بحث رجل عن شئ أضاعه الناس في جميع بقاع الأرض التى توجد فيها أشعة الشمس ونور القمر وأضواء النجوم ، وجاهد في البحث عنه تحت جذور الحشائش . وفي الترع الناضبة من الماء ، وفي تراب الشوارع ، وفي كل جزء من الهواء الذي يأتيه ، ولكن لم يجده في كل هذه ، فتنفس تنفساً أبعد عمقاً وأكثر حزناً من تنفس الغاية الكثيفة ، وقال : " أين الشيء الذي أريده ؟ أين الشئ الذي أريده ؟ "
وجاء " الرجل المتفائل " وسأله قائلا : " لماذا نبحث تحت جذور الحشائش ؟ هل ضاع منك اللؤلؤ؟ ولماذا تبحث في الترع ؟ أهل ضاع منك الرئيق ؟ ولماذا تبحث في التراب ؟ هل ضاع منك الدم ؟ ولماذا تبحث في الهواء ؟ هل ضاعت منك الرائحة الطيبة ؟ "
فهز الرجل رأسه وزفر قائلا : " كلا ، لم تضع مني هذه الأشياء . "
فرد عليه المتقائل : " أنت أعمق إذاً ، فإن الإنسان لا يبحث مع التعب والجهد إلا عن هذه الأشياء القيمة ، وأري أنه يجب عليك أن تستريح ولا تتعب نفسك وتهلكها لأجل شئ لا قيمة له . قال المتفائل هذه الكلمات . وقد ملأت الابتسامة وجهه ، وارتقع لحم خديه وتجعد الجلد الذي حول عينيه تجعداً عميقاً ، كما هي صفته التي تعودها كي تكلم مع الناس .
وأجابه الرجل قائلاً : " إن الشئ الذي أبحث عنه أهم من الأشياء التي ذكرتها ، وإني قد بحثت عنه كل يوم وفي كل مكان فلم أجده ! إني أبحث عن الدمع "
ولما سمع المتفائل كلام الرجل فتح فمه - كأنه الكهف العميق ورفع رأسه إلى السماء بفهنه بلا انقطاع ، وقال بعد حين : " الدمع وهل للدمع أتعبت نفسك وجاهدت
في البحث عنه ؟ إني لا تدمع عيناي دمعة واحدة ، ولا أعرف أين متبع الدمع من جسم الإنسان ، وإنما رأيت بعض الحمقى تنزل الدموع من عيونهم ، وسأخبرك عن الأمكنة التى تنزل دموعهم فيها :
" اذهب إلي المحطات والمرافي نجد هناك رجالاً ونساء كأن قلوبهم قد ربط بعضها ببعض ، لا يضيعون لحظة من الزمن ، وإنما يتحادثون فيها ولو بتكلف ، وإذا لم يتمكنوا من الكلام غابوا في أحلام ، كأن البرهة تساوي زمناً طويلاً لا نهاية له ، وتجد هناك أيضاً الأيدي بالآيدي ، والأذرع بالأكتاف ، والأفواه بالأفواه ، كانها مشدودة ملتصفة ولما تنفك بعد ، فاذا اتفني أن صفرت ما سورة البخار إنقطت المحادثات ، واستيقظ الحالمون ، وانفكت الأيدي والأذرع المشدودة ، فسالت الدموع من عيونهم سبلان الماء من الينابيع ، وإني أري أن هذه المناظر حقيرة مضحكة ، ولكن إذا ذهبت إلي هناك وجسدت الدمع بدون تعب ولا مشقة . "
وأجاب الرجل قائلا : " لا أريد هذه الدموع لأنها دموع الحب والغرام ، وأنهما كثيرة جداً يسهل على أن أجدها ، وإذا كنت أريدها لذهبت إلي المحطات والموانئ . منذ زمن "
وقال الرجل المتفائل : " لا تريد هذه الدموع ، إذاً فاذهب إلى حجور الأمهات أو إلي المهاد تجد فيها أطفالاً راقدين تعجبك وجوههم الحمراء الجميلة، وشعورهم الصفراء الخفيفة، وعيونهم السوداء المنيرة . وتدعوك إلي رحمتهم والمطف عليهم ، وتراهم بيكون فجأة بكاء ، شديداً ، ثم يوقفونه بدون تكلف ، ولا تكون دموعهم أكثر من الرجال والنساء المذكورين ، ولكنني أظن أنها تكفيك وتقنع أملك ، فإذهب إلى هناك ."
