هتلر أن خلق أقوى جيش وإيجاد أتم نظام اقتصادي حربى لا يكفيان لبلوغ غرضه، وأدرك أنه لابد له من عاملين يكفلان له النجاح ، وهما نظام في داخل البلاد يجعل عقول الأفراد موحدة متشابهة ، ونظام في خارج البلاد يعمل على إضعاف الروح المعنوية في معسكر خصوم أمته وبين صفوف أعدائها ؛ ولذلك أنشأ نظام الجستابو في ألمانيا ، وأوجد نظام الطابور الخامس في خارج ألمانيا ، وقوام النظامين الدعوة الواسعة النطاق ؛ ونظام الجستاير يشبه من بعض الوجوه نظام الأوجي عند البلاشفة ، وأعضاؤه مدربون على فهم المشكلات السياسية والاجتماعية والطابور الخامس يبذر بذور النقمة والشقاق ويمهد للتردد والهزيمة ؛ وقد كانت روح التذمر والضجر غالبة  على العالم في السنوات السابقة للحرب ، فحاول جبلز وزير الدعوة الهتلرية أن يقصم عرى الدول الرأسمالية ويصدع وحدتها ، وجعل الأقليات الألمانية في أغلب الدول طابوراً خامساً ، وكان دعاة هذا الطابور يعدون الأقليات بالانتصاف من ظالميهم ، ويعدون الرأسماليين بمجاهدة البلاشفة، ويعدون تروتسكي وأنصاره بالغاء الرأسمالية ، ويعدون الشعوب المغلولة على أمرها بالاستقلال والحرية : وبراعة جباز في قدرته على تلفيق الوقائع وتسريح الأكاذيب ، وهو ينتقص من الحقائق ويقطع أوصالها، لتلائم غايته وتؤثر تأثيرها في نفوس من

يريد مخاطبتهم والتأثير عليهم . وقد فطن دعاة النازية إلى أنه من الميسور أن يقوم الإنسان بدعوات متناقضة في نفس الوقت، وأن الأكاذيب والافتراآت والمتناقضات لاتفسد الدعوة ولا تبطلها ، على شريطة أن يكون في الدعوة جرثومة من الصدق ؛ والدعوة هي فن الاستمالة والإقناع والناس على أتم استعداد ليجتذبوا ويستمالوا نحو الشيء الذي يريدون أن يصدقوا به ؛ فإذا بالغ صاحب الدعوة في التفصيلات أو تزيد فيها وكذب فليس في ذلك كبير بأس ؟ وما دام قد زودهم ببعض الأسباب التي تبعتهم على الإيمان بما يلائم معتقداتهم السابقة فإن في ذلك الكفاية، ولا عبرة ما ينثر بعد ذلك من أكاذيب وما يزين من باطل . والدعوة النازية لا تسمح لأتباعها بالمناقشة الموضوعية لأنها تمده السبيل للشك والتظنن ؟ ولكي تنتصر وتكسب لا يجوز أن تسمح لرأى مناقض لرأيك أن يعبر عنه ويصغى إليه ، ويلزم أن يتبعك الناس

صاغرين منقادين، والانسان العادي واجبه في رأى النازيين الطاعة والخنوع، لأنه لا يمكن أن يكون أكثر من ترس في دولاب الدولة العظيم. ويستبيح النازيون في سبيل دعوتهم إحراق الكتب وإخضاع الراديو والسينما والصحافة ومنابر الخطابة ومعاهد التعليم : وما دام قد أمكن عزل الشعب من العالم الخارجي بحيث لا تصله الجرائد الأجنبية، ولا يعنى إلى الاذاعات الخارجية ، فلا خطر إذاً هناك من إذاعة أية نظرية : وإذا ساور الشك بعض النفوس فان معسكرات الاعتقال جديرة بإزالة ذلك الشك وردها إلى حظيرة الايمان والتسليم ؛ ولكن الدكتاتورية فاشلة في النهاية، لأن الروح الانسانية لم تخلق القسام الهوان ، وتحتمل العبودية والضيق والظلام. وتجارب التاريخ لم تذهب عبثاً ، وجهود الأحرار والمصلحين لم تكن باطلا

اشترك في نشرتنا البريدية