أقامت الجمعية المصرية لتاريخ العلوم احتفالا في دار الجمعية الجغرافية للملكية مساء الخميس ٣ مايو بمناسبة مرور ألف عام على مولد الرئيس ابن سينا ، افتتحه الأستاذ مصطني نظيف بكلمة أسدى فيها شكره للحاضرين الذين لبوا دعوة الجمعية ، وأبدي أسفه لتخلف معالي وزير المعارف بسبب مرضه ، وحرمان الحاضرين من سماع كلمته التى كان مقررا ان تكون أولى الكلمات في برنامج الاحتفال ، وتمنى له عاجل الشفاء ، ثم نوه بمكانة ابن سينا في الطب والفلسفة . وأعلن أن الجمعية تلفت كلمتين من خطيين لم يحضرا ، الأولى كلمة المدموزيل والفرني الأمينة المساعدة للمخطوطات بالمكتبة الأهلية بباريس ، ويلقبها الأستاذ عبد الحميد أحمد ، والثانية كلة ساطع الحصري بك ، ويلقها الأستاذ محمد أحمد بنونه بك .
ثم وقف الأستاذ عبد الحميد أحمد وألفي كلمة المدموزيل عن أثر ابن سينا في النهضة الطبية بأوربا ، وقد تناولت فيها الآثار العلمية لابن سينا وخصوصا رسالة النفس التى دفعت الغربيين لدراسة علم النفس ، ثم تحدثت عن مدى استفادة الأوربين من مؤلفات ابن سينا منذ القرن الثاني عشر حتى الثامن عشر حيث طبعت مخطوطاته ، وقرر كثير من كتبه في جامعات إيطاليا وفرنسا واجلترا ، وختمت كلها بإزجاء تحيتها المحتفلين بابن سينا في القاهرة .
ثم وقف الدكتور محمد كامل حسين بك فتحدث عن
كتاب القانون لابن سينا ، وتناول العلاقة بين الفلسفة والطب ، وتساءل عما إذا كان ابن سينا يعتبر فيلسوفا أم طيبا أم يجمع بين الطب والفلسفة ، ثم عرض لعلاقة الفلسفة بالعلم . وأبان أن هذه العلاقة موضحة في كتاب القانون ، واستشهد بفقرات منه ، ثم قال : لا يري ابن سينا أن للطبيب حقا في أن يتدخل في عمل الفيلسوف ، ولذلك لا أثر لطب ابن سينا في فلسفته ، بل هناك أثر فلسفته في طبه . وجد أن أفاض في هذه الناحية ختم كلمته بقوله إن مزاجه أقرب للناحية الفلسفية من الطبية .
وتلاه الأستاذ أمين مرسي فنديل بك فتحدث عن مؤلفات ابن سينا مبينا أن انتاجه كان عقليا ومتنوعا ، فهو عالم وطبيب ورياضي وفيلسوف وشاعر وموسوعي في تأليفه وذو عقل جبار ، وقد صيغت كتبه في أسلوب قوي على الرغم من صعوبة الموضوعات التي عالجها وتعقدها .
واستطرد إلي مؤلفاته فذكر أنها لو جمعت لكونت وحدها مكتبة عظيمة ، إذ تبلغ كتبه ورسائله ٢٧٠ كتابا ورسالة ، مقسمة إلى أقسام من الفلسفة والطبيعة والأدب ، وقد تناولها أنصاره وخصومه بالشرح والتعليق فانتشرت في البلاد العربية ، ولذا لا توجد مكتبة في العالم العربي ليس بها كتب لابن سينا ، ومع أن الغرب يومئذ كان يغط في الجهالة لم يلبث بعد أن تفتحت عيناه على نور العلم أن عرف
لابن سينا منزلته حيث أقبل الغربيون على كتبه يترجموها وتأثرت بها الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى أعظم التأثر .
ولم يكتب ابن سينا كتبه في بلد واحد بل في جهات متعددة ؛ فقد كتب بعضها في نجاري ثم انتقل إلى طوس فجرجان تبعا لظروف حياته ، والشفاء أعظم كتبه الفلسفية ، وهو موسوعة تشمل المنطق والطبيعة والرياضيات ، وهو مقسم إلى جمل وفنون ومقالات وفصول ، ومخطوطات هذا الكتاب شتى مبعثرة في العالم الشرقي والغربي ، وقد ترجم إلى العبرية والسريانية . وتلاه الأستاذ مصطفى نظيف ، فتحدث عن المنحي الحسي في مبحث المعرفة عند ابن سينا ، وأوضح كيفية إدراك العقل للتصورات والتصديقات الأولية مبينا رأي ابن سينا في الإدراك نقلا عن كتابي الشفاء والإشارات ، قائلا : إن الإدراك عنده فعل يقع ، يعرف ولا يعرف ، وإ راك الشئ أخذ صورته يمنحي ولا بد فيه من مدرك ومدرك ، وفسر التصورات والتصديقات بأربعة أنواع : إدراك الحس وإدراك الخيال وإدراك الوهم ، ويتضمن إدراك النسب الزمانية والمكانية والعاني الجزئية ، وإدراك الكليات ، ويدرك العقل هذه الأنواع بترتيبها حيث يبدأ بالأول وينتهي بالرابع ، وقد أفاض المتحدث في توضيح ذلك إفاضة طويلة .
