أخذت بعض المصطلحات الأفرنجية طريقها إلي لغة الكتابة عندنا ، وترك فيها حبل الترجمة على الغارب ، فتنوعت الكلمات المقابلة لها في العربية الحديثة ، وأصبح القارئ أو السامع يتلمس المعنى تلمساً من طريق الحدس أحيانا ، ومن طريق رد الأسلوب إلي أصله الأفرنجي أحيانا أخري .
ومن بين هذه الكلمات كلمتا objective و subjective اللتان عم استعمالهما في الدراسات الغربية من فلسفة وأخلاق ونفس ونقد وغيرها ، وصار لهما شبه وجود عالمي بين رجال العلم في أوربا وأمريكا ، ثم شرفتا في أيامنا الحاضرة ، وفرضتا نفسيهما على أقلامنا فرضا . والكلمتان منسوبتان إلي object و subject وهاتان من أصل لا تيني ، وقد تنوعت معانيهما بتنوع صيغهما ومواضع استعمالهما ، ويطول بنا الأمر لو حاولنا تتبع هذه المعاني هنا . وإذاً فسنقتصر من كل منهما على معني واحد هو الذي يهمنا في هذا المقال . فمن معاني كلمة subject الذات أو الشخص أو العقل باعتباره قوة مفكرة . ومن معاني object الشئ أو الموضوع الذي يقع عليه إدراك العقل وتفكيره
من هذين المعنيين اشتقت النسبتان subjective وسناها المنسوب إلى الشخص او الذات او العقل المفكر , objective ومعناها المنسوب إلى الموضوع او الشئ الذي يقع عليه التفكير . وإذاً فأحاسيس الشخص وانفعالاته وأطرابه وميوله واحكامه التي تقوم على اعتبارات داخلية ذاتية تندرج تحت subjective وأما صفات الشئ أو الموضوع الخارجي ، والآراء التي تقوم على هذه الاعتبارات الخارجية وحدها ، والاحكام التي تبني على
المشاهد الملموس وعلى مقتضيات المنطق ، لا على الذوق والميل الشخصي فإنها تدخل تحت objective .
لعلنا بعد هذا التفصيل اليسير قد حددنا ميدان التخاطب كما يقولون ، واتفقنا - أو كدنا - على المعنى الذي تنصرف إليه أذهاننا حين نقول : " إن أحكام شخص من الأشخاص subjective و " إن إدراك الجمال ومقايبس الفنون في الغالب كذلك " . ثم حين نقول : " كن في نقاشك objective " و " أخص مميزات التفكير العلمي أن يكون objective ".
ولعل من اليسير علينا - إذاً - أن نصطلح على كلمة " ذاتى" فى مقابل subjectivw و " موضوعي " في مقابل objective وأن نصرف النظر عما يعترض به بعض الباحثين المعاصرين من أن كلمتي ذاتي وموضوعي حافلتان بالغموض والاشتراك في المعنى . فإن الاشتراك موجود في صيغ الكلمتين الأفرنجيتين بدرجة ظاهرة . واللغة في الواقع اصطلاح وتعارف ، فمتى حصلت المواضعة على كلمة ما ( على أساس من ذوق اللغة طبعا ) ، وصقلها الاستعمال ، وسارت شوطاً في حياتها الجديدة ، فقد حققت الغرض منها ، وأثبتت حقها في الوجود الجديد ، ولم يضرها بعد نسبها ، أو تعرج طريقها من قبل . على أنني هنا لا أرى حرجا في تبني الكلمتين الأفرنجيتين ، وصقلهما صقلا عربياً ، وإدخالهما في حظيرة الأسرة العربية ، بجانب كلمتينا الأصليتين ، ففي ذلك توسيع لثروة اللغة ، وتقريب للمسافة بين الباحثين في أمهات مسائل العلم ، وظواهر التفكير .
ليس من غرضنا هنا أن نبحث في الفن وماهيته ومصدره من طبيعة الإنسان ، وصلته بالنواح الأخرى من الإنتاج العقلي ، فلذلك موضعه ، وربما عدنا إليه في مقام آخر . ولكنا نحاول هنا أن نطرق ناحية " الامتاع
الفني - ناحية تذوق الفن وإدراك الجمال فيه . وهي جهة تتصل - كما تري - بالخلاف الذي ثار بين المفكرين النظريين طوال العصور عن الجمال وماهيته ، وهل للجمال صفات أو عناصر موضوعية يمكن ان يراها الأشخاص العاديون ويتفقوا عليها ، أم هو عرضة للأذواق الذاتية ، تختلف الأمم والأفراد فيه حسب أمزجتهم ، وأنظمة ذواتهم الداخلية وهذا الخلاف يسلم إلي خلاف آخر في النقد الفني : أمن الممكن ان توضع له أصول وقواعد موضوعية ، أم يترك نـهبا مباحا للأذواق والميول الذاتية !
