- ٣ -
هذا هو الحال السياسي فى المغرب كما استطعت ان استشفه من مجالس الزعماء والوزراء والقواد والساسة . واما الحال العلمية فهى فى تقدم مطرد بقيادة العلماء والكتاب . وهم فى الطليعة ثورة وجهادا ، يحملون في قلوبهم ايمانهم بالعربية ، وفى ايديهم الاسلحة النارية ، لا فرق بين صغير وكبير . حتى لقد سار في طليعة موكبنا شيخ الاسلام محمد بن العربى العلوبى ، من اكبر علماء القرويين وكان وزير العدل ، ومشير السلطان ، ولكنه بلغ السبعين ، قلم يشا ان يلقي السلاح حتى يرى الوطن خالصا من بقايا الاجنبى . وهو ونظراؤه من العلماء يعملون باسم الدين وباسم الوطن فى نصرة الجهاد ورفعة البلاد .
وليس هذا يعني ان الادباء قد وقفوا دون الشعر والادب فهم يملؤون الدنيا محاضرات وقصائد ومقالات ، ولهم ان يقولوا كما قال اجدادهم من اساطين التاريخ والادب كابن بطوطة وابن الخطيب ، وابن خلدون ، فديارهم مرتع السحر وموطن الجمال ، قد اخذت من كل روعة بنصيب ، فيها الانهار الجارية والبساتين الغناء والرياض الفيحاء ، وفيها الزهر والنور والعطر .
فمدينة فاس فى قلب الوادى الجميل تحف بها الاشجار وتلتف حولها الاغصان ، فترسم حولها سياجا من خضرة بارعة ، وبيوتها البيضاء كالحصى ألقى فى بساط واسع ، فتناثر فيه ، كما يتناثر الوشى على الثوب . فاذا اشرف الناظر من اعلى الجبل تراءت المدينة كانها عروس فى حلى بيضاء تنام على العشب الاخضر المنبسط . وقد عشت فيها اياما أوغل فى بساتينها واسير تحت ظلال وعرائش من اشجارها فيخيل الى انى فى دمشق اسمع صوت الماء يرتل امامي موسيقى قديمة سمعها الاجداد منذ عشرة قرون قبلى . وقد اوحت هذه المدينة الى اهلها شعورا عظيما فى الاعتزاز فقال شاعرهم فى مدح واديها تياها به جمال المشرق :
عطرت جانبيه كف الغوانى بشذا عرف زهرها الممنوح
قل لمهيار ان شممت شذاها قول مستخبر أخي تجريح
أين هذا الشذا الذكى من القيـــ ـــــصوم والرند والغضا والشيح
وعيون بها تقر عيون وكلاهما يأسو كلوم الجريح
كلما مر فوقهن طليح عاد من حسنهن غير طليح
وليست مدينة مكناس بأقل من أختها جمالا فى الطبيعة وبهاء فى الخضرة وسخاء فى الماء ، فهى كذلك على دلال وجلال يقول فيهما الشاعر :
ان تفتخر فاس بما في طيها وبأنها في زيها حسناء
يكفيك من مكناسة أرجاؤها والاطيبان هواؤها والماء
ورباط الفتح ، وسلا ، والدار البيضاء قد ركزت جوانحها على البحر ، وراحت تتيه بين زرقتين زرقة الماء والسماء وتختال في بردتين من جمال الارض والبناء . فهى تبل أقدامها فى الاطلنطى ، ولكنها تتصل بالصحراء والبادية والنخيل في جانبها الآخر ، فتجمع بين سكان البحار وقطان الصحارى . والاسوار والقلاع والحصون تبدو كأنها زرعت فى قلب هذه المدن شواهد على ان المغربى لم يأمن الماء ولا الصحراء . فبنى حصنه على البحر ليدفع عنه قراصنة الماء من الغربيين وأعداء دولته من القبائل والبدو .
فاذا كانت كل بلدة قد اختارت مكانها بين اليابسة والماء ، أو فى قلب الخضرة الغناء ، فان مدينة واحدة قد اختارت مكانها بين ماءين ، وصعدت قمة بين عالمين ، فرقعت فى ملتقى البحرين ، تلك هى طنجة لؤلؤة البحر المتوسط وتاج مدنه جميعا لا أكاد أستثنى مدينة منها حتى الاسكندرية . فطنجة قد علت على رابية عظيمة ، واقتعدت مكانها على تلال متناظرة ، تصعد فى شوارعها كما تصعد فى سان فرنسيسكو ، غير أنها محاطة بالتلال تستطيع أن تشرف منها على المدينة فترى كيف تركض الشمس فى مسارها ، فترسم الظلال والالوان ، وكيف يلعب البحر حولها من كل جانب فيعابثها ويناوشها ، كما يتسلى الطفل بالاشياء المعلقة أو الدمى المهتزة ، ويشرقها بالماء فلا يصب الا قدميها وتبقى القامة الفارعة لطنجة قد استعلت على الماء وغير الماء وشمخت بأنفها فى السماء ، لترسم فى الافق بآبنيتها الرفيعة صورا سحرية حين تقبل الشمس أو تغيب .
