(هذه دراسة في التحليل النفسي صيغت في قالب أدبى ممتاز) "الثقافة"
-١-
كانت ساعة الدكتور تعلن الثانية عشرة مساء تماما عندما ما سمع ، وهو جالس إلى مكتبه يقرأ بعد أن صرف آخر زبون منذ ساعة ، طرقا قويا متلاحقا على باب عيادته . فقفز من مقعده وهرول يرى زبون آخر الليل . وما إن فتح الباب حتى اقتحم صالة الانتظار رجل في بيجامة النوم ، مصفر الوجه ، مبهور الأنفاس ، متصبب العرق ، مفكك الأوصال ، مشعث الشعر .
- اسمي عبد المجيد عزب . لا يهم ! أعنى ...أنا شنقت . أقصد . . أهناك أمل ؟ أريدها أن تعيش . .
- اهدأ قليلا ، تفضل بالجلوس ! كيف أهدأ يا دكتور وقد شنقت . . - من ؟! - زوجتي . - زوجتك؟!
- أريدها أن تعيش . أتفهم ! أريدها أن تعيش ! أرجو أن تسرع يا دكتور فربما تمكنا من إنقاذها . فلست متيقنا من موتها . . أو من حياتها .
ولم يكن مسكن الرجل بشارع شبرا يبعد كثيرا عن عيادة الدكتور، فانطلقا لا ينبسان ببنت شفة حتى توقف الرجل أمام إحدى العمائر تجاه مدرسة التوفيقية وقال للدكتور .
- إذهب أنت يا دكتور ، أما أنا فسأنتظر هنا . - لماذا ؟
- لأني لا احتمل رؤية زوجتي مسجاة علي الفراش . سأصعد إليها إذا كانت فيها حياة ، وسأسلم نفسي للبوليس إذا كانت . . هاك مفتاح شقتى في الطابق الرابع ، ستجد رقعة نحاسية عليها اسمي . .
- عبد المجيد عزب
- تماما . ولكن كيف عرفت ؟! - هذه أول كملة فهت بها عندما دخلت عيادتي . - آه . نسيت ، سأنتظرك هنا إذا يا دكتور . - إني أفضل أن تصحبني على أي حال .
- إنه يكاد يغمى على عندما أري صرصورا ميتا فكيف بي أمام زوجتي التي أزهقت أنفاسها بيدي ! - على رسلك . انتظر هنا إذا.
-٢-
وارتقي الدكتور الددرج وهو يتأمل هذه الجريمة البشعة . وعندما وصل إلى ردهة الطابق الرابع ، وكانت مضاءة ، توجه إلى الباب الذي يحمل اسم " عبد المجيد عزب " وبحركة آلية ضغط على زر الجرس . وإذ تذكر فجأة أن لا إنسان في الداخل . . لا إنسان به روح وتنبض فيه حياة على الأقل ، رفع إصبعه عن الزر . ولكنه سمع للتو صوتا ناعما ناعسا ظنه صوت الخادم يقول من خلف الباب :
- من هناك ؟ - أليت هذه شقة عبد المجيد عزب ؟ - تماما . - إنها الخادم على ما أعتقد . - لا يا أفندم . - من إذا ؟ - زوجة عبد المجيد عزب .
وانتفض الطبيب كمن لدغته عقرب وقال متلعثما : - لقدمات ! غير ممكن : إن زوجة عبد المجيد عزب قد شنقت .
وكانت صاحبة الصوت الناعم الناعس قد أضاءت نور الصالة وفتحت الباب . عندئذ ظهرت امرأة في روب دى شامبر ، فاتنة في ريعان الشباب ، عباسة العود ، متأودة
القوام ثائرة الشعر ، ذابلة الجفنين . يقول كل شئ فيها إنها كانت مؤرقة تحاول النوم - أو تغالبه - وقد ذعرت عند سماعها جرس الباب .
- من أنت ؟ ! أوه . إني أري حقيبتك السوداء . دكتور ! من أرسلك ؟
- زوجك يا هانم . أعني زوج المشنوقة . وقد دعاني لأنقذك . . أعني لأنقذها إذا كان هناك أمل .
- إذا كان هناك أمل . - إنك ميتة . . أقصد أنها ميتة . - ها ها ها !.
