الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 345الرجوع إلى "الثقافة"

الذوق الأدبي

Share

لكل عصر ذوقه ، وهذا الذوق يتحكم في أدب الادباء ، من شعراء وكتاب إلى حد بعيد ، فذوق العرب في الجاهلية غير ذوقهم في العصر الأموي والعباسي ، وغير ذوقهم اليوم ، ولذلك كان ادبهم مختلفا ، جاء عصر كان الذوق العام لا يستنكر التعبير عن العلاقات الجنسية بأصرح لفظ حتي في مجالس الخاصة والخلفاء . وذوقنا اليوم يستهجن هذا كل الاستهجان ويتطلب في التعبير عن هذا الإشارة البعيدة والإيماءة الخفية . وكان الذوق في العصر الأموي يستنكر من العربي ان يكون صانعا أو يتصل بالصناع ، ولذلك كان ركن كبير من أركان هجاء جرير للفرزدق انه قين ) حداد ( وابن قين ولم يكن آباء الفرزدق حدادين ، ولكن كان لآبائه ارقاء يعملون في الحدادة . ونري اليوم بأذواقنا ان هذا الضرب لا يصح أن يكون أساسا للهجاء ، بل نري الوزراء من العمال يفخرون بصناعتهم في نشأتهم وشبابهم لأن الذوق اختلف .

ونحن في قراءتنا للآداب المختلفة لا نقدرها كما يقدرها أهلها ، فنحن لا نقدر روايات شكسبير كما يقدرها الانجليز ولو فهمناها ، ولا نقدر روايات جوته كما يقدرها الالمان ولو فهمناها ، لان التقدير يعتمد على الذوق ، والكاتب  يراعي هذا الذوق فيما ينتج ، والذوق يختلف ، فالتقدير يختلف .

إن ما نقرأ من الآثار الأدبية لكل عصر هو ظل لذوق هذا العصر واثر من  آثاره ، ونتيجة لتقدير ذوقه للأشياء . حتى مظاهر الاسلوب من ميل إلي السجع او الترسل والإفراط في أنواع البديع او التخفف منها والاستطراد وعدمه ، كل هذا متأثر - إلي حد كبير - بذوق العصر

ويأتي عصر يغمر فيه الناس بموجة دينية فيكون الذوق متأثرا بذلك فيتأثر به الفن والأدب ، ويتلوه عصر يميل فيه الذوق إلي التحرر من الدين والاستمتاع بمباهج الحياة إلي أقصى حد فيتأثر بذلك الأدب ؛ وعلي هذا يمكننا ان نفهم الأدب من روح العصر الذي نشأ فيه ونفهم روح العصر من ادبه ، وعلي هذا يكون تاريخ ادب كل أمة تاريخ ذوقها ، أو بعبارة اخري تاريخ روح عصورها انظر إلي ادب أي عصر وتعمق في النظر إليه تعرف قيم الأشياء في نظر أهله ، وإذا عرفت القيم عرفت الذوق وكذلك العكس

وكان الذوق الذي يقوم الأدب ويغدق علي أهله هو ذوق القصور ، فانطبع الادب بهذا الطابع وغلب عليه المديح  وما إليه ، ثم حلت المطابع والناشرون محل القصور ، فهي التي تعطى وتكافئ الأدب ، فتحول الأدب إلي ما يوافق ذوق الجمهور ؛ ولهذا لما كان الادب العربي ادب " قصور " كان محلى بكل انواع  الزينة من جناس وبديع كالطرف تهدي إلي الملوك ، فلما اصبح ادب شعب تحرز من الزينة كحاجات الشعب من مأكل وملبس ومسكن ونحو ذلك

إنا لنستطيع أن نحكم على ذوق الأمة بنظرنا في مجموعة من صحافتها وكتبها الأدبية الرائجة ، لأن جمهرة الأدباء

يتبعون ذوق جمهورهم أ كثر مما يرقي القراء إلي ذوق أدبائهم لو ارتفعوا عنهم :