واجمل ما فى طنجة ضواحيها ، توغل فيها بين اشجار الارز القديمة الخالدة
وقد سخرت بآلاف السنين ، وتكاثفت حتى حجبت النور ، وصفت الريح ومنعت الغبار . والوديان تتقلب والتلال تتتابع حتى ليمتنع على المشاهد ان يشبه بها لبنان لانه يظلم طنجة وجبالها المحيطة بها ، على جمال لبنان وسحره . فهنا النسخة الاصلية التى رسمها الله جمال الوديان وسحر التلال في مغرب المتوسط ، ورسم بعدها صورة مصغرة لها هى لبنان وجباله .
وكم تشرد العين فى هذه المشاهد الفاتنة ، وتتلهى النفس فى شرودها خلال هذه الالوان ، فتسعى الى أن تجد لها شبحا فى دنيا الغرب كسويسرا مثلا ، ولكن الواقع ان العين والنفس والقلب ترفض كل تشبيه وترد كل موازنة ، وتبقى طنجة وحدها . ولعل " لوس انجلوس " تزحف لتتشبه بطنجة فى تلالها الخضر ووديانها الممرعة ، ولكن اين منها البحران ، المتوسط والاطلنتى فى رقعة واحدة .
انهما يلتقيان هنا ، كما تلتقى الجبال والانهار والبحيرات فى صفاء عجيب وهدوء غريب . ولا تستطيع الاخيلة ان تصطاد صورة او ترسم شبحا لهما . بحران يلتقيان فيخيل اليك ان خطا طويلا الى الافق يفصل بينهما ، بحر صغير سماه العرب بحر الروم ، يلتقى بالمحيط الاطلنتى ، يضيع الطرف فى مدى كل منهما ، فلا يعرف ايهما الصغير وايهما الكبير ، لان العين لا تستقر على نهاية لهما ، فكأنها بحر واحد أو بحيرة كبيرة ، وانما سماهما الجغرافيون كذلك ، حين وقفوا مثلنا عند رأس سبارتل فى نهاية طنجة ، فنظروا الى خط يفصل بينهما وتوهموا أن المياه القليلة تختلط بالمياه الكثيرة ، أو أن أحدهما يصب فى الآخر . فأطلقوا عليهما الحدود وقيدوهما بأسماء كالسدود ، ولكن الله أطلقهما وأرسلهما ، مرج البحرين يلتقيان ... فبأي آلاء ربكما تكذبان .
عند هذا الصخر المتعالى وقفت امتع النفس بسحر الطبيعة وفتنة الكون وعظمة الله . ثم صعدت الى المنارة العالمية برفقة صديقى حاكم طنجة العالم عبد الله كنون ، فرأيت ما لا ترى عين وشهدت ما لا يخطر على بال وأشرفت على هذه الخلجان والشواطئ البعيدة . وتهت فى بيداء الفكر كأن بى دوارا او كأنى أحلم . ولم ينبهني من غفوتي الا نداء صديقى يدعوني الى النزول . ولولا هذا النداء للبث يومي وليل امتع القلب والعين ، وأسافر مع التاريخ لارى هذه
القوافل العربية وقد شقت طريقها من الحجاز الى الشام ، ومن الشام الى مصر ، ومن مصر الى افريقية ، ومنها الى المغرب الاقصى ، الذي بارك الله حوله من غير شك ، لانه كان مفتاح عزوباب سعادة ، وطريق الفردوس .
عبرت القوافل هذا البحر من هذا الشاطىء السحرى الى الشاطئ الاسبانى ، فاتحة غازية مبشرة في سبيل المثل العليا والايمان القويم ، ولكن كيف عبرت ، وكيف خاضت البحرين ، واجتازت من شاطئ أمين الى شاطىء غير آمين ، يتربص القوم فيه بالعرب ، لتدور الدائرة ويقوم القتال . كيف استطاع هؤلاء العرب ومنهم الحجازيون أن يعبروا الى الاندلس مع البربر ، وكانوا من قبل يصفون النيل على لسان عمرو بن العاص كالبحر . الداخل اليه مفقود ، والخارج منه مولود ، وراكبه دود على عود ؟ . كيف شقوا طريقهم بين البحرين ، وكيف كانت قلوبهم ونفوسهم وعقولهم تتهيأ لهذا الزحف . ذلك ما ادهشني وأذهلنى . فقد قطعوا آلاف الاميال ليصلوا الى بر الاندلس وليمكثوا فيه قرونا يتمتعون فيها بالنعيم والحضارة والثقافة الرفيعة .
