الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 322 الرجوع إلى "الثقافة"

الديمقراطية الروسية

Share

) تكلمنا في المقال الذي مر في العدد ٢٠ من الحجج التى تبرهن على أن الحزبية كما نفهمها ليست من ضروريات الديمقراطية وان وجود هدف سام مشترك بين جميع أفراد الأمة فيه ضمان لأن تكون نتيجة الانتخابات الديمقراطية فوز الاكفاء الصالحين . وفي هذا المقال نشير إلى بعض التغيرات التي حدثت في الاتحاد السوفيتي في السنوات الأخيرة والتي قد تبدو  انتفاضا على مبادئه ورجوعا إلى الوراء . وليذكر القراء الكرام إذا ننتقل هنا من مقال بات سلون الذي نشر في مجلة العصر الحديث الإنجليزية

ظل التعليم من سنة ١٩١٧ إلي سنة ١٩٤٢ مشتركا للبنين للبنات في مدارس واحدة في جميع انحاء الاتحاد السوفيتي أما الآن فيفرق بين تعليم البنين وتعليم البنات الذين هم دون الثامنة عشرة من العمر وبين مدارس كل منهما فما الحكمة في هذا التغيير ؟ كان من أهداف التعليم المشترك تحقيق المساواة التامة بين النساء والرجال . وما كان ليتسني لروسيا التحرر من جميع القيود القديمة التي تحد من نشاط النساء في النوادي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلا عن طريق جعل التعليم مشتركا بين الرجال والنساء لفترة طويلة من الزمن

على أن مجرد قيام نظام عام للتعليم المشترك بين الجنسين قد مكننا لأول مرة في التاريخ أن نقدر قيمة تطبيق نظام كهذا علي نطاق واسع شامل على الصورة التي حدثت في روسيا .

ولقد كنت اتحدث مع إحدي ناظرات المدارس الثانوية في كييف عام ١٩٣٦ فبدت منها ملاحظة بشأن التعليم المشترك ، وهي ان هناك مسألة عويصة لا تزال تتطلب الحل ، الا وهي أن البنين والبنات بنموان في مختلف الأعمار بسرعة مختلفة . ونتيجة هذا ان البنات يسبقن البنين في نموهم في خلال المرحلة المبكرة ، ثم يقف نموهن إلى حد ما ويزداد نمو البنين بسرعة كبيرة ؟ فهذه المشكلة إذا كانت تدور حولها المناقشات فيما بين المعلمين السوفيت منذ سنة ١٩٣٦ ولقد كانت هذه الحقيقة التي قررتها تلك السيدة أحد السبين الرئيسين في احداث هذا التغيير الذي تضمنه القرار الذي صدر بالغاء التعليم المشترك

وأما السبب الثاني لإلغاء التعليم المشترك فيرجع إلي اختلاف الوظائف الطبيعية للرجال والنساء ، ذلك الاختلاف الذي لا مناص من بقائه حتى ولو توافرت خير الظروف الاجتماعية وانسبها المساواة الجنسية ، ويقصد من ذلك بطبيعة الحال أن النساء هن اللاتى خصصتهن الطبيعة للحمل والولادة ، ومن ثم وجب ان يشمل تعليم البنات أمورا لا أهمية لها بالنسبة للبنين . فالفروق في المناهج ، التي من شأنها أن تدرس المواد الحربية للأولاد في الفترات المخصصة للمواد النسوية بالنسبة للبنات ، مؤسسة على الاعتراف بالفروق الفسيولوجية الكائنة بين الجنسين والتي لا يصح أن يطمح أي نظام اجتماعي إلي استئصالها " .

