الحياة صراع ، والبقاء للأصلح فمن أوتي وسيلة تساعده على التغلب على غيره ، عدوا كان أو فريسة ، كتب له البقاء ومن هدم هذه الوسيلة كتب له الفناء وإن من يجول بين أحياء الغردقة ، يري هذه الحقيقة مائلة في كل خطوة يخطوها . فالدفاع الميكانيكي يظهر بوضوح في حيوان كالسرطان البحري الذي يباع في الأسواق ؛ فنري له زائدتين أماميتين كبر حجمهما عن بقية الزوائد ، كما زودنا بزوائد حادة يستخدمها الحيوان للقبض على فريسته ، وتمزيقها قبل بلعها ، كما يستخدمهما للدفاع عن نفسه
وأذكر أنه كان بين أحياء الحوض المائي بمعامل الغردقة احد هذه الحيوانات ، ولما حاولت مطاردته ومضايقته انقض على يدي وبادرني بعضة لا أنساها ، وشغلني تخليص يدي منه عن ملاحظة الدم الذي سال من أثر العضة
ومن الغريب أن يترك الحيوان جزءا من جسمه ليلهو مهاجمه ، وهي وسيلة للدفاع نجدها في القشريات مثل أبي جامبو والجمبري . فإن هذه الحيوانات إذا هوجمت
كن جزءا من زوائدها لتلهي به المهاجم عن متابعتها . ولما كانت هذه الحيوانات تغير غطاءها الخارجي الذي يحميها فانها تحدد الجزء المفقود الذي نسميه علميا بالانسلاخ ونجد هذه الظاهرة ممثلة في طيار البحر ، وهو حيوان يكثر بين احياء الغردقة ويختلف حجمه من سنتيمترين إلي قدم ، وهذا الحيوان اذا هوجم ، قدم احشاءه لمهاجمه ليتغذى بها ، بينما ينجو طيار البحر بنفسه ليجدد أحشاءه
ومن أمثلة الحيوانات التي تجدد جزءها المفقود نجوم البحر ، وهي حيوانات تشبه النجمة في شكلها ، لها خمس اذرع في الغالب ، وقد تزيد على ذلك في بعض الأحيان فإذا فقد نجم البحر إحدي أذرعه ، بادر بتكوين ذراع اخرى وأغرب من ذلك أن الذراع المقطوعة إذا تركت في بيئة مناسبة ، نما عليها أربعة نتوءات تكون أربع اذرع اخري ، وبذلك تحصل علي حيوان كامل ، فكأنها وسيلة للتكاثر كما أنها وسيلة للدفاع
ومن الحيوانات ما يحفر لنفسه حفرا في الصخور الصلبة ، ومن هذه الحيوانات بعض أنواع الإسفنج ، والديدان ، والرخويات ) مثل ( القواقع والمحارات) والقشريات (مثل الجمبري وأبو جامبو ) والإسفنج كما تعرف حيوان
ليس له جزء صلب يعينه على الحفر في الصخر ، ولذا يفرز مادة كيماوية تذيب الصخر فتفسح له الطريق للتعمق فيه . ومن الديدان البحرية ما يحفر لنفسه نفقا وسط الصخور ،
وتبقى داخلها في مأمن من كل مهاجم ؛ ولهذه الديدان زوائد حادة تساعدها علي الحفر . وكثيرا ما نجد انواعا من المرجان ، مثل المرجان المخي أصيبت بهذه الديدان وقد ظهرت الإصابة وكأنها بثور في جسم المرجان ومن المحتمل أن هذه الديدان تستعين بمواد كيماوية لإذابة هيكل المرجان الجيري ، وذلك علاوة على زوائدها الحادة ومن يبحث في الماء قرب شواطئ الغردقة يجد صخورا تغمرها المياه ، ويحد بها كثيرا من المحارات ذات المصراعين وقد تعمقت في الصخر ، ولا يظهر منها إلا جزء بسيط . وفي بعض الاحيان يستحيل نزع المحار إلا إذا كسرت الصخرة ، ومثال ذلك بلح البحر . وبلح البحر
من الرخويات المعروفة في المياه المصرية في البحر الأبيض والاحمر ، وقد سمي كذلك لأنه يشبه البلح لونا وشكلا وحجما ويرجع لونه لوجود مادة قرنية سميكة تترسب علي سطح المحارة ؛ وهذه المحارة رقيقة هشة ، ولذلك يسهل افتراس الحيوان إذا بعد عن الصخرة وبلح البحر لا يوجد إلا في الصخور الجيرية ، ويحفر الحيوان هذه الصخور بمادة حمضية تفرزها غدد خاصة توجد في الجزء الرخو من الحيوان تحت المحارة مباشرة ، وهي تذيب الصخر الجيري فقط ، ولا تؤثر على المحارة مع أنها
كلسية التركيب ، والسبب في ذلك انها محاطة بطبقة قرنية تقيها أثر الحمض
ولبلح البحر قصة تاريخية جيولوجية ؛ فبالبقرب من مدينة نابلي نجد معبد سيرافيس ، به اعمدة ترتفع قليلا عن مستوي ماء البحر ، وعلي هذه الأعمدة نجد حفرا لبلح البحر . والذي حدث أن المعبد أنشئ على أرض تعلو الماء ، ثم هبطت فغطاها الماء وحفر بلح البحر حفرا في أعمدة المعبد الكلسية ، ثم ارتفعت الأرض ثانية فظهرت الحفر على الأعمدة ، فكان بلح البحر قد ساعدنا علي تعقب حقيقة جيولوجية .