كيف تضحكين في مواقف الجد يا هانم ! لقد شنقت زوجة عبد المجيد عزب ، شنقها زوجها . أين جثتها ، فقد لا تكون فارقت الحياة بعد . - كما تريد. اتبعني .
وقادت المزعومة زوجة عبد المجيد عزب الطبيب حتى المطبخ . هناك أضاءت المصباح الكهربائي ، وقريبا من الباب ، على الأرض ، رأي الدكتور شيئا صغيرا لا يتجاوز طوله ثلاثين سنتيمترا وعرضه عشرة سنتيمترات ، ملفوفا مكورا في خرقة بالية . فنظر إلى السيدة متسائلا ، فقالت له هازة كتفها ساخرة :
- أجل . إنها . . المشنوقة . وانحنى الطبيب على الخرقة . وشد ما كانت دهشته عندما وجد قطة ، قطة سوداء هزيلة فاقدة الحياة ، تتدلي من عنقها قطعة من الدوبارة .
ما هذه ؟! - زوجة عبد المجيد عزب قالتها المرأة بهدوء .
- عدنا إلي المزاح يا هانم ! ما هذه ؟! - ألا تري ! إنها قطة . أقسم بشرف مهنتك إنها قطة . - أعرف أنها قطة . ولكن ما الذي صنع بها هكذا ؟! - حكم الإعدام الذي نفذه زوجي في.
لا أفهم ! . - حتى أنا لا أفهم . كل الذي أفهمه أنه لولا هذه القطة لكنت الآن مكانها . - ما الذي حدث ؟ .
- دعني أقص عليك وعادت به المرأة إلى الأنترية ، وجلسا ، وقدمت له سيجارة جعل يدخنها ، بينما كانت تروي له الحادث .
- ٣-
" عندما عاد زوجي من الخارج هذا المساء ، وفي صعوده إلي . وعند الدرجات التسع أو الثمان الباقية لمح رجلا يهبط الدرج . وكان الرجل قد أخطأ العمارة التى يقصدها فطرق باب شقتنا خطأ . وعندما أجبته وعرف أن العمارة التي يقصدها تجاور عمارتنا ، اعتذر وانصرف ؛ فتبعه زوجي بناظرية حتى اختفي في الطبقات السفلى . وعندما صعد إلي أخبرته بما حدث .
" امضينا شطرا كبيرا من المساء في اللهو والدعابة ، وليس لنا أولاد تشغل أحدنا عن صاحبه ، حتى حان موعد تناول العشاء . فتعشينا وأوينا إلى مضاجعنا . وكانت الساعة بعد الحادية عشرة يقليل ، وكان النوم يداعب جفوني عندما سمعت زوجي يتململ في فراشه ويتقلب في غير عادته . فقلت له : ألا زلت مستيقظا ؟ فصمت ، أو ظل على صمته قليلا ثم قال بهدوء : من كان هذا الرجل الذي كان يهبط الدرج عند صعودي ؛ وقفز من فراشه وأضاء الغرفة وتوسطها ثم استأنف اتهامه الرهيب صائحا وهو يصر على أسنانه بينما كنت أنكمش رعبا في فراشى : من كان هذا الرجل ؟ من كان هذا الرجل ؛ ففزعت وقلت متلعثمة مرتعدة : أي رجل يا سي عبد المجيد ؟! وحاولت أن أوضح له خطأه ولكنه أصر على أني أخونه في غيابه . وطال النقاش واحتدم الجدل : هو يصر على أني أخونه في غيابه . وأنا أحاول إقناعه بأني لم أخنه قط في حياتي ولم أفكر يوما في العبث بشرفه .
