كان للبلاغ الرسمي الذى اشتركت فى إصداره كل من انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا عن حدوث انفجار ذرى فى روسيا وقع شديد فى شعوب المعسكر الغربى ، على الرغم من أن العلماء لم يكفوا منذ هيروشيما عن التصريح بأن احتكار القنبلة الذرية لا يمكن أن يظل فترة طويلة ملكا لدولة واحدة ، وأن المسألة أصبحت مسألة وقت لا أكثر ، حتى تستطيع الدول الأخرى اكتشاف أسرار الذرة .
فمنذ أن ذاع سر إمكان استخدام الانفحار الذرى استخداما عمليا فى الحرب ، وهو السر الذى أذاعته أمريكا بإطلاقها قنبلة هيروشيما ، أصبح الأمر لا يتطلب سوى الوقت والوسيلة .
والشئ الوحيد الذى قد يدعو إلى الدهشة هو أن روسيا استطاعت إحداث الانفجار الذري فى وقت أقل مما قدر العلماء . ولكن ليس معنى ذلك أن روسيا أصبحت تقف وأمريكا على قدم المساواة فى إنتاج الأسلحة الذرية .
أو أنها اقتربت منها فى هذا الميدان . فالوصول إلى إحداث انفجار ذري شئ . والقدرة على إنتاج أسلحة ذرية بكميات ذات أثر استراتيجية شئ آخر تماما .
ويجب أن نفصل الجانب العلمى والفنى عن الناحية الإستراتيجية والسياسية فى هذا المضمار ، حتى نستطيع أن
نكون فكرة صحيحة عن الموقف ، إذ أن إنتاج أول قنبلة ذرية لا يمنح الدولة تفوقا سياسيا أو حربيا كبيرا ، وإن كان يدل على أنها قد حلت المشكلة من ناحيتها العلمية والفنية أو سارت شوطا طويلا فى حلها من هذه الناحية . وتحتاج الدولة التى تريد الإفادة من الأسلحة الذرية سياسيا واستراتيجيا ، إلى ما هو أكثر من القنبلة الأولى ، إنها تحتاج إلى زيادة قدرتها على إنتاج القنابل من هذا النوع زيادة تسمح لها باختزان كمية كبيرة منها تكون ذات أثر استراتيجي فعال ، لأن الأسلحة الذرية تعتمد على الموجود منها فعلا عند بدء القتال لا على ما يمكن صنعه أثناءه .
ويجب أيضا ألا يغيب عن بالنا أهمية الوسيلة التى ستنقل هذه القنابل إلى أهدافها ، سواء كانت الطائرات أو الصواريخ ، وكذلك القواعد التى ستطلق منها هذه الطائرات أو تلك الصواريخ . ونظرة واحدة نلقيها على خريطة العالم تكفى لأن ندلنا أى العسكرين يملك مراكز استراتيجية أصلح .
ويقدر الخبراء أن العدد الذى يجب على الدولة أن تختزنه من القنابل حتى تستطيع أن تعتمد على هذا السلاح يتراوح من . . ٢٠٠٠،٣ قنبلة ويتوقف هذا العدد على عوامل كثيرة أهمها نوع القنابل ومساحة الدولة التى ستستعمل ضدها هذه القنابل وقدرتها الإنتاجية الخ . فإن دولة مثل
بلجيكا قد تكفى ٢٠٠ قنبلة لندمير جميع مرافقها وشلها تماما من الناحية الحربية ، بينما لا يقل ما تحتاجه دولة مثل انجلترا عن ٦٠٠ قنبلة ، وكذلك فرنسا ، وبديهي أن روسيا تحتاج إلى اكثر من هذا العدد ، وكذلك الولايات المتحدة .
وللمسألة وجه آخر من الناحية الفنية البحتة . فنحن نعلم أن روسيا استطاعت إحداث انفجار ذرى . ولكن إلى أى حد ؟ فمن الجائز أن الوسيلة التى استعملتها لا تطلق سوى ١٠ % من المادة المعدة للانفجار . وهذا ما اتفق عليه خبراء الذرة . بينما الأبحاث التى يقوم بها المعسكر الغربى منذ قنبلة هيروشيما حتى الآن أدت إلى استنباط الوسائل الكفيلة بإطلاق أكثر من ٦٠ % من الطاقة الذرية . وواضح أن قنبلة تفجر بهذه الوسيلة تساوى على الأقل ستا من القنابل التى يستعمل فى تفجيرها وسيلة لا تطلق إلا ١٠ % من الطاقة .
