أخذ مكانه على شاطي النيل فوق مقعد رخامي يشرف على جسر عباس من الناحية اليمنى ، وينظر إلى سرحة الجزيرة الخضراء عن يساره .
كان قد مضي من الليل بضع ساعات غاب خلالها ضوء النهار ، ومضي الناس معها إلى مضاجعهم ، وحلت السكينة ، وساد هدوء عميق لا تكاد تخالطه حركة ولا يكاد ينتهي إليه إلا اصوات ضعيفة خافتة من بعيد .
وكان النسيم يسري دانيا وادعا حتى لتكاد الأوراق الغضة والأزهار الناضرة ان تنكره لولا هذا البرد الذي يحمله فتختلج له الورود خلجة خفيفة ، فتلفها اوراقها بالدفء ، والأمن والحنان
ونظر الفتي إلي النيل فرأي النيل ساكنا ساجيا ، كأنما وقف ماؤه فلا يمضي ، وثبت تياره فلا يتدفق . لم يكن يلوح منه إلا خط ابيض من ضباب خفيف يغشي صفحته فلا تكاد تبين ، ويقيد موجاته فلا تكاد تصطفق ، ويلقي عليه سترا من الخفاء تنمحي معه صورة النهر العظيم لم تكن هناك آية تشهد بأنه يجري أو تدل على أنه يتدفق !
ونظر الفتي فإذا غصن كبير يسير الهويني مع الماء ويقترب من مقعده الرخامي ، ثم يمر به ثم يجاوزه إلي الشمال ثم يلفه الموج والظلام . وعاد إلي الفتي يقينه بأن النيل لم يكف عن حركته الخالدة ولم يقف جريه الأبدي ؛ وانه ما زال حيا يمضي إلي غايته .
ونظر إلي الجسر فراعه هذا الغموض الذي يطيف به وهذه الظلال التي تتراقص من حوله ، وخيل إليه أنه رسم بارز في لوحة فنان ، ولم يستطع ان يثمثل فيه ذلك الجسر الضخم البين الذي يجتازه كل يوم في رائعة النهار . وسما بصره يتقصاه من أوله ويمضى معه حتى يبلغ به
منتصف النهر أو يزيد ، ثم إذا بصره يضل هذا الرسم فلا يجده ويخطئه فلا يراه ! لم يكن هناك إلا سلطان الظلام يتيه مختالا فوق الماء ويلف الحسر في ردائه الاسود الثقيل . وخيل إلي الفتي أن الجسر لم يعد جسرا وانه لم يبلغ الضفة الأخرى حيث يلقي برأسه علي ثري النهر العظيم .
ودلفت سيارة تريد أن تعبر إلي العدوة الشرقية ، وأرسلت انوارها الزرقاء ، ترود هذا المحيط الشامل من الظلال . وتابع الفتي ببصره النور حتى إذا بلغ به منتصف النهر او يزيد ، لم تخطئه عيناه وإنما مضتا معه وهو يشق الظلام حتى بلغ الضفة الأخرى واختفي في حنايا الطريق
وعاد إلي الفتي يقينه بأن الجسر لم يزل قائما بين العدوتين ملقيا رأسيه على الضفتين ، وانه لا يزال برغم الظلام يمضي إلي غايته .