" آه . حتما يعذبنى زوجي يا دكتور . إنه يحبني ، أجل ، ولكن أكثر من اللازم ، اكثر مما يجب . فإن حبه ليتجسم في غيرة حمقاء تفسد علينا الحياة وتجعلها قطعة من الجحيم لاتطاق . فهو يفرض على الامتناع عن الزينة ، ويصر على ارتداء الملابس القاتمة ولزوم البيت . وهو لا يدعني أزور أحدا ولا يسمح لأحد بزيارتي حتى أبناء عمومتي وخئولتي كفوا عن السؤال على خشية أن يظن بهم زوجي الظنون . كلمة قصيرة مع الكواه تثير شكوكه ؛ حديث تافه
مع البقال يبعث ظنونه . آه عندما أصحبه إلي دور السينما . وهي المكان الوحيد الذي نذهب إليه للتسلية ، فإن عينيه لا تكفان عن البحث في الطريق عمن ينظر إلي واجدا فيه منافسه الخفي علي ومشاركه المجهول في . وتمتد هذه المراقبة المجنونة حتى نستقر في أماكننا في السينما ، عندئذ يدور بناظريه فى الجلوس عله يجد بينهم من يظنني أخونه معه . ولا يطمئن ولا أستريح حتى تطفا الأنوار ويدار الشريط . عندئذ يتيقن من أن العيون كلها قد تحولت عني واتجهت إلى الشاشة .
" هذه هي حياتنا يا دكتور . وكثيرا ما أضيق به فأقول له : على م الغيرة يا زوجي ؟ لست أجمل النساء ولا أجذبهم إلى قلوب الرجال حتى تخشى على نفسك من منافس جرىء ! فيجيبني : ماذا أصنع ؟ إني أحبك ! آه أهذا هو الحب يا دكتور ! "
- قطعا لا . إذ كيف يكون الحب مع انعدام الثقة ؟! ولكنك انحرفت عن قصتك . ما الذي حدث بعد أن أهانك زوجك وأساء فيك الظن ؟
- كان وجهه قد اكتسي بالغضب وقدحت عيناه بالشرر وطفق يصيح : أيحدث هذا بعد خمس سنوات من زواجنا ؛ من يدري ما الذي كنت تصنعيه في غيابي طيلة هذه الأعوام ! أيحدث هذا في فراشى . . في داري ؛ ولمحت بوادر الشر تنذر بهلاكي . وكانت هذه أول مرة اراه فيها على هذه الحال من الثورة والهياج . من يدري . فربما كان ينتظر مثل هذه الفرصة لينفجر فينفس بهذا الانفجار عن شئ في نفسه لا أعرف ما هو . لقد تقدم مني مهددا بقبضتي يديه : منذ متى كنت تخونيني ؟ فقفزت من فراشى وانطلقت من غرفة النوم وأنا أتمتم متوسلة مستعطفة : لم أخنك قط يا زوجى ولم أفكر يوما في خيانتك ولن أفكر . كنت لك وسأكون لك بجسمى . كل حياتي كانت وستكون لك خالصة فصاح في وجهي : ياخادعة من تكونين غير واحدة من النساء ! كلهن عندي سواء . سأقتلك ! سأقتلك ! وما زال بى حتي حاصرني في دورة المياه حيث لم أجد غير باب " التواليت " ملجأ ، فالصقت به نفسى محاولة فتحه وإيصاده دوني . ولكنه كان أسرع مني فطوق بيديه الحديديتين عنقي وبدأ يضغط عليه في إصرار وجنون . ولكنى أفلت .
