قصيدة رمزية ، لألفريد دي فينيي
كانت قطع السحاب تجرى حول القمر المخضوب بلون الدم كما يجرى الدخان حول ألسنة اللهب فى الحريق .
وكانت الغابة يكسوها ظلام دامس رهيب . وكنا نحن نمشى فى صمت خلال الأعشاب الرطبة الطويلة ..
وفجأة ، لاحظنا تحت سيقان بعض الأشجار آثار مخالب الذئاب التى كنا نتبعها . عندئذ لبثنا منتظرين فى سكون .
لقد كانت الغابة وكان السهل يطويهما الهدوء فلم نسمع سوى بعض الدوارات الهوائية فوق الأبراج العالية تحركها الريح المترفعة عن الأرض ، فترسل نحيبها الخافت فى الفضاء ..
وكانت الأشجار وهى مائلة على جوانب الصخور تبدو مسترسلة فى نوم عميق حالم ..
ونظر صياد هرم محنك الى الآثار وتفحصها ملياً، ثم همس فينا : إنها تفئ عن ذئبين كبيرين وصغارهما .
فأخرج كل منا خنجر الصيد ، وأخفى بندقيته خوف لمعانها الفاضح ، وسرنا متمهلين صامتين ..
وبعد لحظات رأيت ثلاثة من الجماعة يتوقفون عن المسير ، وبحثت عن السبب فى ذلك ، فشاهدت خلال الغصون عينين تتألفان كأن فيهما ناراً موقدة ، ووقع بصرى على أشباح أربعة صغيرة تتراقص بين أشعة القمر وسط الأعشاب الكثيفة ، تماماً كما نتراقص كلاب الصيد فرحاً بعودة صاحبها المحبوب ، ولكن أولاد الذئب كانت تمرح فى هدوء . وصمت لأنها تعلم جيداً أن أعداءها من بنى الإنسان لا يؤمن جانبهم مهما بعدت الشقة . وكان الذئب الكبير واقفاً ، وعلى مقربة منه ترقد رفيقته متكئة إلى جذع شجرة ضخمة ..
ورآنا هذا الحيوان المتوحش ، فتقدم خطوة إلى الأمام وقبع على الأرض ضارباً بمخالبه الموجة فى الأديم .. لقد عرف انه لا بد هالك ، ما دام الإنسان قد فاجأه فى مأمنه وقطع عليه مسالكه كلها ...
والتفت حوله كلابنا ، فانتفض في قوة ، وضرب بفكيه
الحديديتين حول عنق أكثر هاتيك الكلاب جراءة ... ولم يدعه ، يرغم رصاص البنادق الغزير وبرغم طعنات الخناجر الحادة ، إلا حينما أتى على حياته .. وعندئذ تركه ثم نظر إلينا، وإنها نظرة لن انساها ما حييت ...
لقد كانت الخناجر مغروسة في بطنه حتى آخر نصلها ، وكانت أفواه البنادق تحيط به في دائرة رهيبة ...
ولكنه ظل ينظر إلينا في ثبات ، وهو يلعق الدم المنفجر من جراحه ... ثم رقد في هدوء . وأغمض عينيه الواسعتين .
ومات دون أن يرسل من صدره الجريح أنه واحدة تعبر عن آلامه ...
وأسندت رأسى إلى فوهة سلاحى ، وسرحت بفكرى فى بداء الخيال .. ولم استطع أن أحمل نفسى على مطاردة أولاد الذئب وأمها التى ما كانت لتتردد فى مشاركة صاحبها محنته الأخيرة ، لولا أن عليها انقاذ صغارها ، وتدريبها على تحمل الشدائد ، وتعليمها كيف تتجنب بنى الإنسان ، فلا تخضع لسلطانهم مثلما خضعت الحيوانات الأليفة التى أصبحت عبدة ذليلة بعد أن كانت تملك وحدها السهل والغاب والجبل ..
قلت لنفسي : واأسفاء .. إني برغم ذلك الاسم الظنان : "الإنسان" أحتفر بني جنسي ، هؤلاء الضعفاء ...
وأنت أيها الذئب المتوحش تعلم خيراً منهم كيف تترك الحياة بكل ما فيها من آلام ومحن .
إنك تعلم قيمة الحياة ، وإن الصمت أعظم فضيلة فيها ، وكل ما عداه ضعف دنئ ... لقد فهمتك أيها الذئب المترحل . ولقد نفذت نظريك الأخيرة إلى أعماق قلبى ... لقد كانت تلك النظرة القوية تقول :
- روض نفسك حتى تصل بها إلى طبيعة الصبر الأبى المترفع ، تلك الطبيعة التى نشأت أنا عليها لأنى نشأت فى الغاب ... إن الأنين ، والبكاء ، والتذلل كل ذلك خور فى النفس وجبن ... فعليك أولا أن تؤدى رسالتك الطويلة الشاقة حيثما شاءت لك الأقدار أن تعيش ... ثم عليك ، بعد ذلك ، أن تتألم وأن تموت ، مثلى ، فى صمت ...
تلخيص