ومن الطبيعي إن هذه الحيوانات التي تحفر في الصخور لا تأخذ منها غذاء ، ولكنها تستفيد منها كمخبأ يقيها غارات الحيوانات المختلفة وفتكها . ولا يتعمق الحيوان في الصخر كثيرا ، بل يكون الحفر سطحيا حتي يتصل الحيوان بالماء مباشرة ليقتنص منه غذاءه الذي يتكون عادة من أحياء ميكروسكوبية نباتية كانت أو حيوانية
وقد يزود الحيوان بغدد لاسعة تنفث سما في الفريسة ، ويشاهد ذلك في حيوان الاتيمون والمرجان . ففي حيوان الآتيمون ذي الشكل الجميل الرائع ، يتكون الجسم من زوائد كثيرة كالأصابع تحيط بالفم ، وهذه الزوائد مزودة بأجهزة لاسعة تتكون من كيس يحوي داخله أنبوبة ملتوية وفيه مادة سامة ، ويوجد اعلاه شعيرة دقيقة حساسة ، ونجد عند أول الأنبوبة من أعلى ثلاث زوائد
حادة ؛ فإذا مرت فريسة ولمست الشعيرة الحساسة انطلق الخيط الحلزوني . ولما كانت الزوائد الحادة هي أول ما يظهر من الأنبوبة الحلزونية عند انطلاقها فإنها تحدث جرحا في الحيوان ، وبعد ذلك تصب الأنبوبة السم في الجرح فتخدر الحيوان وتشله .
وهذه الحيوانات رغم جمال شكلها ، فإنها تفترس الأسماك الصغيرة بمساعدة خلاياها اللاسعة ؛ ومن الغريب أن بعض أنواعها المسمى الآتيمون ، يعيش دائما برفقة نوع خاص من السمك ، ومهما اقترب من الآتيمون فإنه لا يمسه بسوء ، أما إذا اقترب نوع آخر من السمك أيضا بادر الآتيمون بلسعه . ومن الطريف أن السمك الصديق يدفع بالفريسة قرب الأتيمون حتى يسهل عليه تخديرها وبعد أن يلتهمها الآتيمون يقذف بفضلاتها فيتغذي عليها السمك الصديق
ومن الحيوانات ذات الجهاز اللاسع ، فناديل البحر وهذه تلتهم أسماكا تكبرها إذ تشلها أولا ثم تلتهمها جثة هامدة لا حراك بها .
وهناك حيوانات تظهر ملاءمة كبيرة للدفاع والهجوم ، وتكثر بين أحياء الغردقة ، وهذه هي قنافذ البحر ( الرتزا ) ونجوم البحر ، وتسمى هذه الحيوانات في مجموعها الحيوانات الشوكية لما لها من زوائد شوكية كلسية تنتشر على جسمها من الخارج
وللحيوانات الشوكية هيكل كلسي يحمي أجزاءها الرخوة داخله ، ويظهر على هذا الهيكل من الخارج زوائد كما ذكرنا . وفي قنفذ البحر نجد بعض هذه الزوائد تكون متفرعة ، وتكون ملقطا حارا يستخدمه الحيوان لوخز مهاجمه ، ويحدث الوخز التهابا للإنسان ، لان الحيوان ينفث مادة سامة ، وربما عرف ذلك من أولع بأكل بطارخ الرتزا .
أما نجم البحر فإنه حيوان بطئ الحركة إلي حد كبير ، وقد يعجب الإنسان إذا ما شاهده يتحرك ، وقد يزيد عجبه حين يراه يأكل . هذا الحيوان يتغذي علي حيوانات رخوه كالجندوفلي، ولأن هذه الحيوانات تحكم غلق مصراعيها مما يصعب فتحهما ، فإن نجم البحر يحيط المحارة بأذرعه ، ثم يرسل زوائد رفيعة بين المصراعين ويحاول فصلهما عن بعضهما ، ومن الطبيعي انه لا يمكن فتحهما بسهولة ، ولكن مداومة نجم البحر على محاولة فتح المصراعين يؤدي إلي ضعف المحارة واستسلامها ، فلا تلبث ان تنفتح ، وعند ذلك يخرج نجم البحر معدته لتلتهم المحتويات الرخوة وترجع إلي مكانها تاركة فريستها صدفة فارغة
ومن وسائل الدفاع التي تنتشر كثيرا بين الأحياء المائية وتظهر بوضوح بين أحياء الغردقة ، أن الحيوان يتشكل ببيئته ، فنجد مثلا بعض أنواع السرطان البحري المسمي بالسرطان الصخري لونه كالصخور التي يعيش بينها فلا يمكن تمييزه إلا إذا تحرك . وقد ينمو علي ظهر الحيوان طحالب مائية تتفرع قليلا ، واشد ما يدهشك أن تري طحلبا يتحرك ، وإذا بك أمام سرطان بحري نما عليه النبات .
وهكذا اختلفت وسائل الدفاع والهجوم ولكنها كلها تؤدي بالكائن إلي مصارعة غيره حتى يبقى على نوعه .