هاجم على النفس الحديث معضلة " الامتاع الفني " وأجري عليها بعض تجارب مثمرة ، ألقت على طبيعة الجمال وتأثيره في الناس أنوارا ًكاشفة . والطريقة التي اتبعها علماء النفس في هذا تعرف بطريقة " الموازنة الثنائية " . وذلك ان يوضع امامك لونان ، او زهريتان ، او صورتان ، أو قصيدتان ، او قطعتان من الموسيقى ، ويطلب إليك ان تقرر أيها أحب إليك أو أجمل في نظرك ، وأن تذكر الأسباب التي حملتك على هذا الاختيار . ثم تكرر هذه التجربة مع أفراد كثيرين طبقا للقواعد الاحصائية المعروفة .
استعمل في هذه التجارب - أولاً - الألوان البسيطة . ثم استعملت فيها - بعد ذلك - الأنواع الأخرى من الأعمال الفنية حيث الجمال في أوسع معانيه ، وأكثر صوره تعقيداً . وكان لمعامل علم النفس في انجلترا السبق في هذا المضمار (1).
جاءت النتائج كلها متفقة على أن موقفنا العقلي نحو الشئ الذي نعتبره جميلا موقف في نـهاية التعقيد ، وأن الناس ينقسمون فيه طوائف أربعاً علي الأقل :
١ - فقوم يحبون - أو يكرهون - لونا أو صورة ما ، أو قطعة موسيقية ، لا على أساس خصائص موضوعية في هذه الأشياء ، ولكن على أساس ما تثيره
في عقولهم من طريق تداعي المعاني ( والشئ بالشئ يذكر )، من ذكريات طال عليها العهد ، وأطراب أو شجون غامضة فواحد يفضل اللون الأخضر في صفرة خفيفة " لأنه يذكره أوراق الأشجار في الخريف " . وثان يجب فاصلا موسيقيا معينا " لأنه يشبه صوت الطائر المغرد في الربيع " . وثالث يكره اللون الأحمر القاني " لأنه يذكره حمرة الدم " . وتثير الموسيقي عند بعض هؤلاء ، ذكري منظر او قصة وجدانية ، فإذا سمعوا " المارش الجنازي " (لشوبان ) تمثلوا الموكب فسمعوا أولاً رنين الأجراس ، ثم سمعوا وقع أقدام الجنود يتضاءل شيئاً فشيئاً على بعد المسافة .
هذا فيما نسميه الفنون الجميلة ، فأما الأثاث ومنتجات الفن الصناعي فانها تثير عند هذا الفريق أفكاراً تدور حول فائدة الشئ والغرض منه . " فهذا الكرسي أفضل - عند شخص ما - من ذاك ، لأن الجلوس على الأول أكثر إراحة في نظره ". وهذا اللون آثر عند سيدة ما ، " لأنه يناسبها أو يتفق ولون بشرتها " .
ويظهر أن هذا النوع الربطى ( associative type ) أغلب بين النساء والأطفال . على أنه غير قليل بين الرجال . ولهذا ذهب بعض العلماء إلي القول بأن حاسة الجمال فينا لا تنبعث إلا من مثل هذه الروابط والملابسات ؛ وهذا الرأي - على إهماله جوانب أخري مهمة من الامتاع الفني - له ما يؤيده ، فلا شك أن كثيرا من النجاح الذي يحرزه الفنان إنما يتوقف على مهارته في إثارة ذكريات وشئون في عقول جمهوره ، وفي تنبيه صور واصداء ومشاعر تتفق وما عنده هو من صور ومشاعر وأوضح ما يكون هذا في الأدب (1) 2- وقريب من هؤلاء الربطيين صنف من
الناس أقل عدوا يبنون تفضيلهم للأشياء ، لا على أساس ذكريات وأفكار ربطية - بل علي أساس تأثير فيزيولوجي ونفساني خاص تحدثه عندهم . فهم يقولون عن اللون الأصفر : " إنه يبهر العين " وعن اللون الأحمر : " إنه يشعر الانسان الحرارة من فرعه إلى قدمه "وهذه النغمة أو تلك الصورة تعجبهم لأنها تمس فيهم غرائر وتهيج عندهم انفعالات معينة ، كانفعالات الأبوة او الانفعالات الجنسية ، وربما أثارت فيهم الميل إلي الضحك ، أو الاحساس بالخوف أو التروع إلي المشاركة الوجدانية .
والفن التجاري في العادة يستغل هذه الناحية استغلالا موفقاً ؛ فمنظر مدينة البندقية في إعلانات سكة الحديد ( في أوربا ) ، ومنظر الكنائس التي كللت تيجانـها بالبرد على بطاقات عيد الميلاد ، ومنظر الفتيات الناضرات على صناديق الحلوي ، والمناظر السينمائية التي تلصق على الجدران أو تعرض في الميادين والطرقات ، إنما اختارها أرباب الأعلانات لما تثير من رغبات وجدانية عند الناس .
وقد بني بعض الباحثين على أساس هذا التنبيه النفساني نظرية أخرى حديثة تقول إن الفن ليس مرتبطا بالجمال ، وإنما هو مرتبط بالتعبير عن الانفعالات . وهذه كسابقتها حفظت شيئا وغابت عنها أشياء على أنه ليس هناك من شك في أن كثيرا مما يسمي فنا لا يعني بالتعبير عن الاحساس الذوقي أو إثارته ، قدر ما يعني بالتعبير عن الاحساس الغريزي وتنبيهه.
( للكلام بقية )