. ومن الشمال لاحت للفتي من بعيد ظلال ثقيلة سواداء تجثم على صفحة الماء فيخبو تألقه وينقطع امتداده ويخال الناظر أن النهر قد القي بنفسه في هوة عدم رهيب ! لقد فقدت سرحة الجزيرة بهاءها ونضرتها ولم تعد تطل على النيل تتأمله في جلال . لا أشجار هناك ولا أزهار ولا عشاق ولا أطيار ؛ ذهب كل اولئك ولم تبق إلا هذه الظلال الثقيلة السوداء تضغط على صدر النهر الوديع حتي لتخنق أنفاسه وتأخذ عليه الطريق
وحفت أجنحة صغيرة لسرب من الطير ، وهتفت أصوات رقيقة فيها من الشوق إلي العش الحبيب وفيها من الفرحة بالإياب السعيد . كان السرب يطير امنا نحو هذه الظلال الثقيلة السوداء وهو يعلم انها ليست هوة العدم ويثق بأن وراءها سرحته الباسقة وروضته المونقة وأعشاشه الدافئة ونومه الهاديء اللذيذ
وأيقن الفتي أن السرحة لم تفقد بهاءها ونضرتها
وانها لم تزل عالية بالزهر ، حافلة بالشجر ، عامرة بالأطيار والمحبين برغم هذه الظلال الثقيلة السوداء
وعلى غير بعيد من مجلسه الرخامي هجمت ثلاثة زوارق في سكون حزين . كان كل من فيها نيام يحلمون ، وكانت هي أيضا نائمة تحلم ولكن الفتي لم يتمثلها أحلاما ناعمة سعيدة ولم يستطع يصرف عن قلبه هذا الشجن العميق لمنظر هذه الزوارق الثلاثة في صمتها الكئيب . تمثل الفتي فيها الأجنحة المهيضة ، والقلوب الكسيرة ، والفل الهزيم واين من هؤلاء النائمات الحزينات تلك الاجنحة البيض تخفق على الماء من بعيد فتبعث في النفس الأمل وتخلق في الحياة البهجة ، وتنشر على النهر الجمال .
وأين من هذا السكون تلك الحركة المتوثبة ؟ وأين من هذا الخلاء زمر من فتيان وفتيات وشبان وشيب يجيزون النهر كل ساعة وفي صدورهم امال وفي رؤوسهم أفكار وعلي شفاههم أحاديث
كم رأت هذه الزوارق النائمة من مشاهد وكم سمعت من همسات وكم حفلت بالحياة في افراحها واتراحها وفي عبوسها وابتسامها ! ولكنها مع ذلك مغرقة في صمتها الحزين كالجناح المهيض والقلب الكسير والفل الهزيم .
ونظر الفتي فإذا ساريات ثلاث تضرب في الفضاء عزيزة سامية . كان يلفها غشاء رقيق من هذا الحزن المخيم على الزوارق ، ولكنها كانت تلقي في النفس اليقين بأن هذه الشرع المطوية ستنشر بعد حين فتعود اجنحة بيضاء تخفق على الماء تبعث فيه البهجة وتنشر عليه الجمال . وتنتزع الزوارق من ركودها الكئيب وسكونها العميق . وعلم الفتي أن الزوارق لا تزال تنبض بالحياة ، لم تضيع ما شهدت من مناظر ولا ما سمعت من احاديث
واتجه الفتي ببصره إلي مياه النهر ، فإذا اضواء متفرقة شاحبة كأنها بقايا شموع توشك ان تنطفئ . وعجب
الفتي لهذه الأضواء الحائلة كيف تستقر في اللجة الباردة جامدة لا تتحرك إلا حركات يسيرة كلما رجف الماء بموجة أو هب على صفحته نسيم شديد . كانت شيئا غير الماء ، ولكن كان من الصعب علي الفتي أن يتمثل فيها معني من معاني النور ؛ النور ذي السنا الفياض والأشعة الغامرة ، والخواطر الراقصة الطروب . لم يكن في هذه الشموع الخافتة إلا نور باهت لم ينل ما للظلمة من سواد ، ولم يحظ مما للنور من تألق . وإطال الفتى نظره إليها كأنما يرجو أن تتلألأ أو تتوهج كجذوة نائمة تنتظر أن توقظها الريح ولكن الأضواء ظلت باهتة جامدة لا تتألق ولا تتحرك ! ورفع الفتي بصره إلي السماء فإذا نجوم لامعة من خلال السحب . نجوم واضحة فيها من سنا الضوء الباهر والأشعة الغامرة . نجوم توحي بما يزخر فيها من عوالم ، وما ينبسط في أرجائها من كائنات ، ساعية إلي غايتها ، سالكة سبيلها المرسوم في نظام الكون العجيب . وعاد الفتي ينظر إلي هذه الأضواء الشاحبة فأكبرها وأجلها ورأي فيها الآن حياة لم يحسها من قبل وإيحاء بليغا بأنها - وإن كانت ظلالا - رمز لحيويات أكبر ، وعوالم أضخم ، وأضواء أكثر لمعانا ، وأعظم تألقا
إن النجوم برغم ظلالها الشاحبة لا تزال في السماء تمضي إلي غايتها . وكان الهلال لا يزال في مطلع دورته ضئيلا صغيرا لا يكاد يبدد الظلام من حوله ، وهو ينحدر نحو الغرب في بطء وإعياء . وكانت السماء ملأي بالسحب ، سحب صغيرة متعددة الأشكال والألوان يقذف بها الأفق الغربي فتزحف في بطء وإصرار حتي تغمر وجه السماء وتمضي في بطئها وإصرارها نحو الأفق الشرقي وراء التلال .
