الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 917 الرجوع إلى "الرسالة"

الدين والسلوك الانسانى

Share

دراسة الدين والسلوك الدينى موضوع لن يطمح كاتب هذه السطور أن يستنبط له منهجا جديدا؛ إنما هو يستوحى لذلك  ما انتهجه بعض أئمة البحث الغربيين من مناهج، وذلك لأن هذه الدراسة قصد بها التعرف على مشكلة الدين والسلوك الإنسانى فى المحيطين الأوروبى والأمريكى اللذين تغزو موجاتهما دعائم الفكر العربى فى هذه الآونة مما أوجد بين بعض المثقفين العرب اتجاهاً سلبيا إزاء وظيفة الدين الروحية والاجتماعية. وهذا ما يدفعنى إلى اتخاذ هذا النهج على أساس الحكمة التى تقول (من فمك  أدينك)

ويجب ألا يغرب عن البال أن البحث فى وظيفة الدين  الاجتماعية لا يعني الانكباب على دراسة (اللاهوت) ؛ فاللاهوت  يختص بالتعرف على التطور الفكرى والتاريخى للمذاهب الروحية،  بينما ينطوى علم الدين الاجتماعى على استعراض علاقة الغريزة  الدينية بالحياة اليومية وما يعرف الآن بعلم الاجتماع الدينى فالناحية اللاهونية فى الدين تعالج العقيدة من حيث أنها

إيمان وذلك عن طريق الدراسة لفلسفة الوجود والتعبير الدينى  ممثلاً فى الصلوات والعبادات1. وعلم الدين الاجتماعى يتطرق  إلى الظواهر الاجتماعية وصلتها بالحياة الروحية. وهذا فى الواقع  صلب الإشكال بين المفكرين فى الغرب وانقسام الرأي فيهم  بين أنصار العقل والقيم الروحية من جهة، وأنصار الغريزة البدائية  من جهة أخرى

ولا ريب أن العلاقة وثيقة بين اللاهوت وعلم الاجتماع  الدينى، ولكنها ليست ضرورية دائماً. ويخيل إلى أن الإسلام فى  بساطته ووضوح تعاليمه لا يتطلب دفاعاً لاهوتياً على النحو الذى تتطلبه الأديان السماوية الأخرى.

ولقد كثرت في الآونة الأخيرة أبحاث بعض المفكرين  المسلمين في الشرق العربى عن علاقة الاسلام بالمذاهب السياسية  والاقتصادية والفكرية المعاصرة. والجدل الذى أثير مؤخراً حول  هذه البحوث لا يتطرق إلى صلب الدين الاسلامي ولا يجادل  جوهره ومبادئه، وإنما يطوف حول الناحية الاجتماعية فى التعاليم  الإسلامية.

والواقع أنه هذا الظمأ إلى دراسة هذه الناحية الاجتماعية فى  العقيدة الدينية قد ألهم الكثير من رجال الفكر الأوربى

والأمريكى لكتابة بحوث مماثلة لهذه التى صدرت مؤخراً فى  العالم الإسلامى2

ولكن الفارق الرئيسى بين بحوث هؤلاء الغربيين وبين  معالجات المسلمين هو افتقار الأديان السماوية الأخرى إلى التعاليم  الدنيوية التى تنظم الحياة الاجتماعية. هذه التعاليم التى يزخر بها  القرآن الكريم والحديث الشريف واجتهاد الأئمة المسلمين.  وهذا فارق يبسط دراسة الناحية الاجتماعية فى الاسلام لا على  أساس من الاقتباس والاستعارة ولكن بالمقارنة وإعادة تفسير  التعاليم الاسلامية وتطهيرها من الباطل الذى علق بها زوراً  وبهتاناً دون مساس بالعقيدة والجوهر، وفى لغة يفهمها أهل هذا  العصر

إذن فهدفنا الرئيسى هو التعرف على علاقة الدين بالظواهر  الاجتماعية. ولعل فى ذلك ما يساعدنا على تفهم المغزى الجليل  النفع فى السلوك الدينى ويوفر لنا أضواء نلقيها على عظمة  الروحانية التى يحمل لواءها الدين والتى تواجه هذا التحدى من  عناصر المجتمع العربى هذه الأيام

ويجب أن نقرر فى هذه المرحلة من الحديث أن الدين لم يمت  ولن يموت، لسبب بسيط وهو أن السلوك الدينى تعبير عن الغريزة  الدينية الكامنة فى أنفسنا جميعاً. والغريزة لا تموت دائماً بل  تنطمر فى بعض الحالات تحت ركام من العقد النفسانية والمشاكل  الدنيوية. فإذا توفر لها من يزيل عنها هذا الركام برزت صافية  جلية تبعث فى الفرد وفى المجتمع الطمأنينة الحقة وهى سر السعادة  والهناء فى عالم قلق مضطرب

فاتجاه بعض المفكرين إذن إلى دراسة الإسلام على ضوء علم  الدين الاجتماعي هو نتيجة حتمية لموجة الاضطراب الفكرى  التى تعترى بعض المسلمين من أصحاب الثقافة الغربية فى هذه  الآونة - وبعض هؤلاء ابتعدوا عن الدين لا بدافع التحامل