أما القانون السوفيتي الجديد الخاص بالأسرة والذي يتضمن التعديل الكبير الثالث في قانون الزواج منذ سنة ١٩١٧ فهو بلا شك نتيجة لعظم الخسائر الفادحة في الرجال التي مني بها الاتحاد السوفيتي في خلال هذه الحرب . ولما كانت المساواة الجنسية لا تزال المبدأ الأساسي في المجتمع السوفيتي فلم يكن هناك مناص من أن يتخذ تشجيع العائلات الكبيرة صورة إيجابية هي تشجيع النساء على أن يحملن اطفالا بدلا من ان يتخذ الصورة السلبية التي تفيد بأي وجه من الوجوه حق الأم في أن تلعب إن شاءت دورها في حياة الأمة كمنتجة وكأجيرة .

ولهذا السبب لا يتناول هذا القانون الجديد بأي وجه من الوجوه تعديل حقوق المرأة المتصلة بحياة الامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . وإنما يرفع القانون المنزلة الاجتماعية للأم إلى الذروة . وقد منحت للأمومة سلسلة من التشجيعات لم يكن لها وجود من قبل ، وذلك عن طريق زيادة المرتبات العائلية وتكريم الأمومة تكريما لم يكن ليظفر به من قبل سوى القائمين بالأعمال الجليلة أوالبطولة الحربية ، وإجراء مرتبات حكومية لتربية اطفال الأمهات غير المتزوجات . ويلاحظ ان الدولة السوفيتية تؤثر الأم غير المتزوجة على العزبة. وتتمتع الأم غير المتزوجة بكامل الحقوق الاجتماعية التى لنساء السوفيت

الأخريات مما في ذلك مرتبات العائلات الكبيرة وامتيازاتها ، وذلك علاوة على كفالة الدولة لاطفال تلك الأم ، سواء اختارت أن يكونوا في رعايتها الشخصية أو أن يربوا في المؤسسات المخصصة لهذا الغرض .

ومع ذلك فإن القانون الجديد يشجع ويؤيد بقوة قيام الزواج الدائم من زوجة واحدة ، فهدا يعتبر الاساس الطبيعى لوحدة الأسرة ولاشك في أن هذه الفكرة قد كانت في الغالب نتيجة لدعاية واسعة ملحة قام بها رجال الغربية يدعون إلي ضرورة جعل الأسرة الطبيعية أساسا المجتمع كلما أمكن ذلك

ولم يكن ينظر للقوانين في أي وقت من الأوقات في الدولة السوفيتية على انها من صنع الانسان ، ولذلك لا يعثر هناك على من يدعي ان القانون الذي يكون مناسبا في سنة من السنوات سيكون كذلك ملائما للظروف التي ستقوم بعد عشر سنوات .

ويمكن تلخيص المبادئ الاساسية التى يقوم عليها المجتمع السوفيتي ويتضمنها الدستور فيما يلى : ١ - ينتخب جميع من يتبوءون المراكز ذات النفوذ والسلطان انتخابا مباشرا باقتراع سري يشترك فيه جميع المواطنين الذين في سن الثامنة عشرة وما فوقها ، ولهؤلا ، جميعا أن يرشحوا أنفسهم للانتخابات ، لكن المرشحين يجب ان تزكيهم هيئة أو اكثر من الهيئات الشعبية التى لا تقتصر على الحزب الاشتراكي وانما تشمل اتحادات العمال وجمعيات التعاون والهيئات التي تمثل التنظيمات الثقافية وجماعات الشبان وما إلى ذلك

٢ - جميع وسائل الإنتاج في الدولة ممتلكات عامة ، وهي الأراضي والمنابع الطبيعية ووسائل النقل والبنوك والصناعات وغيرها ، ومع ذلك فيصح للأفراد إن شاءوا أن يعملوا بأنفسهم لحسابهم في الحرف أو في الزراعة ما داموا لا يستخدمون عمالا من الخارج

٣_ جميع الحياة الاقتصادية لدولة منظمة كما قدمنا طبقا لخطة موضوعة ٤ - حق العمل مكفول ومضمون لجميع المواطنين ، وقد كانت آخر مرة عرفت فيها البطالة في روسيا سنة ١٩٣١