وكانت السحب تمر بالقمر فتخطئ وجهه حينا وتغشاه في كثير من الأحيان . هذه سحابة خفيفة بيضاء تسعي
وئيدة رفيقة فتلقي علي محياه نقابا خفيفا ينفذ من خلاله ضوءه الهادي الوديع ثم تمضي في طريقها لتدعه يتألق مرة أخري ويسير إلي غايته من الأفق الغربي .
وهذه سحابة أخري ليست في رقة أختها ولا في شفافتها ولكنها لم تبلغ من القتامة ان يختفي القمر الضعيف كل الاختفاء . ويظل القمر يجاهد وتظل السحابة تزحف حتى تنجاب في سلام ويبقي القمر لآلاء يتألق في بهاء !
وذلك غمامة ثقيلة سوداء تنذر بشر وترقص في طواياها شياطين الظلام ! ولكن القمر هاديء الصفحة باسم الثغر ، ماض في طريقه إلى الافق الغربي حتى إذا ظفرت به السحب الثقال غاب ضوءه واختفي محياه . ولكن الفتى مع ذلك كان يحس - وهو ينظر إلي الغمامة - ان خلفها قمرا يجاهد لكي يرسل نوره مرة اخري إلي الإفاق ، وكان الفتي يحس أن الغمامة نفسها - وإن عدت إلي القمر - تهيئ له سبيل الخلاص بزحفها البطئ نحو الافق الشرقي وراء التلال .
وأرسل القمر أشعته إلي أطراف السحابة بشراه بين بين يديه ثم ظهر بعد قليل يتهادي على الصفحة الزرقاء متنفسا ملء ، رئتيه بعد ما كاد يختنق . إنه يمضي في طريقه إلي الغرب . إلي غايته
كل شئ يمضي إلي غايته ، هكذا علم الفتي . كل شئ وإن ناله السكون او ألم به الإعياء لابد سيعود سيرته الاولى ليمضي في حياته كما كان من قبل . وفي كل سكون دليل على الحركة القادمة ، وفي كل إعياء آية على الوثبة المتوقعة والنشاط الجديد . للجسر سياراته ، وللسرحة طيورها ، وللنجوم طلالها ، وللقمر خروجه ظافرا بعد كل غماء !
وعادت نفس الفتي إلي نفسها تتساءل عن دليل علي حركة بعد سكون طويل وآية على نشاط بعد ركود يشبه الموت وإعياء يشل فيها الحياة ثلاث سنين طوال قضاها الفتي في آلام وأحزان ؛ ثلاث سنين كفر في خلالها
عما نعم به في سنواته الأربع والعشرين من رضي القلب وابتسام الحياة وراحة البال . ثلاث سنين حملت إليه آلاما مرارا تعذب بها ؛ وتعذب لأن احدا من اصدقائه لم يستطع أن يدرك حقيقتها . ركود وإعياء ، وقفا به من حيث كان يريد ان يتقدم ، واخذ يشهد زملاءه ، يمرون به ، واحدا في إثر واحد وهم ماضون إلى غاياتهم وهو واقف ينظر إليهم في لهفة ويهم بالسير فتقعد به آلامه ، وينوء بجراحه ، فلا يملك إلا السكون . فأين إذن دليل الحركة ؟ وأين إذن آية النشاط ؟ !
وانبعثت في الظلام صيحة غردة من طير مرح طروب ؛ صيحة تحمل أصداؤها كل معاني الحياة والنشاط والتفتح . وهفا قلب الفتى إلى الصوت الغرد وخفق خفقة فيها من هذه الحياة وفيها من هذا النشاط وهذا التفح ! وهتف هاتف من الأعماق : هنا الدليل !
مكتبة الجامعة