الأعمى أو الإلحاد ولكن لمجرد افتقار برامج التعليم إلى المواد  الدينية بقسط أوفر من القسط الذى تحظى به هذه البرامج  الآن، وافتقار الحياة الفكرية كذلك إلى بحوث علمية تدرس  الدين على أسس من المناهج المستحدثة

فالمشكلة إذن مشكلة جهل وليست مشكلة إلحاد، وإن كان الجهل فى بعض الحالات يكون كفراً

ولست أدعى أبداً أن دراسة الناحية الاجتماعية فى الدين الاسلامي تغنى عن متابعة الاجتهاد فى علوم الفقه والشريعة  وأصول الدين على النحو الذى تقوم به معاقل الاسلام فى الأزهر وغير الأزهر. فالحقيقة أن علم الدين الاجتماعى متمم لعلوم الفقه  والشريعة وأصول الدين. فالدراسة الدينية تبرز الجوهر وتشرب  التفاصيل وتفسر ما استعصى على بعض الناس فهمه من ألوان الروحانية التى يحملها الدين، والدراسة الاجتماعية للدين تشرح صلاح هذا الجوهر وهذه الروحانية لاحتضان المستجد المفيد من  التفكير السياسى والاقتصادى المعاصر. والبارزة الفريدة فى الاسلام أن كلتا الناحيتين متمازجتان فى صورة متماسكة متشابكة،- الأمر الذى يورد بعض الكتاب موارد الزلل فى معالجتهم لهم  التماسك وهذا التمازج.

والخروج من هذا الإشكال يستوجب على الباحث أمرين: ١ -  اختيار صادق للعقيدة والإيمان وما يستتبع ذلك من  طمأنينة وسمو نفسانى ونزاهة فى التفكير والمقصد

٢ - إدراك المشاكل الاقتصادية والسياسية التى تعيش فى  نفسية رجل العصر الحاضر وفى مجتمعه

وللباحث أن يدرك كذلك الفرق بين العقيدة والإيمان وفلسفة الحياة الروحية، وبين النظرة الواقعية لمجرى الشؤون  الدنيوية والسلوك الإنسانى3

فليس هناك صدق علمى فيما يحلو للبعض الكتابة عنه هذه الأيام (كالاشتراكية فى الاسلام) و (الشيوعية فى الاسلام)  وغير ذلك من عناوين؛ وإنما هنالك مجال للبحث بين علاقة التعاليم الإسلامية بالمشكلة الاجتماعية أو الفكرة السياسية وما شابه

ذلك من مظاهر النشاط الانسانى فالاشتراكية والشيوعية نظم سياسية واقتصادية، والدين عقيدة وإيمان فوق أية دستور للنشاط الإنسانى. والخلط بين  الاثنين قصور عن فهم العقيدة وافتقار إلى اختيار الايمان وعجز  عن تفهم ما انطوت عليه تلك النظم الاقتصادية من أسس قد  لا تنطبق على كل مجتمع فى كل صعيد

فعلم الدين الاجتماعى لا يجوز أن يكون وسيلة لتنفيذ برنامج  معين من برامج الإصلاح السياسى والاقتصادى؛ والترويج لها من  مقتبسات القرآن والحديث والاجتهاد، وإلا فقد الدين مزيته  الرئيسية وأصبح كبرامج الأحزاب السياسية يتجدد ويتبدل  بتبدل الأوضاع والملابسات

فقبل أن تنشأ الماركسية نشأت نظم سياسية واقتصادية  واجتماعية عديدة تحدى بعض مروجيها العقيدة الدينية واتهموها  بأنها عائق فى وجه الإصلاح. ثم اندثرت تلك النظم أو تطورت  إلى نظم أخرى. وبقيت العقيدة الدينية كامنة فى قرارة السلوك الإنسانى تحفظ الحياة وقيمها الرفيعة فى خضم القلق والثورات  والحروب، وتلهم الناس أسباب الطمأنينة والثقة بالعدالة الإلهية  وبالاستقرار النفسانى والاجتماعى. ويحب كاتب هذه السطور أن يذكر على سبيل المثال أنه اشترك فى جامعة كولومبيا فى نيويورك فى السنة الماضية فى حلقة دراسية عالجت تطور التفكير فى أمريكا فى فترة ما بعد الحرب فتبين لأعضاء الحلقة أن الكتب  الدينية هى من أكثر المنشورات رواجا فى عالم ما بعد الحروب - رواجا أثبتته إحصاءات الكتب الرائجة التى تنشرها الصحافة  الأمريكية بانتظام

فالنظم السياسية والاقتصادية كالماركسية مثلاً أسلوب فى  الحياة يستمد مبادئه من الظواهر الاجتماعية وهذه الظواهر تتأثر بالظروف والأوضاع المتقلبة بينما الدين غريزة متأصلة فى قرارة

النفس كغريزة الأكل واللعب. قد يأتى عليها حين ترسب خلاله  إلى الحضيض لفترة قصيرة، ولكن لا مفر لها من أن تجد سبيلها  إلى الشعور الواعى فى الأحيان الكثيرة.