ثم تلاشت إلي غير رحمة منذ بدأت خطة الخمس سنوات الأولى في التنفيذ وسارت عجلتها وانتظم دولاب العمل فيها وصارت المشكلة مشكلة إ يجاد العدد الكافي ممن يعملون بأيديهم وبعقولهم للقيام بجميع الأعمال التي انعقد الإجماع على ضرورتها لضمان مصلحة الشعب كله وسعادته

٥ - حتى الاستمتاع بالإجازات التي توفر للمواطنين فراغا معقولا مضمون للجميع أيضا ، وقد كانت ساعات العمل في الأيام العادية المتوسطة قد انقصت وقت السلم إلي ما دون السبعة ، وكان كل عامل وعاملة يمنح ما لا يقل عن أسبوعين على سبيل الإجارة السنوية بأجر كامل . أما الذين يشتغلون بأعمال خطرة فإن فترة إجازتهم تزاد إلي شهر ، على أن القوانين الخاصة بساعات العمل وبالإجازات قد اوقفت كلها بطبيعة الحال في خلال هذا الصراع الحالي

٦ - أما التأمين ضد المرض والعجز قمضمون من طريق خدمة صحية منظمة مجانية لا تكلف الفرد أي شىء بتاتا ، تقوم بها العيادات والمستشفيات . وجميع المعاشات إلى تجري علي كبار السن والمرتبات التي تدفع للمرضي كلها تقدر وفقا لكادر سخي بفضل اي كادر مشابه له في الوقت الحاضر في جميع انحاء الامبراطورية البريطانية ، مع احتمال استثناء نيوزيلاندا وحدها

٧ - والمساواة الجنسية مضمونة بحكم القانون كما سبق أن أسلفنا أما المساواة بين مختلف القوميات التي تؤلف الدولة السوفيينية فيكفلها القانون ويؤيدها إلى حد تجعل أي " نوع من التمييز القومي أو الجنسى معتبرا مخالفة جنائية ومن الملاحظات الممتعة ان هذا القانون وحده يحول بقوته وصرامته دون قيام اي صورة من الصور الفاشية في الدولة السوفيتية

وإلى هذه المساواة الدقيقة يرجع الفضل في عدم قيام منازعات وطنية وهي والمساواة التامة بين الافرار وعدم وجود أية منازعات من التي تقوم عادة بين الطبقات ، إلي هذين السببين وإلى تلك الوحدة المزدوجة بين مختلف الأفراد و مختلف القوميات ، إلى هذه كلها يرجع الفضل فيها قامت به روسيا السوفيية في خلال هذه الحرب من اعمال مجيدة مدهشة ، على الرغم مما كان ينشورها في مبدأ الامر من نقص خطير في .

بعض النواحي الاقتصادية والصناعية إذا قورنت بألمانيا .

٨ - كذلك التعليم مكفول لجميع المواطنين ، ومع ذلك فمنذ قيام الحرب قد فرضت مصروفات مدرسية اسمية (لا تتجاوز ١٠ % من النفقات الفعلية ) في التعليم الثانوي والتعليم العالي على جميع الذين لا يصل مستواهم إلى حد معين مقرر ، وقد أدخل هذا التعديل في وقت كانت فيه الحاجة ماسة إلى عدد كبير من الرجال لتوسيع نطاق الصناعة ونموها بسرعة ، بينما كان التجنيد العسكري يقلل عدد العمال الذكور الذين يمكن الانتفاع بهم في هذا الغرض . لكن تلك المصاريف لم تفرض في المدارس الفنية والصناعية ، فكان ذلك بمثابة تشجيع مباشر للطلاب على ان يصلوا إلي مستويات عالية في شغلهم بالمدارس الثانوية وبالجامعة ، أو يضطروا إلى الاختيار بين دفع تلك النفقات الاضافية وبين الانتقال إلي مصانع أو مدارس صناعية

النبي وكثيرا ما يتساءل الناس فيما بينهم : إذا كانت روسيا متحدة إلى هذا الحد فما السبب الذى إذا اضطرار الحكومة في بعض الأحيان ( كما حدث في عامي ١٩٣٦-١٩٣٧ ) إلي إجراء حركات تطهير في دولاب الحكومة وفي الحياة السياسية للبلاد بوجه عام ؟ .

