دعوني وحدي مذيما على سرج حصاني ، وأقيموا ما شئتم في دياركم ومضارب خيامكم ، أما أنا فسأجوب الانحاء القاصية ممتطيا صهوة جوادي في سرور ومرح ،
وليس يعلو على قلنسوتي غير نجوم السماء هذا هو ((الخاطر الحر السامي)) الذي جال في ضمير الشاعر ، بعد ان عاني ما عاني من ضيق ، وقد لبث في مكانه المضطرب المتزعزع ، لا ينتقل عنه ولا يريم . وها هو جيته يتأهب للرحيل إلي مكان ينشد فيه الفرج بعد هذا الضيق ؛ ها هو يغادر الغرب إلي الشرق ، وهو يعلم ، بل هو يقول :
لله المشرق ،
ولله المغرب ،
والشمال والجنوب
يستظلان بالسلام بين يديه
ولكن هذا الرحيل ليس كغيره من أنواع الرحيل التى اعتادها الناس وألفوها ، ليس هو انتقالا بالجسم من مكان إلي مكان آخر . إنما هو ثورة روحية قوية فاصلة في حياة الشاعر . هو بعث لحياة جديدة يريد الشاعر أن يحياها ، ولآمال حلوة خصبة يود أن يتعلي بها ، ويسبح في تيارها الهادي البديع . وإن في هذا الرحيل لعودا للشباب عند جيته الشيخ العجوز ؛ وإن فيه لايمانا عميقا يظل في تحليقه حتى يبلغ الملكوت الأعلى حيث يحترق العبد بنار الحب الذي يكنه للرب ؛ وإن فيه لحكمة تنفذ
إلي اعماق الوجود ، وحبا يستحيل معه التعدد إلي وحدة والتنافر والتقطيب إلي امتزاج واقتران .
ليس أمر هذا الرحيل إذا بالأمر الهين الضئيل ، وإنما هو جليل خطير ؛ فيه استجابة لوحي سماوي ، ورسالة قدسية عليا ، ناط الله يحيته بتحقيقها وإذاعتا ، فهو اشبه ما يكون برحيل الأحياء الذي يكون الرحلة الفاصلة لا في تاريخ حياتهم الروحية فحسب ، بل في تاريخ الانسانية الروحي بأسره . ولهذا فليس غريبا أن نري جيته يسمي رحلته إلي الشرق باسم الهجرة ، ويفتتح ديوانه الشرقي الغربي بوصف هذه الهجرة ، والدوافع التي دفعت إليها ، والغاية التي يرجوها منها ، في هذه القصيدة الرائعة في أول كتاب المغني تحت عنوان " الهجرة " .
إن الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر ،
والعروش تثل ، والممالك تتزعزع وتضطرب ؛
فلتهاجر إذا إلى الشرق في طهره وصفائه
كي تستروح جو الهداة والمرسلين
هنالك ، حيث الحب والشرب والغناء ،
سيعيدك ينبوع الخضر شابا من جديد .
إلي هنالك حيث الطهر والصفاء والحق ،
أود أن أقود الأجناس البشرية
فأنفذ بها إلي أعماق الماضي السحيق ،
حين كانت تنافي من لدن الرب
وحي السماء في لغة أهل الأرض ،
دون ان تتكلف إعمال الذهن وتخطيم الرأس بالتفكير
ولكن هذا الغربى الغريب الآتي من الشمال حيث الجبال تعلو قممها الثلوج ، لا يعرف الصحراء بعد ، وليست له بالفيافي والبيداء خبرة . فهو في حاجة إذا إلي دليل يهدية سواء السبيل ، في قفار الشرق الواسعة الفسيحة ؛ ولكن أي دليل يختار ؟ لاشك أن هذا الدليل سيكون حافظا الشيرازي ، أو ليس هو الذي أثر في جيته كل هذا التأثير الفخم الذي أوردنا حديثه في مقالنا السالف ومن غير حافظ يستطيع ان يؤدي هذه المهمة خير اداء ، وهو الذي اتخذ منه جيته مثلا اعلى للشعر والشعراء ، وخصه بكتاب من هذا الديوان ؟ ليدعه إذا ليكون دليله وهاديه:
كل شئ مهيأ للسفر إذا فليهاجر شاعرنا على بركة الله ، وليدعه لكي يمنحه شيئا من عنايته ، لأن مهمته مهمة إلهية قدسية :
إن الشيطان يريد أن يسلك بي سبيل الضلال
ولكنك تعرف ، أيها الرب ، كيف تهديني سواء السبيل
فإن أقدمت على عمل أو أنشدت الشعر ،
فالذهم أنر لي الطريق
وسواء فكرت في شأن من شئون الدنيا
فسأرتفع به إلي أعلي عليين
إن روحي التي لم تعلق بها اثارة من تراب ،
لتسمو في باطنها إلي الملكوت الأعلى
وهكذا تتم الهجرة ، ويبلغ جيته بلاد الشرق ، سليما معافى ومن هنا يبدأ فيصور نفسه في صورة الرحالة يجوب الشرق كي يعرف طباع اهله وعاداتهم ، واخلاقهم ، وما يجول في خاطر رجاله وحكمائه من افكار واراء ، وما يعتنق سكانه من نحل وادبان . ولا يجد حرجا ، وهو الغربي المسيحي ، من ان يعتبر نفسه مسلما يؤمن رسالة محمد ( ص )ويدين بالإسلام . وبهذا كله يتغني جيته في الكتاب الأول من " الديوان الشرقي للمؤلف الغربي " ،