على أن هناك أموراً أخرى لا مفر من إقرارها ما دمنا  بصدد الكلام عن منهج البحث منها:

١ - إدراك الباحث والقارئ معاً واعترافهما بحقيقة  الاختبار الدينى وقوة الإيمان والمتعة الروحية والتطور التاريخى الذى صاحب ولا يزال يصاحب التعبير عن هذا الاختبار وعن  هذه المتعة. وهذا الاختبار إن كان يتنوع فى وسائل روحانياته  بين مختلف الأديان السماوية إلا أنه اختبار على كل حال يشترك فيه  كل مؤمن

والتنوع فى اختبار المتعة الروحية يستند أولا: إلى الاختلاف فى جوهر العقيدة (كما هو الحال بين الإسلام والبرهمانية مثلا حيث يجد بعض البرهمانين المتعة في إيلام الجسد) . وتستند ثانيا: إلى اختلاف التطور الفكرى بين الشعوب وطبيعة  أوضاعها التاريخية والجغرافية والحضرية. فإذا كان المسيحى  الصادق فى أمريكا مثلاً يخرج من صلاة الأحد طاهر القلب  صافى الذمة ليذهب ويلعب ويعاقر الكأس وهو فى حل من  الإثم والمعصية فإن المسلم لا يصح له ذلك، فاختبار المسلم لروحانية  الدين تنفى كل ذلك. والتطور التاريخى والفكرى فى أمريكا  أصبح يحول بين المتعة الروحية فى الكنيسة وصفاء نفس المؤمن  صفاء صادقاً وبين انعكافه وهو فى هذا الصفاء على احتساء كأس  من الخمر والتسلى بلعب الورق.

ومثل هذا تنوع جوهرى لا يفطن له الذين يعالجون الناحية  الاجتماعية فى الإسلام على ضوء ما استوحوه من التفكير الغربى ولعل ذلك يفسر التباس الأمر عليهم فى بعض أوجه العلاقة بين

الإسلام والمشاكل الاجتماعية ٢ - دراسة الظواهر الدينية كما تبدو فى المجتمع. وهذا  يتطلب تجرداً علمياً ينفذ إلى الصميم. لا يأخذ بقشور هذه  الظواهر وإنما ينفذ إلى اللباب الذى كثيراً ما تتراكم عليه ألوان من العرف والعادات والتقاليد التى ليست من أصوله ولا هى من جوهره. ولعل التحامل الذى يصدر عن بعض مفكرى الغرب فى دراستهم للدين الإسلامى يعزى إلى فقدان هذا التجرد  والعجز فى إزالة الركام عن لباب الظواهر الاجتماعية. وهذا أيضاً  خطأ يأخذ به بعض المحدثين من المسلمين أنفسهم إذا ما حاولوا  معالجة السلوك الدينى فى المجتمع الذى يعيشون فيه

٣ - توزيع العمل فى الدراسة العلمية: فالباحث فى علاقة الدين بالمشاكل الاجتماعية لا بد وأن يكون ملماً بكلا الموضوعين إلماما واسعا. فالاقتصادى الذى يكتب عن الاقتصاد فى الاسلام  لا ينبغي أن يقتصر على ذخيرته من علم الاقتصاد وإنما يترتب  عليه أن يلم إلماماً دقيقاً بهذا التراث الضخم من الشريعة الاسلامية وهو تراث ينفق الناس السنوات فى التعرف على بعض  ألوانه. وقل مثل ذلك عن رجال الدين الذين يعالجون المسائل

الاقتصادية العميقة من وجهة النظر الدينية ووجه القصور فى بعض من كتب عن (الشيوعية فى  الاسلام) أو (الاشتراكية فى الاسلام) أو (العدالة الاجتماعية فى الاسلام) أنهم ادعوا ما ليس لهم به علم كاف.  فالاشتراكية مثلاً مزيج من فلسفة واقتصاد وسياسة ودراسة  اجتماعية وهى أدق وأعقد من أن تؤخذ فى سطحيتها وتقارن بالشريعة الاسلامية وفروع التخصص فيها عديدة متفرقة

فالكتابة عن العلاقة بين الدين والمشاكل السياسية  والاقتصادية والاجتماعية عمل يجب - إذا توخى النفع الصادق -  أن يشترك فيه جماعة من أهل الاختصاص فى حلقة أو حلقات  يقوم فيها كل فى مجال اختصاصه بالدرس والبحث والتنقيب . أو أن يتفرغ لها الكاتب فترة معقولة من الزمن يستعين بالمراجع  الوثيقة فى المواضيع التى تمس لباب البحث مسا مباشراً أو غير  مباشر. مستأنساً بآراء أهل العلم حين يستعصى عليه الفهم أما اتباع الأسلوب الصحفى فى الكتابة عن هذا الموضوع أو التصدى لمعالجته فى أدب المقالة والإنشاء فلن يحقق نفعاً صادقا نيويورك (للبحث صلة)

اشترك في نشرتنا البريدية