والجواب على ذلك أن المتبرمين بالحالة القائمة لابد من وجودهم في كل وقت وفي كل مملكة ، لاسيما بين الذين ذاقوا طعم السلطان وادركوا ان يومهم قد ولي ولم يعد في استطاعتهم الظفر بتعضيد الجمهور . فالفاشيون في اسبانيا مثلا حين أقل تجمهم لجأوا إلي العصيان المسلح وساعدهم عليه هتلر وموسوليني ، وحدث مثل ذلك في كثير من البلدان التي احتلها النازيون ، وسلك هؤلاء ، المتبرمون مسلك كوزلنج أما روسيا السوفيتية فإنه وإن لم يكن فيها ملاك أو أصحاب بنوك أو رجال أعمال فقد كان فيها عام ١٩٣٠ سياسيون يتطلعون إلى مستقبل سعيد ، ولكنهم ألفوا سلطانهم ونفوذهم يتدهور ويئسوا من ان يستعيدوا ثقة الشعب بهم ، فلم يكن من الصعب علي هؤلاء ، إذا ان يحذوا حذو فرنكو ويتحالفوا مع غيرهم ممن يؤملون في قلب

نظام الحكم لأي سبب من الأسباب وقد أثبتت المحاكمات الروسية للعالم كله ان الدولة السوفيتية قد كشفت النقاب عن تلك الاساليب ، ولو ان امثال تلك الحركات لاقت من الإجراءات الحاسمة مثل مالاقت شبيهاتها في روسيا لتغير مصير أوربا عما هو عليه الآن

وفي ختام هذا المقال نشير إلي قوة الرأي العام في روسيا وإيمان القادة به وتقديرهم له واعتدادهم بقوته ، فهم لا يفتأون هناك يعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات ليبحثوا الآراء ويمحصوا السياسات قبل ان يرسموها بصفة نهائية . وتشجع الأفراد والهيئات على التعبير عن رأيها فيها بكل صراحة . ولم يعرف إلى يومنا هذا في العالم ان قائدا ديمقراطيا ابدي إيمانه وثقته في المواطن العادي بقوة وحرارة كما فعل ستالين . واليك حديثا له بين فيه كيف أن الفرد العادي قد يكون على حق بينما تخطئ جماعات كاملة من القواد . واتخذ لذلك مثالا سيدة من كييف تدعي نيكولنكو

" من هي نيكولنكو ؟ هي عضو عادي في الحزب ( شخصية تافهة ) ظلت عاما كاملا تنبه إلي موقف خاطئ في نظرها ، يتصل بتصرفات فرع الحزب بكييف ، وتندد بالأغلاط التي ارتكبها والأضرار التي تجمعت عن هذه الاخطاء وتلك التصرفات . لكن الجميع وضعوا أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عنها وتجنبوها كما لو كانت بلاء مخيفا . ولما ضاقوا بها ذرعا فصلوها من الحزب ليتخلصوا منها ، فحاولت أن تنتصف لنفسها فلم يسعفها فرع كييف ولا لجنة الحزب في أوكرانيا ، ولم يكشف عن حقيقة الأمر الا تدخل اللجنة الرئيسية للحزب ، فهي التى ساعدت على حل العقدة الملتوية . فماذا كانت نتيجة فحصها لهذه القضية ؟ إنها كشفت الستار عن ان نيكولنكو كانت على حق وان فرع كييف كان مخطئا . ويتجلي من هذا بوضوح كيف ان الفرد البسيط العادي قد يكون في بعض الأحيان أدنى بكثير إلي الصواب من بعض الهيئات الشامخة بأنفها " .

اشترك في نشرتنا البريدية