ونعني به كتاب المغني كما سماء جيته تقليدا لحافظ الشيرازي الذي سمي الكتاب الأول من " غزلياته " باسم " مغني نامه أي كتاب المغني . والمغني عند حافظ شخص خيالي يخاطبه في قصائده كما يخاطب الساقي في قصائد اخرى ، وكما اعتاد الشعراء العرب أن يخاطبوا شخصين يتخيلونهما . أما المغني عند جيته فهو الشاعر نفسه يخاطب ذاته . وقد جعل من مصيره وأغراضه وفنه موضوعا للقصائد نفسها ، في مفتتح الديوان كله ، كمقدمة له
والآن فلنتحدث عن هذا الكتاب الأول : في كتاب المغني هذا يبسط جيته خلاصة أفكاره ومشاعره التي بثها في الديوان ، والتي تكشف عن نظرته في العالم كذا ، سواء وهي في صورتها الغربية الصافية ، أو في صورتها الجديدة بعد ان تاثرت بالروح الشرقية واتحدث بعناصرها ؟ كما يتحدث فيه عن تجربته الروحية في الشرق ويصف ما انتجته في نفسه من تطورات وآثار
فهو في قصيدة " الهجرة " التي ترجمناها هنا ، يتحدث أول ما يتحدث عن عملية إعادة الشباب التي قامت بها هجرته إلي الشرق ، ويصف كيف استطاع الشرق في بساطته وفطرته وافكاره البدائية التي لا تنتجها الشعوب إلا في طفولتها وشبابها ، ان يحيله إلي شاب ، كما استطاع ينبوع الخضر ، صاحب موسي الكليم ، ان يعيد الشباب إلى حافظ الشيرازي بأن شرب كأسا من هذا الينبوع .
وقصة هذا الينبوع أو عين الحياة من الأساطير التي نسجها الناس حول شخصية الإسكندر الأكبر . فالرواة يزعمون من بين ما يزعمون ان الإسكندر قام بحملة كبرى من أجل الوصول إلي هذا الينبوع الذي كان يقوم على سدانته الخضر ، ولكنه لم يفلح . وقد استطاعت هذه القصة ، كما استطاعت غيرها من القصص الدينية أو شبه الدينية ، ان تلهم شعراء الفرس المسلمين ، خصوصا حافظا الشيرازي ثم من قبله نظامي الشاعر المشهور ، في
" كتاب الإسكندر" اسكندر نامه . وهذا جيته يتأثر بها بدوره . وهنا يظهر الفرق واضحا بين شعراء الشرق وبين شاعرنا الغربي . فنظامي جعل من هذه القصة رمزا للعزوف عن الحياة وإنكار الدنيا من أجل حياة اخري أعلي من هذه الحياة وأسمى . وعلي العكس من ذلك جعل جيته هذا الينبوع رمزا للاقبال على الحياة والاستزادة منها وتوكيد العالم وإيجابه ، لان الشارب منه يصبح شابا من جديد ، اي شخصا يقبل على الحياة وينظر إليها في شغف يريد التزود منها قدر استطاعته
فكأن جبيته إذا علي الرغم من هجرته وتوشحه بموج الشرق ، ظل جيته نفسه ، أي ظل رجلا غريبا ألمانيا ، يفكر تفكير الغربيين وينظر في الوجود نظرة الالمانين . ثم إنا نري جيته في هذه القصيدة عينها يكشف عن نظريته في الدين . ولسنا هنا بصدد الحديث عن فلسفة جيته الدينية في الديوان الشرقي فلهذه الفلسفة حديث طويل نؤجله إلي حين نتحدث عن كتاب البارسي من هذا الديوان . وإنما نريد ان نشير هنا إلى ما يسميه جيته " الظاهرة الدينية الأولى " . فقد كان جيته يعتقد أن الأديان كلها تصدر عن ينبوع واحد ؛ هو هذه الظاهرة الدينية الاولى ؛ وليست الأديان المختلفة إلا مظاهر متعددة لهذه الظاهرة الأولى ؛ لأن الله فوق مستوى كل عقل بشري ، وكل تصوير له تقريبي نسبي تبعا لهذا . ولذلك ففي كل دين عنصر انساني يختلف زيادة ونقصانا تبعا لبعد هذا الدين أو قربه من تلك الظاهرة الدينية الأولى .
ومن أجل هذا كله نري جيته يذكر الإسلام ( في عنوان القصيدة ) واليهودية ( الآباء في كتاب العهد القديم ) ، كما يذ كر الفردوسي ، مشيرا به إلى المجوسية او البارسية (في إشارته إلى الفردوس إشارة إلي الفردوسي الشاعر الفارسي المشهور صاحب الشاهنامة ، كما لاحظ النقاد ) .