وأعقبه الدكتور إبراهيم مدكور بك ، فتحدث عن ابن سينا والكيمياء ، واستعرض تاريخ العلوم عند العرب ، واختلاط العلم بالفلسفة في العصور الوسطى مبينا أنه منذ مقدمة ابن خلدون لم يكتب في العربية شئ يعتد به في العلوم الطبيعية ، ولا شك أنه قامت في العالم الإسلامي دراسات علمية متنوعة في الطب والكيمياء ، وتاريخها متمم لتاريخ الثقافة الإسلامية ، ولكن هذه الدراسات ظلت في أودية الإهمال ولم نجد من ينقب عنها وينشر روائعها . وقد أخذ العرب العلوم الكيميائية عن اليونان بالترجمة ، ولكنهم لم يقفوا عندها .
وانتقل الدكتور إلي الحديث عن الكيمياء في عهد ابن سينا ، والنظريات التى كانت سائدة يومئذ عن المعادن ، والتي لم يأخذها ابن سينا قضايا مسلمة إذ لم يقم دليل على صدقها ، وأوضح أنه كان ينكر السحر والطلاسم ، ويرفض التنجيم ، ولا يرى سبيلا للكشف والتنبؤ بالغيب إلا الوحي والإلهام ، وهي ظاهرة نفسية تفسر تفسيرا علميا سيكولوجيا ، وقد
وضع ابن سينا كتابا في الكيمياء أهداه إلى أبي الحسن السهلي، ولا يزال مخطوطا ، ولا سبيل لأن نقول كلمة في العلوم الطبيعية إلا إذا نشرت على حقيقتها .
ثم وقف الأستاذ محمد أحمد بنونه بك ، فألقي كلمة ساطع الحصري بك عن الآراء الجيولوجية لابن سينا ، وبعد أن فرغ من إلقائها ، ألقي كلمة عن ابن سينا وعلم الحياة ، وبذلك انتهى الاحتفال .
وقد لاحظنا قلة عدد الحاضرين ، ولا ندري إن كان مرد ذلك إلى تعقد الأبحاث الفلسفية التى لايستسبغها بعض المثقفين ، أم إلي ارتفاع درجة حرارة المكان الذي أقيم فيه الاحتفال .
ومما يستحق التسجيل ، أن عددا من الآباء الكاثوليك والمستشرقين حضروا وأصغوا باهتمام إلى ما القي من كلمات .
الجامعة العربية وابن سينا :
نشرت جريدة الملايين في عددها الصادر يوم ٦ مايو ما يأتي : تقرر الاحتفال بالعيد الألفي للفيلسوف ابن سينا في النصف الثاني من مارس سنة ١٩٥٢ ببغداد ، وتقوم بتنظيم هذا الاحتفال الإدارة الثقافية للجامعة العربية ، وهي دائمة الاتصال بالحكومة الإيرانية ، للتنسيق بين الاحتفال العربي المعتزم إقامته في بغداد ، والاحتفال الإيراني المعتزم إقامته في طهران . وكان قد تقرر أن يكون احتفال بغداد في اكتو سنة ١٩٥١ ، ولكن لما أبلغت الحكومة الإيرانية بذلك ، قالت إن هذا الموعد يصادف شهر المحرم ، وهو شهر حداد عند الشيعة فلا تقام فيه حفلات ، وإن الحكومة الإيرانية تعمل في بناء ضريح لابن سينا في " همدان " لم يتم بعد ، ولا ينتظر أن يتم قبل أكتوبر ١٩٥١ ، ويحسن أن يكون الضريح مهيئا عند الاحتفال ، ولذلك قررت اللجنة المؤلفة لهذا الغرض أن يقام احتفال بغداد في النصف الثاني من مارس سنة ١٩٥٢ ، وتم الاتفاق مع إيران على هذا الموعد ، وعلى أن يقام احتفال طهران في النصف الأول من إبريل من السنة نفسها ، إذ ينتقل المحتفلون من بغداد إلى طهران ، ويتم الاحتفال علي هذه الصورة التعاونية ، وقد ألفت لجان فرعية في العراق ، وسوريا ولبنان ، وكل منها تعمل في بلادها للتحضير للاحتفال العام في بغداد .
والمعروف أن ابن سينا ولد سنة ٣٧٠ ومات سنة ٤٢٨ ه