وأجاب الرجل قائلاً : " لا أريد هذه الدموع أيضاً ، لأنها دموع الطفولة ، وأنها موجودة في كل بيت يسهل على
أن أجدها ، وإذا كنت أريدها لذهبت إلي حجور الأمهات أو إلي المهاد باحثاً فيها . "
وقال المتفائل : " إذا أنت لم ترد هذه الدموع فاذهب إلى الملاهي ودور التمثيل تر على مسارحها رجالاً ونساء يمثلون أحياناً روايات محزنة خيالية ، ويقومون فيها بأدوار مضحكة ومناظر محتقرة . كموت زوج المراة ، أو مصرع قائد الجيش للدفاع عن بلاده ، أوحب الفتى والفتاة وتعذر إجتماعهما.أو غير ذلك،وإذا مثلوا في الرواية ووصلوا إلي أشد الأمور حزناً وأغمها بكوا بكاء شديداً ، ونزلت الدموع من عيونهم ، ولا يهمنا أن الرواية حقيقية أو كاذبة ، فعلى كل حال هم يبكون ، وستجد على عيونهم الدموع ، فاذهب إلي الملاهي وإبحث عن الدموع في مسارحها . "
وأجاب الرجل قائلا : " لا أريد هذه الدموع كذلك لأنها دموع خيالية كاذية ، ووجودها غير معتبر في العالم ، فلماذا أذهب إلى الملاهي وأبحث عنها ؟ "
ولم يستطع الرجل المتفائل أن يزيد عن تلك الدموع المذكورة ، فنظر إلى الرجل فاتحاً عينيه ، وبعد برهة سأله قائلا : " إذاً أي دمع تريد ؟ لأني أعتقد أنه لا توجد في العالم إلا الدموع التي ذكرتها ، فهل نعلم دمعاً غيرها ؟ " وأجاب الرجل قائلاً : " نعم ، علمت أن في العالم دمعاً غير تلك الدموع ، وأنا لا أبحث إلا عنه ، وأصرح لك بأنه دمع العطف والرحمة لا غير . "
فعجب المتفائل من كلام الرجل ، وحدق بعينيه في وجهه ، وهر رأسه هزة حقيقة ، وقال : " أمل هذا الدمع ليس موجوداً في العالم ، دمع العطف والرحمة ، لم أكن أسمع هذا الأسم الغريب ، ولم أعرف من الذي ينزل من عينيه هذا الدمع ولأي سبب ينزل ، فإذا علمته فهل لك أن تخبرني عنه بالتفصيل ؟ "
فقال الرجل : " نعم ، سأخبرك عنه بكل رضي وسرور. إن دمع العطف والرحمة لا يسيل لشخص أو لشخصين فحسب ، بل للناس الكثيرين ، وإن صاحب هذا الدمع ينزل من عينيه إذا رأي المأساة وتأثر قلبه بها تأثراً شديداً ، وليس كدوع الأطفال لأنها طبيعية بغير تأثر ، وإن هذا الدمع يسيل للإخلاص والصدق ، ولا يوجد فيه شئ من الخيال والكذب ، وأما أي شخص يسيل منه هذا الدمع فإني لا أعرفه ، وقد بحثت عنه في كل مكان ، ودققت النظر في عيون الناس ، فلم أجد قطرة من هذا الدمع ، ومن يدري أنه ليس موجوداً ، وربما سقط وضاع من عيون الناس في مكان ، وكل شئ إذا ضاع يمكن أن يوجد بالبحث عنه ، وسأبحث عنه ، لعلي أجده وأرده إلى أصحابه ، وما عثرت على الذين يسيل من عيونهم هذا الدمع ، ولكن عسى أن أجدهم خلال بحثي عنه ".
ولم يصدق المتفائل كلامه ، وهز رأسه هرات ثم قال : " إني لا أفهم كلامك ، وإنما إذا كان هناك شخص يسيل من عينيه هذا الدمع فإنه أكثر حمقاً وأشد سفهاً من الأشخاص الذين ذكرتهم لك ، فإن الإنسان أذكي وأعز من كل شئ ، ويستحيل أن يبلغ هذا المبلغ من الحمق والسفه ، فلا أستطيع أن أصدق كلامك ."
ونظر الرجل إلى المتفائل نظرة عطف وإشفاق ، ثم تهد وقال بصوت رقيق : " وأنت أيضاً من الذين أضاعوا هذا الدمع ! فيجب عليك أن تبحث عنه معي ، وإذا وجدته استرددت الشئ الذي أضعته ، فهل لك أن ترافقني ؟ "
ولم يرض المتفائل عن كلامه بالطبع وقال : " كيف ضاع مني هذا الدمع ؟ إن عيني لم تدمع دمعة واحدة ، ولا أحب أن يسيل الدمع مني ، ولا أرضى أن أعمل معك ، عملاً ليس فيه فائدة ، لذلك سأذهب إلى حفلة الغناء والرقص ،
أغني فيها غناء السرور ، وأرقص رقصاً جميلاً . " ولما رأي الرجل أن المتفائل لا يرضي أن يبحث معه عن الدمع فارقه واستمر في عمله ، ووقف المتقائل عند ذهاب الرجل بضحك ضحكاً عميقاً من حمقه وسفهه ، ثم ذهب إلى مكان السرور ، وشغل فيه باللهو والغناء .
