الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الدكتور عمر فروخ يوضح، وجهة نظره نحو الشابي

Share

ننشر هذا المقال لصديقنا الدكتور عمر فروخ الذي بعث به الينا ليوضح وجهة نظره نحو شعر ابى القاسم الشابى ، بعد زيارته الى تونس واقامته القصيرة بها ، واذ كنا نعلم ان شعر الشابى لم يفرع بعد من دراسة ، فاننا سنلقى ، ولا شك ، من الذين اداموا معاشرة شعر الشابى من سيقوم بقراءة هذا المقال ويساعد على اكتشاف جوانب من هذا الشعر ما تزال محجبة . " الفكر "

منذ صدر كتابي " شاعران معاصران " في عام ١٩٥٤ وأصدقائى يبدون ملاحظة واحدة لا تكاد تتغير : ان دراسة شعر ابراهيم طوقان ودراسة شعر الشابي غير متكافئتين . ولقد كنت أنا نفسى اشعر بذلك وأنا أدفع الكتاب الى الناشر ولكن لم يكن بد من الجمع بين الدراستين في كتاب واحد لوحدة الحياة ووحدة الممات ووحدة الوطن المعذب ووحدة النفس الثائرة بين الشاعرين المعاصرين . ولم يكن بامكاني ان اغفل مثل هذه الدراسة في مثل السياق الذي خططته اذ لم يكن بامكان غيري ان يقوم بالعمل نفسه . انا اعلم أن هنالك اشخاصا كثيرين فى المغرب ، وربما في الشرق ايضا يستطيعون ان يجلوا شخصية الشابي وشعر الشابي في إهاب أجمل من الاهاب الذي خلعته أنا عليهما . ولكن لم يكن هنالك أحد غيرى يستطيع ان يجلو شعر إبراهيم طوقان وتشخصية ابراهيم طوقان غيري . عشرون عاما كاملة عشتها مع ابراهيم طوقان في بلدي ببيروت وفي بلده نابلس وفي بغداد نعلم فى مدينة واحدة ونلتقي كل يوم أو نكاد نلتقي كل يوم .

وليس هذا كل شىء . لقد كانت المراسلة بيننا قائمة دائمة وكانت معظم رسائلنا مطارحات واخبارا واسرارا وتحليلا ونقدا ذاتيا . ولقد اتفق لى أن جمعت كل

رسائله الي وحفظتها منذ الرسالة الاولى في صيف ١٩٢٣ . ولما اردت كتابة كتابى حاولت ان احصل على رسائل بعث بها الى اصدقائه الآخرين فعلمت انه قليلا ما كان يكتب إلى غيري وبمثل ما كان يكتب به الي . ويبدو أن هؤلاء الاصدقاء لم يحرصوا على رسائله النزرة اليهم كما حرصت انا على رسائله الكثيرة الي

أما دراستي لشخصية الشابي ولشعر الشابي فلم تقم على شئ من ذلك قط .

كنت أعرف الشابى من خلال ما كتب عنه ، ولم استطع الحصول على كل ما كتب عنه ، ولا على معظم ما كتب عنه ، ومع ذلك فقد احببت الرجل في شعره وأدركت أنه يجب أن يكون قد نفخ في المغرب من الروح القومية الوثابة مثل ما نفخ ابراهيم طوقان في المشرق ، ولذلك عقدت بينهما في دراسة واحدة . غير أننى درست شخصية ابراهيم طوقان وشعر ابراهيم طوقان كما لو كنت أدون ذكريات حياتى أنا ، بينما درست شخصية الشابى كما يتناول العالم بالاثار تمثالا من مكان بعيد ومن عهد سحيق ليعيد من النظر اليه كتابة تاريخ أمة غابرة . واننى آسف لان اخلاصي فى الاندفاع في دراسة شعر الشابي لم تجريء عن معرفتي بشخص طوقان وبحياة طوقان

وفي العام الماضى زرت المغرب شهرا كاملا قضيت منه في تونس اسبوعا . ولقد طالعني في المغرب ذلك السؤال الذي كان يطالعني في المشرق . الا ان الاسئلة في المغرب كانت تخرج من العموم الى الخصوص . ان السائل لم يكن يكتفى بأن يقول ان الدراستين غير متكافتين ، كما كان الشان في المشرق ، بل كان يضع اصبعه على نقطتين يعتقد أننى لم أنصف الشابى فى معالجتهما :

التشاؤم الذي أدى بالشابى الى اليأس

- اعتماده للادبين الاجنبى والمهجرى اعتمادا ادخل غموضا على افكاره وضعفا على اسلوبه . وأنا هنا لا أريد أن أصر على ما قلته ولكنى أريد ان افسره . وأظن أنني سألتقي مع السائلين في منعطفات كثيرة . لنأخذ اولا هذا المقطع الذي طالعني اتفاقا وأنا أقلب الكتاب بين يدي

على ساحل البحر ، حيث يضج  صراخ الصباح ونوح المساء

تنهدت من مهجة أترعت   بدمع الشقاء وشوك الاسى

فضاع التنهد في الضجة

بما في ثناياه من لوعة

فسرت وناديت : يا أم ، هيا

الي فقد سئمتني الحياة .