فلما طرت من طنجة الى غرناطة ، نظرت الى البحرين من عل ، والامواج تبدو كالزرد فى درع المقاتل ناعمة دقيقة ، لا تحس لها همسا ، ولا تكاد صفحة الماء تهتز ، وخيال الطائرة يرتسم على صفحة الماء كطائرات الاطفال ، بل ان القوارب والسفن التى كانت تمخر العباب كانت تبدو كقوارب الصغار فى بركة مصطنعة . ذلك ما كانت توحى به الطائرة .
ولكن العرب طرقوهما كبحرين عظيمين ، فجازتهما قواربهم وأساطيلهم مرارا وغلبوا احيانا ، وغرقت مراكبهم احيانا ، فغاص منهم كثير فى قعر البحار ، كما مات كثير فى اعماق الوديان ، وقتل كثير على ظهور التلال والجبال ، وشربت الصحراء من دمائهم فما ارتوت ، ليخلدوا لنا هذا المجد الذى به ننعم وليوحدوا بين المشرق والمغرب ، فى لغة واحدة انطلقت من قلب البلاد العربية من ام القرى فشرقت وغربت وما زالت هى هى ، ناعمة ، جميلة ، قوية فصيحة ، نسمعها في كل مكان ، ونتغنى بها فى كل زمان ، خالدة على الدهور كخلود الدنيا وبقاء الكون . تاه بى الخيال وشرد الفكر وظننت انى في بلادي وفي ارضى ، فحولي أرز لبنان ، وخلفى مشاهد دمشق وبيروت والاسكندرية ، فتساءلت هل يحن الشجر
الى الشجر ، ويتشبه الحجر بالحجر ، ولا يحن البشر الى البشر . هل اجد في الربوع شبها لربوعنا ولا اجد في الشعب وحدة مع شعبنا ؛ ان هؤلاء الملايين من العرب الذين يتكلمون لغة واحدة ، وتجمعهم ثقافة واحدة ، ويثيرهم تاريخ واحد ، فى انتصار وانكسار ، ومفاخر ومآثر ، يتفرقون اليوم فى الارض على دويلات صغيرة ، وامم مبعثرة ، تعدو عليهم الدول ، وتأتمر بهم الامم ، فلا يجتمع شملهم ولا تتوحد فلولهم ، وانما تذهب بهم الرياح كل مذهب .
يفتشون فى المعاجم عن اسماء لوحدتهم ، ويبحثون فى الكتب عن انظمة لعيشهم وقوانين لحياتهم ، يستهويهم رجال اليمين حينا ورجال اليسار احيانا ، ويصبحون على فكرة ويمسون على فكرة ، فكانهم حياري في دنياهم ، او كقوارب صغيرة في البحار تتقاذفها الامواج وتعبث بها الرياح ، فلا تدرى اين تتوجه ولا تعرف اين المصير .
ساقنى الخيال الى الواقع المؤلم ، الى هؤلاء الذين انكروا جذور الامة وكفروا بتربتها ، وجهلوا حضارتها فاقتلعوا من صدورهم الايمان بهذا الوطن العربى الكبير ، واصبحوا بين الارض والسماء ، ينظرون تقلب الانواء كيف تشاء . حدثتكم عن المغرب العربى لانه جذع كبير من جذوع هذه الشجرة العملاقة ، وبناء متين من ابنية تاريخنا ، ودرع حصين لحروبنا المقبلة يجب ان نستمسك به ، ونسير معه فى صف الدول العربية الى بناء مستقبل جديد بسام ، في وحدة عربية شاملة ، ترهب عدو الله وعدو العربية . ولعلى قد استطعت فى هذه السطور ان انقل اليكم شعورى وانا اطوف هذه الديار فى المغرب أراضينا ، وملعب بطولتنا ، ومسرح امجادنا ، لاصور لكم ثقتي وايماني بهذه الامة الخالدة ، فقد زادني المغرب ايمانا بقوتنا وعددنا ، وشاقني الى بعث عدتنا وحضارتنا ، فاليه اتوجه بالتحية والأكبار ، راجيا له ولسلطانه الرفعة والسمو ، والعز والاستقلال الكامل (*)