" وفي نفس اللحظة تعثر زوجي بقطة ، لعلها أن تكون للجيران ، فوقع بوجهه على الأرض ، وجعل يصبح لاعنا القطط وكل ما ينضوي تحت فصيلتها من الحيوان وساباً الجيران الذين يطلقون حيواناتهم تعبث في بيوت الناس فسادا هنا تحول مجري العركة . فبدلا من أن يطاردني جعل يطارد القطة بنفس الجنون الذي كان يطاردني به . وكنت ألمحه ذاهلة وهو ينقض على القطة في دورة المياه فتفلت منه إلى الصالة ، فيتعقبها مغضبا ، فتلجأ إلي غرفة النوم وتنزلق تحت السرير - كل هذا وأنا أرقبه مستخفية دون أن يرانى - وينزلق خلفها تحت السرير ويمسك بذيلها ، فتتخلص منه هاربة من الناحية الأخرى ، وتترك غرفة النوم إلى الصالون ، فيسرع زوجي خلفها ويغلق من دونه الباب . ثم أسمع هرجا ومرجا داخل الصالون . ويظهر زوجي بعد قليل على عتبة الباب مضطرب الهيئة وهو قابض على القطة . ثم يقيم " المشنقة " في السقف من دوبارة طويلة دلاها من حلقة حديدية كانت لمصباح لم يعلق - ويمكنك يا دكتور أن تري بقية الدوبارة معلقة حتى الآن - ثم يدخل رأس القطة البائسة في الأنشوطة ويتركها تتلوي وتتمابل وتتأرجح حتى تستكين وتفيض روحها . وكنت أثناء ذلك كله أري وأتأمل وأعجب ! ما الذي حول تفكير زوجي عني إلي القطة المظلومة فأوقع بها دون ذنب أو جريرة عقابا كان لي ظلما أيضا ؟ ! ثم أري زوجي ، دائما دون أن يراني ، يقص الدوباردة ويتناول القطة ويلفها في خرقة كانت ملقاة على الأرض ، وينزل بها إلى حيث لا أعلم . فلا يمضي وقت طويل حتى يعود بالقطة التعسة ويضعها برفق وحنان في فراشي ويغادر الدار فلا يعود حتى الآن . . وقد فزعت لمرأي القطة الميتة فنقلتها إلي المطبخ . وأنا لا أدري ماذا أصنع بها وماذا أصنع بنفسي أيضا ! أين زوجي الآن يا دكتور ؟
- إنه ينتظر أمام باب العمارة نتيجة فحصى عليك ظاناً أنك ...
- تعني أنها . . - ظاناً أنها لم تمت تماما .
- إني لأعجب كيف يظن زوجي أنه شنقني وما شنق غير قطة ألقاها حظها العائر بين قدميه . - لذلك تبرير يا سيدتي . هو أن زوجك ، دون أن
شعر ، لم يكن يريد بك سوءا وإن أظهر هذه القسوة نحوك والنية في قتلك والرغبة في التخلص منك كان هناك جاذبان متضادان يتقاسمان قوي فكره الواعي وغير الواعي . ولكن عامل الانتقام لنفسه ، وإن يكن مبنيا على ظنون كاذبة وكان أقوى وهو المسيطر المتحكم . وهو إذ بدأ بك كان لابد أن ينتهى بحياتك إلى الهلاك لولا اعتراض القطة طريقة فحولت إليها كل قواه فانصرف يجمعه إليها وأفرغ فيها جام غضبه . وبهذا يكون قد استراح باطنا وظاهرا : استراح ظاهرا لأنه قتلك متمثلة في القطة ، واستراح باطنا ، وإن لم يدر ، لأنه لم يمسك بأذي . هنا يجب أن احذرك من شئ . فهو طالما يعرف أنه " كاد" يقتلك فهو راض مستريح . ولكن منذ اللحظة التى يعرف فيها أنه قتل القطة مكانك " فقد " يعود إلى ثورته ويستأنف المعركة من جديد فاجتهدى دائما في ألا تذكري أمامه شيئا بصدد القطة
- وإذ يعود الآن ويجدني صحيحة معافاة ! - سيجدك راقدة حيث ترك القطة على فراشك . فقط أريد قطعة حبل ... حبل غسيل مثلا ومقصا .
فأتت إليه المرأة بما طلب . فقطع الدكتور الحبل قطعتين دلني إحداهما مكان الدوبارة من حلقة الصاح في السقف . هذه الدوبارة التي شنقت في أنشوطتها القطة . وجعل من طرف قطعة الحبل الأخرى أنشوطة أدخل فيها رأس المرأة .
- آه. أرجو أن تذهبي فتلقى بالقطة خارج الدار . تخلصى منها كلية .
وعندما عادت بعد أن ألقت بالقطة من شباك المطبخ ، اشار إليها أن تستلقي في فراشها وان تندثر بملاءة السرير كما كانت القطة ملفوفة في الخرقة البالية .
لا أفهم يا دكتور ؟ ما معي هذا ! . تذكري دائما أنك القطة وأن القطة هي أنت وان كلا منكما شئ واحد ، وأنك كدت تموتين شنقا ، وان الأنشوطة حول رقبتك حلت مكان الأنشوطة حول رقبة القطة
- فهمت . والآن اذهبي إلى فراشك . وائذن لي بالإنصراف . سيصعد زوجك بعد قليل فأدى دورك تماما . أسعدت مساء يا سيدتي.
وأخذ الدكتور حقيبته السوداء وهبط إلي القاتل الموهوم .