ولم تكن الولايات المتحدة تملك عند نهاية الحرب الماضية سوى قنبلتين ذريتين استعملتهما فى هيروشيما ونجازاكى ، كما اعترف قواد الجيش الأمريكى ، واعتمدت على الأثر السيكلوجى الذى تركته هاتان القنبلتان فى إنهاء الحرب مع اليابان ، لا على ما تحدثانه من تدمير . وبعد ذلك بعامين كانت الولايات المتحدة لا تنتج أكثر من بضع قنابل لا يتجاوز عددها أصابع اليدين فى الشهر ، كما جاء فى تقرير لجنة الطاقة الذرية الذى رفعته إلى الكونجرس عام ١٩٤٨ .
ومعنى هذا أن الوقت الذى يتطلبه إعداد كمية من القنابل ذات أثر فعال فى الحرب قد يصل إلى خمسة أعوام إن لم يزد ؛ هذا إلا إذا اهتدت إحدى الدول إلى وسائل غير المعروفة حاليا للسيطرة على الذرة .
وإذا كان هذا الحساب ينطبق على الولايات المتحدة بمواردها الضخمة واستعدادها الغنى الهائل ، فمن الصعب تطبيقه على روسيا .
ويقول علماء طبقات الأرض إن مناجم البورانيوم والتوريوم وهما المادتان الأساسيتان فى صناعة القنابل الذرية لا توجدان بكميات متوفرة إلا فى ست مناطق فى العالم .
فاليورانيوم يوجد فى الكونجو البلجيكى وكندا والولايات المتحدة وتشيكوسلوفاكيا ، بينما التوريوم يوجد فى الهند والبرازيل . وتوجد من بين هذه المناطق الست منطقة واحدة داخل النفوذ الروسى ، هى تشيكوسلوفاكيا ، واليورانيوم الموجود فى مناجمها أقل بكثير من المناطق الثلاث الآخرى .
هذا ومن الجائز أن روسيا قد اكتشفت اليورانيوم فى أرضها أو فى إحدى البلاد التابعة لها ، ولكن هذا الفرض بعيد الاحتمال ، وحتى فى هذه الحالة لن تكون الكميات التى تستخرجها روسيا من هذا المعدن قريبة من الكميات التى تنتجها الموارد التى يسيطر عليها المعسكر الغربى .
وهناك احتمال آخر ، وهو أن روسيا تستخرج اليورانيوم من التراب وهو يوجد فيه بنسبة لا تتجاوز ٠.٠٠٠١ % كما يوجد فيه الثوريوم بنسبة ٠.٠١٢%وهى نسبة ضئيلة جدا تحتاج إلى عمليات طويلة ومجهودات كبيرة لاستخراجها لا تقارن بالمجهودات اللازمة لاستخراج اليورانيوم الذى يوجد فى مناجم كندا مثلا بنسبة ٢ % ، وفي الكونجو بنسبة ١ % ، وفى أمريكا بنسبة ١.٢٥ %
فإذا احتاجت أمريكا إلى خمسة أعوام لإنتاج كمية من القنابل الذرية تكفى للسيادة فى هذا الميدان ، فإن روسيا تحتاج إلى أكثر من عشرين عاما لإنتاج هذه الكمية إذا قارنا بين موارد الدولتين فى هذا المضمار ولاحظنا الفارق الضخم فى التقدم الفني .
ولكن الحال لن يستمر كذلك ، فإن هذا التفوق الذى تمتاز به الولايات المتحدة فى عدد القنابل الذرية ونوعها ووسائل نقلها إلى أهدافها لن يظل على ما هو عليه ، وستتمكن روسيا بعد فترة من انتاج أسلحة ذرية تجعلها تقف على قدم المساواة مع الولايات المتحدة إلا إذا استطاعت الأخيرة أن تنتج أنواعا أخرى من الأسلحة مثل الفنيلة الأيدروجينية مستعينة فى ذلك يتقدمها العلمي والفني الذي لا يبارى ، ومواردها التى تكاد لا تنضب . ولعل المستقبل يخبئ للبشر مفاجآت أخري ، فجعبته لم تفرغ بعد .

