الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 626الرجوع إلى "الرسالة"

الدميم. . .

Share

(بقية ما نشر في العددين السابقين)

-  ٣ - لزمت غرفتي طوال النهار التالي ولم أذهب إلى ملحق الفندق  إلا بعد ثلاث ليال.

لقيني خصوم الليلة الأولى بل أصدقاؤها بترحاب ملحوظ،  جعلني أحس كأنهم ينتظرون قدومي، وغدوت أعاتب إذا تأخرت  ليلة عن الحضور.

قيل لي مرة بعد مقدمات وأسئلة عن صاحبي (وقد  أطلقوا عليه أسم   (ليدرون)  تحريفاً لكلمة بالفرنسية معناها    (يشع ) )  بأنه خطب الآنسة         (سمسم)     من والدتها وهو يجهل  طبعاً أنها حفيدة فلان العظيم، وقد ذكروا اسمه ولقبه ورتبه، وأن  والدتها ردته بلطف فلم يأبه لردها وأصر على البقاء بقرب          (سمسم)     وأنه سيعود إلى مصر متى عادت إليها ليفاتح جدها  وهو ولي أمرها   (بالزواج) . وقالت إحدى الآنسات: نحن  منقسمون حيال هذه المسألة إلى قسمين: قسم الآنسات يتنبأ  بتحقيق هذا الزواج وسيكون زواجاً سعيداً، وقسم الرجال يستبعد  وقوعه، فأنت إلى أي جانب يكون انحيازك؟

قلت: ماذا كان ردّ الآنسة (سمسم)  على خطبتها؟ قلن: قالت إنها ستقول كلمتها عندما تعرض المسألة على  ولي أمرها.

لم أشأ الانحياز إلى جانب المتنبئات المتفائلات لأنهن أقدر  من الرجال على استشعار الرجولة ومعرفة ميول المرأة، ولم أمل إلى  المتشائمين الذين استبعدوا وقوع هذا الزواج بين شخصين يمثلان  الشيء وضده، أي الجمال البادئ والدمامة الصارخة، وقد تحاشيت  عمداً إبداء رأي في صاحبي الذي عرفته فقط يوم وصولي إلى  جزيرة   (رودس)  وقد أعانتني على هذا التحاشي رؤية

صاحبي مقبلاً مع فتاته         (سمسم)     وكأن قلبيهما يدفعان  خطواتهما باتزان في حين كان فكراهما يسبحان في جو  سماء واحدة.

كان من عادتي في تلك الجزيرة أن أستيقظ عند الفجر أستقبل   شروق الشمس حين أكون عند قمة الجبل أمتع النظر بأبهج  وأروع ما رأيت من مفاتن يقظة الشمس. وحدث في صبيحة  أحد الأيام، أني ما كدت أتخطى عتبة حجرتي حتى تقدم أحد  غلمان الفندق فألقى إلى كتاباً فيه دعوة من السيدة والدة الآنسة  (سمسم)  إلى مقابلتها عند ربوة   (النبي إيليا)  وهي ربوة ليست  بعيدة عن الفندق تكتنفها أشجار الصنوبر وتحجب الجالسين فيها  عن الأنظار.

سيدة مهيبة الطلعة يبرز وجهها الحافظ لنضارته ولونه كلون  ضوء القمر من وسط هالتين من شعر أسود فاحم، وثوب أسود  يستر أكثر أجزاء الجسم، هذه السيدة والدة (سمسم)   هي التي  دعتني للكلام معها في حادث صديقي.

شرحت لتلك السيدة المحترمة العاقلة مبلغ معرفتي بصاحبي  الدكتور واعترفت لها بأن لا سلطان لي عليه إلا حق دعوته إلى  الاصطبار والتريث ريثما ينقضي فصل الصيف ونعود إلى مصر. قالت: أخشى أخباراً تتسرب إلى مصر تنقل محرفة فيتقول  الأشرار عن العائلة ما لا ترضاه، ودعتني بإلحاح إلى معاونتها في  إقصاء صاحبي عن ابنتها التي شهدت بطيبة قلبه وكريم شمائله كما  ستعمل هي من جانبها على ردع ابنتها بالحسنى عن التمادي في صداقة  رجل لم نعرفه بعد.

لم يكن في وسعي استجابة طلب السيدة وقد أدركت من  كلامها أنها وإن كانت غير راضية عن صلة ابنتها بالرجل  ولكنها غير غاضبة عليها، وقد صارحتها الرأي قائلاً بأني لا أطيق  أن أباعد بين قلبين يتدانيان، ولا أعمل مطلقاً على نصب حواجز  بينهما. وقد شعرت عند تركي إياها بأنها مقدرة موقفي وتصرفي.

مدت يدها لوداعي، فقبلت تلك اليد ووددت لو ألصق شفتي  بظهر كفها طويلاً لإبلاغها مدى احترامي لها وإكباري إياها. السيدة جميلة تستر جمالها بالحزن، حدثتني عن ابنتي الوحيدة  بلسانين من العاطفة الحنون والعقل الراجح. إنما هي محزونة

اشترك في نشرتنا البريدية