-٤-
كان عبد المجيد عزب بذرع الرصف أمام العمارة جيئة وذهابا يخطى عصبية قلقة . وكان ظله المضطرب الذي يلقيه مصباح غازي امام المبني يداوره ويحاوره ، يستطيل حينا ويقصر حينا آخر ، يستقيم على الطوار مرة ويتكسر على الجدران مرة أخرى . وعندما رأي الدكتور أخيرا علي عتبة الباب أسرع إليه .
كيف الحال يا دكتور؟ أهناك أمل ؟ إني أريدها أن تعيش .
- أريدها أن تعيش حقا ؟ . - إنها زوجتي يا دكتور ، إنها نصفي الآخر . كيف أستغنى عنه ؟ .
- لماذا قتلتها إذا ؟. - "لعب في عبى الفأر" ! أتقول " قتلتها "! إذا هي ماتت ؟ ماتت ؟ . - يرحمها الله ! .
قالها الدكتور كاذبا ليري وقع الخبر على الرجل ، ولشئ آخر في نفسه : إنه يود أن يروي الرجل قصته بلسانه . ولكن الأخير انفجر باكيا .
زوجتي ! زوجتي ! إنى مجرم ! إني مجرم . . فأخذه الدكتور بين ذراعيه وجعل يهدىء من روعه ويطيب من خاطره حتى استكان وهدأ ، ولكنه قال متلعثما وهو يمسح دمعه على خديه :
دعني أسلم نفسى للبوليس. إن قاتل ولم العجلة ! أمامنا متسع من الوقت . أود أن أسمع قصة قتلك زوجتك .
وما نفع هذا الآن ، لقد ماتت ؛ أي جنون! . وكانت دموعه مازالت تلمع في ضوء المصباح الهزيل وهي تترقرق على خديه ، بينها كان يكتم بكاءه في صدره جاهداً . وحثه الدكتور على أن يروي قصته . وقدم له سيجارة وأشعل لنفسه أخرى . وبدأ الذاهل يروى قصته ناظرا في الدخان الذي كان ينفثه كأنه يستعيد خلاله مشاهد جريمته الموهومة .
وقص الرجل على الدكتور ظروف هذه " الجريمة " تماما كما قصتها عليه زوجته . ثم استأنف :
"تقرر مصير زوجتي في الصالون . وكانت قد حوصرت
في ركن الغرفة حيث توجد إحدي النوافذ أسدلت عليها ستائر من المخمل . فاقتربت منها بتصميم وقد ثبت ناظري على رقبتها . وما إن هممت بها حتى تعلقت بالستائر المخملية وجذبت جسدها بسرعة إلى أعلي . فكرت قليلا : كف أخذها بين يدي . . ووقعت عيني على صندوق الكمان فوق البيانو . فجاءتنى الفكرة . أسرعت إلي الصندوق وفتحته وانتزعت منه قوس الكمان . وكانت ساقا زوجتي في متناول عصاي . فانهلت عليها ضربا بدون هوادة حتى تمزق فستانها ونزف الم على ساقيها . وناجت ضربى لها ضربا مبرحا حتى خارت قواها وتفككت أوصالها وانهارت مقاومتها ، فسقطت على الأرض جسدا هامداً لاحراك به".