ولم يجد الرجل الدمع في تلك الأمكنة ، فقير رأيه ، وذهب إلي مكان مزدحم بالناس باحثاً بينهم عن الدمع ، فوقف بجانب شارع . وألقى السيارات تسير فيه أسرع من الريح ، تأتيه فجأة وتروح لا يكاد يشعر بها ، ورأى الماشين في الشارع يضطربون إضطراباً شديداً ، وينظرون أمامهم وبتنظرون خلفهم خائفين من السيارات أن تقتلهم وتمزق أبدانهم إرباً ، ووجد البغال مجر العربات الكبيرة المحملة بالفحم هزيلة الأجسام كأن اللحم لا يوجد فيها ، والعرق المتصبب منها بلل شعورها السوداء ، وكلما خطت خطوة كادت تقع على الأرض وأخذت تجر قوائمها وتجدد قوتها فى كل خطوة وتذهب بذهابها إلى الأمام تغمض بعض إغماض ،
وأما سواقوها فقد ملأ غبار الفحم وجوههم ، وجعلها سوداء قاتمة ، وكأن عيونهم مغمضة ، وأصبحت شفاههم حمراء مخيفة ، ورأي الرجل من ناحية أخري رجالاً يجرون " العربات اليابانية " (١) التي يركبها الناس ، يعدون كالخيل ، ويمسكون بأيديهم أذرع العربات ، يعارون أرجلهم في العدو حتى تكاد تصل إلي أدبارهم ، ويرفعون أعضارهم كما ترفع اليهور أجنحتها . وإذا اتفق أن هاجت الريح بالتراب وألقته في وجوههم ، فيدخل أنوفهم وأفواههم ، يتنفسون باصوات عالية خشنة كامها البخار يخرج من أنابيبه ، وتنزل العرق من وجوههم ولا تسمح الظروف لهم أن يمسحوه عنهم . وإنما يسبل بنفسه إلى الأرض وبتلاشى في الرمل والتراب .
فقال الرجل في نفسه : " لعله هنا يوجد دمع العطف والرحمة " ولكن لما بحث عنه بحثاً دقيقاً لم يجد قطرة منه ، ونظر إلي سائقى السيارات والماشين والبغال وسائقي عربات الفحم وجاري العربات اليابانية والجالسين عليها كأنهم لم تسل منهم الدموع مطلقاً وأن تسيل منهم أبداً ، فتادر ذلك الشارع خائب الأمل .
وذهب إلي دار الاحتفالات الكبرى ، فوجد فيها الناس مزدحمين ، أخذوا يعدون حفلة فخمة لاستقبال رجل عظيم ، وسمعهم يتكلمون عن تاريخ هذا الرجل : " كان هذا الرجل العظيم يخوض غمار الحرب مرات كثيرة ، وعزمت بخططه جيوش العدو التي كان عددها لا يحصي ولا بعد ، وكانت كل جثة تستاقي على ظهرها أو محبو علي بطنها فوق الأراضي الواسعة الخضراء وفي ترع الأوحال العميقة مصابة برصاصه وقنابله ، وخربت الحقول ، وهدمت الحدائق ، وسكتت أصوات التلاميذ في المدارس ، ووقفت حركات الآلات في الصانع بمدافعه وطائراته ، وأصبحت الأيدي مقطوعة ، والأرجل مكسورة ، وفقدت النساء أزواجهن ، والأمهات أبناءهن بقضائه وقدره ، وهو يمر الآن بهذا البلد بعد إنتصاره في الحرب ."
فقال الرجل:"لعل هنا يوجد دمع العطف والرحمة " ولكنه لما جاء الرجل العظيم ظهر علي وجوه الناس كبير الاحترام وشديد الفرح ، فتفزوا ورقصوا كأنهم جماعة من الضفادع ، وظلت أصوات هتافهم كالأمواج تصخب ، ورموا فلانسهم إلى السماء تتراقص في الهواء ، وفي هذه الضوضاء وذاك الجنون دخل الرجل العظيم ، وتبعه الناس ، وإفتتح الاحتفال ورأي الرجل أنه لا يوجد في وجوه هؤلاء الناس إلا ابتسامة وسرور كأن عبونهم لم تسل منها الدموع مطلقاً ، ولن تسيل منها أبداً ! فغادر تلك الدار صفر اليدين .