لا ريب ابدا في ان الشابي كان متشائما . وكان هذا التشاؤم يدفعه كما يدفع معظم الناس في العادة الى الياس . واليأس يجعل الحياة ثقيلة علم النفس . الا أن النفس قد تثور على الياس احيانا وتتشبث بالحياة وتتفنن فى التغزل بها . من ذلك قول الشابى نفسه :

اسكتي ، يا جراح       واسكني ، يا شجون .

مات عهد النواح        وزمان الجنون

وأطل الصباح           من وراء القرون

في فجاج الهوى         قد دفنت الالم

ونثرت الدموع         لرياح العدم

واتخذت الحياة         معزفا للنغم

أتغنى عليه             في رحاب الزمان

انا لا اريد أن اغمط الشابى حقه فى حب الحياة فى الثانية ، كما أنني لا استطيع ان اغفل تشاؤمه وياسه في الاولى . ولو أننا قلنا إن الشابى لم يكره شيئا من الحياة مع كل ما تنزل به من المرض وما انتابه من وفاة والده مع خيبته فى حب باكر ( وهذا شيء لا يوافقني عليه بعضهم ) لاخرجنا الشابى من طبقة الشعراء الوجدانين . ولا يظلم شاعر بمثل هذا قط .

وانا بنيت قسما من دراستي على ان الشابي لم يكن يعرف غير اللغة العربية وان اللون الاجنبي الذي يتراءى على شعره مرده الى ما وصل الى الشابي منقولا الى اللغة العربية ، ولكن قيل لي إنه كان يعرف اللغة الفرنسية .

وكذلك كان معظم الذين حملوا على ذنب غيري من الشبان الماخوذين بالشعر الرمزي وبمقاييس النقد الغربى الحديث ، وهذا اتجاه لا نستطيع أن نغفله ولكن لا يجوز ان نجعله كل شئ في دراستنا حتى للادب الغربى نفسه . وكذلك اتفق ايضا ان هؤلاء الشبان يعرفون اللغة الفرنسية وحدها ، تلك اللغة التى يقوم معظم ادبها على التعبير الجميل في الدرجة الاولى . ومن منا يستطيع ان ينكر ان الشابي كان يكرر المعاني والتعابير . ان قصيدته الجميلة :

انت ، يا شعر ، فلذة من فؤادي  تتغنى وقطعة من وجودي

ستة وثلاثون بيتا تبدأ اربعة وعشرون منها بقوله " فيك ما فى " . لقد حاول الشابى ان يعدد اكبر قدر ممكن من احوال النفس ولم يشأ ان يترك لخيال القاريء لمحة يلمحها ، مع ان من اولى خصائص الادب العربي ومن خصائص الادب الغربي ايضا ان يترك المجال للخيال يعمل عمله .

انني رأيت عبقرية الشابي في ناحيتين : قوة التعبير عما كان يعتلج في نفسه ، سواء أكان هذا الذي اعتلج فيها مظهرا من مظاهر الضعف أو مظهرا من مظاهر القوة . مظهرا من الياس او مظهرا من الامل . لقد كان الشابى شاعرا في هذا الوجدان الذي طغى على كل شيء حوله . واما الناحية العبقرية الثانية ، التى تجمعه الى ابراهيم طوقان فهي أنه لم ينس في آلامه وشقائه ما كان يعانيه وطنه فجعل من شعره مظهرا للاتجاه الوطني وللدعوة الوطنية ، وان كان الحركة التونسية والعربية كما فعل ابراهيم طوقان في تاريخه للثورات الفلسطينية المتلاحقة وفي تصويره للحركات العرية عامة .

اذا حان صدور طبعة ثانية من " شاعران معاصران " فانني سآخذ نفسي بكل ما لمسته منذ صدور الطبعة الاولى وخصوصا فى اثناء زيارتى لتونس على قصر تلك الزيارة وضئالة فائدتها : لقد شاهدت على الاقل جانبا من الجو الطبيعى والاجتماعي الذي وهب الشابي عبقريته وشعره . ولعل التانق في العرض سيبرز الشاعر في صورة أفضل من الصورة التى رسمها عرضى الايجابى في المرة الاولى ، مع زيادة لبحث وجهات النظر التي تبدت لي بين الطبعتين

اشترك في نشرتنا البريدية