وجذب الذاهل من سيجارته نفسا طويلا ثم اردف : " كانت في سقف الصالون حلنة من الحديد معدة لمصباح لم يعلق . . أمررت بها حبلا قويا جعلت من طرفه أنشوطة مناسبة . وأصعدت ضحيتي مقعدا أسفل الحبل ، ووضعت رأسها في الأنشوطة ؛ واحد . . . اثنين ... ثلاثة تدحرج القعد وتدلي الجسد ، والتوث الرقبة ، ثم ازرق الوجه وجحظت العينان . عندئذ أسرعت بإنزال الحثة بكل هدوء ، ودثرتها بملاءة السرير وحملتها على كتفي وأسرعت بها خارجا . وما إن وطئت قدماي الطريق المقفر حتي تنفست الصعداء . وبالقرب من عمارتنا قطعة من الأرض فضاء ، فلم يكن على لأتخلص من حملي إلا أن أهرع إليها وألقي بها فيها . ولكن ما إن تحققت من جسد زوجتي حتى غشينى الذعر وتملكني الخوف . فجعلت انتفض من الرعب وأرتعد من الرهبة . وانتقيت ألقي نظرة مجنونة على هذا الجسد الهامد الذي انتزعت منه الحياة قسرا منذ قليل . كان المكان مظلما خاويا ميتا ، فلم أر شيئا ؛ ولكن طرقت اسماعي وأنا في غمرة الذهول نعال عسكري الدورية تقترب ، فكاد قلبي يثب من صدري اضطرابا ، إذ تخيلت البوليس يطبق على ويضع " الحديد " في يدي ويقودني إلي حيث ألقي حتفي بنفس الطريقة التي لقيت بها زوجتي حتفها . فما شعرت إلا بإرسال ساقي مع الريح وجعلت أعدو وأعدو ذعرا ممن يلاحقني ، ممن يطلب رقبتي ثمنا لجريمتي . وتمهلت أخيرا وقد كانت قدماى وتلاشت خطي مطاردي وأنشأت أفكر : لقد قتلت زوجتي . . لماذا ؟ ألأنها خانتني مع آخر ! ألم يكن من الأفضل طلاقها وتجنيب نفسى هول
العقاب الذي سأناله ؛ وصحت من أعماق قلبي : إني قاتل إني قاتل ! يجب أن ألقي جزاني . وفكرت للتو في تسليم نفسى للبوليس . ولا أدري ما الذي جعل خاطرا غريبا يمر برأسى يقول .ألا يمكن أن تكون مازالت حية ؟ أليس من الممكن أن أكون تعجلت إنزالها من المشنقة وأنها لهذا قد تكون مازالت حية ؛ وهكذا تملكنى الشك وغمرني الأمل في عودة الحياة إليها . فتوقفت عن السير أندير ماذا أصنع . أكنت أحب لزوجتي ان تعود إلى الحياة وأن تبعث بعد الموت لأنعم بقربها ، أم لأنقذ نفسى من حبل المشنقة الذي كنت أري ظله يأخذ بمخنقي وانشوطته تحكم حول رقبتي ! لم أفكر طويلا في هذا . وأرجأت تسليم نفسى للبوليس حتى أتيقن من موتها . . أو من حياتها . وعدوت عدو القبول إلي حيث ألقيت بضحيتي فحملتها على كتفي وأنا مبهور الأنفاس . وعدت إلي مسكني ووضعت زوجتي في فراشها ، وأسرعت إليك يا دكتور ، استشيرك في الأمر .
" آه كلما تذكرت أنها ماتت ، هذه المخلوقة الجميلة التي كانت تملأ حياتي . هذه الزوجة التي طالما أثارت الغيرة في قلبي . كم كنت أحمق مجنونا " .
قال الدكتور وهو يلقي ببقية سيجارته بعد أن سحب نفسا طويلا:
- نري ماذا كنت تصنع لو أن زوجتك ما زالت على قيد الحياة !.
- كنت أقسم الا أعود ثانية إلى غيرتي الحمقاء وجنوني المدمر كيف أظن في زوجتي الظنون وقد تزوجنا بعد حب متناول دام أكثر من العام ؟ .
قالها الذاهل في صوت متهدج منكسر . - إنى لا أكاد أعرف ما أقول لقد كذبت عليك .
- كذبت علي ؟ ! - إن زوجتك . . - ماذا ؟ . - مازالت حية ترزق - كيف ؟
- لقد نجت من الموت بأعجوبة . إنها تعيش ! انطلق إليها يا رجل واجذر الغيرة ثانية.
لم يصدق الرجل أذنيه . ورأى الطبيب في ضوء المصباح
الضعيف شكا في عينيه . فقال حائل إياه وهو يعيد إليه مفتاح الباب .
- هيا يا رجل . إنها تنتظرك .
ودفعه دفعة رقيقة إلى باب المبنى ومضي في الظلام الذي ابتلعه بعد حين . أما القائل الوهوم فقد ألقي بما تبقي من سيجارة المحترفة وقفز الدرج أربعا أربعا حتى ردهة الطابق الرابع ، فتريث قليلا أمام باب شقته ليلتقط أنفاسه ، ثم فتح الباب .