وذهب الرجل إلى مصنع كبير ، فوجد رجالا ونساء كثيرين يعملون فيه ، وقد أصمت أصوات الآلات آذانهم ، وسدت روائحها أنوفهم ، وما أكبر المجلات التي لا يستطيع الإنسان أن يحركها إلا بقوة كبيرة ! وراي الرجل أن علامات الموت تدب على وجوههم من شحوب وأمتناع ويحل بعضهم ظهره بجانب الآلات بأكل الطعام الخشن والثاني الروي ، ويقف بعض النساء يفكرن في أطفالهن الذين تركنهم في البيوت ، فريما بكوا بكاء شديداً إذا لم يجدوا أمهائهم ، ولكن لا يمكن لهؤلاء الرجال والنساء أن يضيعوا وقتا كبيراً ، ويلزمهم أن يأكلوا بسرعة ، وعلى النساء أن يستيقن من أحلام التفكير في أطفالهن . ويجب عليهم وعليهن أن تواصلوا العمل ، ولما غابت الشمس خرج هؤلاء العمال من المصنع ، ومروا بالسوق الليلية التي يطوف بها الرجال والنساء يبحثون عن السعادة والفرح فدخل العمال في أمواج هؤلاء ، السعداء المزدحمين واختلطوا بهم .
وتبع الرجل هؤلاء العمال مفكراً : " لعله يوجد هنا دمع العطف والرحمة " ولكن هؤلاء الناس كماء النهر إذا دخله ماء آخر إختلاطا وسارا معاً بدون تأثر وكذلك أختلط الناس في السوق بالعمال الذين دخلوا بينهم ، ولم. يتأثر بعضهم ببعض ، فدفق الرجل نظره في عيونهم كانها قعور الآبار الجافة لم تسل منها الدموع مطلقاً ولن تسيل منها أبداً ! فغادر تلك السوق بائس الرجاء .
ورأي الرجل أنه لم يجد ومع العطف والرحمة في الناس أيضاً خزن حزناً كبيراً ، فمشي في الطريق حتى وصل إلي قرية بغير قصد ، ورأى كوخاً صغيراً ، أمامه ميدان واسع وحوله بضع أشجار من الصفصاف ، تجعل أشعة الشمس أوراقها الخضراء جميلة رشيقة ، ويظهر أن عند صاحب الكوخ ضيوفاً يعد لهم وليمة ، وبدأت امرأة تذبح الدجاج ، ويجنبها قفص فيه بضع عشرة دجاجة ، فأخذت المرأة دجاجة
واحدة ، وأمسكت بيدها اليسري جناحيها وعرف رأسها ، ونزعت بيدها اليمنى شعر عنقها ، ثم أخذت سكيناً وذبحتها ، فحركت الدجاجة رجلها كأنها تريد أن تدافع عن حياتها ، ولكن لم تقدر على ذلك ، فنزل الدم من عنقها في طاسة صغيرة ، فوضها المرأة على الأرض بعد إنتهاء نزول الدم ، وتحركت الدجاجة على الأرض حركة خفيفة ، ولم تلبث أن أصبحت كومة من الريش من غير روح ، وذبحت المرأة الدجاجة الثانية والثالثة كما ذبحت الأولى .
ولما ذبح المرأة الدجاجة الخامسة خرج من الكوخ ولد ذو وجه أحمر ، وعينين سوداتين بتطلع بهما . وسعي إلي المرأة ، فرأي أكواماً من الريش ودجاجاً في القفص ، ووجد واحدة منها في يد المرأة منظرها يؤلم القلوب ، فأسرع ليمسك بيد المرأة اليمنى ، وخرج البكاء المحزن من فمه ، وتدفقت الدموع من عينيه كتدفق الينبوع .
ولما رأي الرجل هذه الدموع لم يصدق أن عينيه تريانها حقيقة ، ولكنها جزاء تعبه الغالي الذي أتى بدون حسبانه ، ودقق النظر فيها فوجدها حقيقية تسيل من عيني الولد قطرة قطرة كأنها دور لامعة ، ففرح فرحاً شديداً كانه وجد اللؤلؤ ، وصاح قائلاً : " لم أكن أظن أنني أجدها هنا ! " وتقدم إلى الولد ، ووقف أمامه ماداً بديه تحت عينيه ، وبعد برهة ملأت دموع الولد كفيه .
فقال : " لقد وجدت الآن هذه الدموع التي أضاعها الناس ! وإن واجبي الآن أن أروها إليهم" فراح قاصداً إلي " الرجل المتقائل " ليردها إليه أولاً ، لأنه لم يصدق أنه أضاع هذه الدموع ، وطلب منه أن يحفظها ولا يضيعها مرة ثانية ، ثم ذهب إلى كل مكان ليهدي هذه الهدية القيمة الفاخرة التي لا مثيل لها عنده إلى كل إنسان ، استعدوا أيها القراء الكرام ، لتأخذوا هديته ، فربما ذهب إليكم قريباً.