وننتقل من هذه القصيدة إلي القصائد الآخرى، فنجد جيته يتحدث عن الرقي والتمائم وأمثالها من الخرافات
الشائعة في الشرق ، محاولا ان يستخلص منها العبرة ، أو ان يكشف عما فيها من رموز ومعان خفية دقيقة وبعد ان قدم صورة من عادات الشرق واساطيره علي شكل هذه الرقي والتمائم بدا يتغني بالشعر وفن الشاعر وما انتوي ان يقدمه في هذا الديوان حيث يقول :
وإني لأعرف حقا كيف أتقدم إليكم
بندي الأزهار وشهي الثمار .
وإن شئتم معها شيئا من الحكم
فسأهدي إليكم أنضجها وأشهاها .
أما عن طريقة الشاعر في التعبير ، فإنه سينحو منحي شرقيا يخالف اسلوب اليونانيين . فالسلوب اليوناني في التعبير ينحو نحو وضع الأشياء في صورة مجسمة محدودة ذات جوانب وأضلاع . أما الأسلوب الشرقي فأسلوب سيال ، إن صح هذا التعبير ، ليس لما يعبر عنه قوام ولا حدود وجيته يود لو يحلل من الأسلوب اليوناني بقيوده ، ليسبح في نهر الفرات ويعبر في حرية وانطلاق .
ويحاول جيته في إحدي القصائد أن يمزج بين الماضي والحاضر ، وان يركب منهما تجربة روحية واحدة يقضي بها علي هذا التنازع الأبدي بين هذين الأنين من آيات الزمان . ولعله يريد أن يخرج من هذا بنظرية في الزمان تشبه نظرية ((الحاضر الأبدي)) التي يقول بها الفيلسوف الفرنسي المعاصر لأقل ، وهي النظرية التي ترمي إلي القضاء علي الماضي وإفنائه في الحاضر ليتكون من الاثنين حاضر مستمر ابدي .
وهنا نصل إلي القصيدة التي اختتم بها جيته كتاب المغني ، ونعني بها قصيدة ((التشوق السعيد)) وهي احسن ما في الديوان ، ولعلها أروع وأعمق قصيدة قالها جيته . وفيها يتغني ، في لغة أهل التصوف ، بالفراشة ، التي تعشق النور وتصو إلي حياة أعلى وأسمى ، فتقذف بنفسها في لهيب الشمعة وتحترق . ترمي بنفسها في هذا اللهيب طائمة
مختارة ، لأنها تعشق النور عشقا سما وارتفع ، حتى حملها على الفناء فيه . وعلي هذا النحو ينظر جيته إلي الحب ؛ فالحب في نظره تضحية وفناء : تضحية من الحبيب بذاته للفناء بها في شخص المحبوب عن طريق الاتحاد به والإمتزاج وإياه . وكل حبيب مخلص في حبه ينشد هذه الوحدة ، ويتحرق شوقا إلي تحقيقها . ولن يبلغ الحب كماله، ولن يصل اوجه وقمته ، إلا إذا تم الاتحاد وحدثت التضحية والفناء.
استمع إلي جيته يقول في هذه القصيدة الغامضة :
لا تتحدث بهذا الحديث لغير الحكماء
فالعامة سرعان ما تتلقاه منك بالأستهزاء
إني أريد أن أمجد الحي
الذي يتحرق شوقا إلي لهيب الموت
في قشعريرة ليالي الحب ،
تلك القشعريرة التي ولدتك ، وفيها أنت تلد ،
يغزوك شعور غامض غريب ،
حين تضئ الشمعة الوديعة الهادئة
حينئذ لا تظل غارفا مغمورا
في ظلال الظلام الظليلة
وإنما يمزق فؤادك رغبة جديدة عنيفة ،
ونزعة قوية إلي اتحاد أعلي وامتزاج سام
ولن يعوقك البعد مهما طال
وإنما ستأتي سريعا طائرا قد أخذك السحر ،
فتمشق النور
وأخيرا تحترق كما تحترق الفراشة
وما لم تفهم
هذا الموت والصيرورة ،
فستظل ضيفا مجهولا مسعما
على هذه الأرض المظلمة .
( البقية على الصفحة التالية )
فهذا التصوف السامي العميق ، الذي تأثر به كبار المفكرين وأصحاب الفن الالمانيين من امثال شوبهور وفاجر ونيتشه ، كل التأثر ، بدعونا اولا إلي الموت ، لأن في هذا الموت الحياة . وفي هذه القصيدة نجد تعبيرا رائعا عن روح ديونيزوس ، إله الخمر عند اليونان ، فالتجربة الروحية الديونيزوسية ، تشمل أولا القدرة على الفناء الشخصية الفردية ، بطلب الاحتراق في لهب الموت لوعا ، ثم تقوية غريزة التزاوج والإنتاج . وليس من شك في ان جيته تأثر في هذا يقول أبي بكر : " احرصوا على الموت ، توهبوا الحياة