-٥-
عندما دخل عبد المجيد عزب مخدع زوجته على اطراف أصابعه ، وأضاء نور الغرفة بإصبع مرتجفة . كان أول ما وقعت عليه عيناه ، وبشكل واضح ظاهر، طرف الحبل مدلي من عنق زوجته على حافة الفراش . فأسرع إلى الأنشوطة يحاول حلها برفق . في هذه اللحظة تململت الزوجة في فراشها وتحركت قليلا وتنهدت وأزاحت بأناملها عن جسدها الملاءة . فلم يجد الرجل الشجابة الكافية لحل أنشوطته . فتركها بينما كانت المرأة تدير وجهها في الغرفة وهي تنهض بتثاقل . كانت تتثاءب . ووقعت عيناها على زوجها وهو جاث عند الوسادة ؟ وقالت له في صوت كأنه صادر من الأعماق ، وقد تربعت على الفراش وتدلي الحبل على صدرها :
- ما الذي حدث ؟ ثم نظرت إلي صدرها واصطنعت الارتياع :
- هذا الحبل حول رقبتى ! فتحرك الرجل وجنا عند طرف الفراش وأخذ يدها في يديه وقال في تأثر وتضرع وتوسل وقد ترفرقت في عينيه الدموع :
- إغفري لي زلتي . دعينا ننس كل الذي حدث . لتبدأ حياتنا من جديد ، إني منذ الساعة إنسان آخر . قولى : غفرت لك .
- ولكنك كدت تقتلني . كدت تزهق أنفاسي . أريد أن أعرف فقط ما الذي جنيت ، ما الذي فعلت حتى تحاول قتلى هكذا ؟ !
- دعيني احل هذه الأنشوطة والقي بها بعيدا ، - سأحلها وأحتفظ بها في هذا الصوان ، في "علاقة " الكرافتات .
- ولم هذا ؟ .
- لتري جريمتك دائما ماثلة أمامك فلا تعود إليها مرة اخري .
إنه إذا لعذاب أن أذكر دائما هذا الجرم لا تكوني قاسية إلي هذا الحد ،كلنا يخطئ .
ولكن خطأك اليوم كاد يؤدي بنا إلى الهلاك : أنا على يديك ، وأنت على يدي " العشماوي ".
- بربك لاتذكريني بهذا . اطرحي هذا الكابوس جانبا يا حبيبتى .
- أو تجرؤ على مناداتي بــ"حبيبتك " ؟ . - وهل ينبض قلبى إلا بحبك يا زوجتي ؟ . - لقد مرت خمسة أعوام على زفافنا . . - اتذكرين هذه الأعوام !. - كل دقيقة ، كل ثانية فيها .
إذا أعيدي إلي هذه اللحظات الجميلة . لتسترجع معا ذكري حبنا . . ولكن دعيني أحل هذه الأنشوطة وألقي بها بعيدا .
فابتسمت له المرأة فقام الزوج من جثوه وحل الأنشوطة وتناولها بين يديه بعد أن طبع علي عنق زوجته قبلة حارة . ولاحظته المرأة وهو يسرع إلى الصالة فيقف متأملا الحبل المدلئ من سقفها ، فيصعد على المائدة ويحله من حلفته ، ويضعه إلى الأنشوطة ، ثم يهرع بهما إلي المطبخ حيث صندوق القمامة ، فيلقيهما فيه . ثم يعود إليها طائرا كأنه قد تخفف من حمل ثقيل .
- زوجتي أنت كل شئ في حياتي .
- إنى أذكر هذا القول . لقد سمعته منك أيام خطبتنا . - هذه الأشهر السبعة التي فرضتها عائلتك لتتمكنوا من إتمام "الجهاز" على الوجه الأكمل !.
- لقد كنت كالملهوف . - ومن كان يراك آئذ ولا يتلهف إليك ! -"من كان يراني" ! وهل قبحت الآن يا رجل ؟ .
-كلمات انزلقت . إنما أنت دائما كما كنت دائما لم يتغير فيك شئ . . يا زوجتي يا حبيبتي . وتقابلت شفتاهما قبل أن يتم الرجل مناجاته .
وكانت قبلة لم تردد جدران مخدعهما صدي أشهي منها.