إذا رأيت المهاترات الصحفية تنزل إلي الحضيض في السباب والشتائم  والفضائح  ورأيت إقبال الجمهور عليها كثيرا وأنها تقابل بالترحيب فاحكم على ذوق الأمة الأدبي بالضعف كما تحكم على الأسرة - التي يتساب اطفالها بكل ألفاظ الهجر على مسمع من آبائهم - بالإنحطاط ، لأن الذوق الراقي لا يحب الهجاء الصريح ولا الهجاء العنيف ، إنما أقصى ما يسمح باللمحة الدالة والإشارة المفهمة . ولا أدل على ذلك من النظر إلي حالتنا من ثلاثين سنة أو نحو ذلك ، فكانت جريدة " كالصاعقة " أو " المسامير " أو " حمارة منبتي " تلقي رواجا كبيرا بين عامة الشعب ، وكلما كانت الجريدة ممعنة في السباب المقذع كانت أكثر  رواجا وهي لو بعثت اليوم من قبورها او قلدت في منحاها لم تجد رواجا  لأن ذوق الجمهور ارتقي

وكذلك لو قارنت الآن بين مجموع الصحف الشرقية والصحف الغربية لم تجد في هذه من المهارات الشخصية والسباب المقذع ما تجده في بعض الصحف الشرقية ، لأن ذوق الجمهور ارقي ، والصحيفة التى تقع في مثل هذا تجد من اشمئزاز الذوق ما يميتها كما نجد أن ظروف الأمم الحاضرة يجب أن تشغلها مصلحتها العامة ومستقبلها الخطير أكثر مما يشغلها أمور شخصية ؛ فان كانت هذه الأمور الشخصية تمس صالح الجمهور عولجت امام القضاء في حزم وسرعة ، لا ان تكون شغل الامة الشاغل أزمانا طويلة .

كذلك إن رأيت مجلات الجمهور إنما تعنى بالمهازل الجنسية أكثر مما تعني بالناحية الثقافية ، وبالصور الخليعة أكثر مما تعني بالصور الرفيعة ، دل هذا على انحطاط الذوق الأدبى للجمهور ، لان هناك في الحياة أمورا أكثر من نظرة الرجل إلي المرأة والمرأة إلي الرجل . قد يصح ان يكون هذا شيئا من الأشياء ، أما أن يكون كل شئ أو أهم شئ

فدليل على فساد الذوق الأدبي

تسألني : وما يرقي الذوق الأدبي في الآمة ؟

أما في الخاصة فعماد ترقية الذوق الأدبى هما " الجامعة " و البرلمان " فهما المثل الذي يحتذي فان رقى ذوقهما يحسن تقويمهما للأشياء . وما يقال ومالا يقال ، وكيف يقال ، وما يفعل ومالا يفعل وكيف يفعل ، قلدت سيرتهما في الجماهير ، فالجامعة نموذج الناشئين ، والبرلمان نموذج الصحفيين والسياسيين . .

إن هؤلاء الجامعيين والبرلمانيين مظنة الثقافة الواسعة والقراءة العميقة والاطلاع الواسع ، والاتصال بذوي الثقافة الراقية والذوق المهذب في العالم المتمدن ، فأحري بهم أن يقودوا الذوق الأدبى في الآمة .

وأما في الجماهير فويل لنا من الفقر والأمية ، فهما الحجران اللذان يصطدم بهما كل إصلاح . وإن فساد الذوق أكثر ما ينشأ من الفقر والجهل . إن الطفل الذي ربي في بيت قذر ، ووسط قذر ، لا يأنف من قذارة الشوارع ، ولا من قذارة ملابسه ، ولا من قذارة وسطه . فكيف - إذا كبر - تتطلب منه ان   يأنف من النكتة القبيحة ، والحكاية القذرة ، والسباب القذر ؟ وإن الأمي الذي لم يقرأ كتابا ، وكل غذائه الأدبي من أغان وضيعة وحكايات ونوادر وضيعة لا يمكن أن يرقي ذوقه فيأنف من الهجر .

عماد الذوق الفني إدراك الجمال في كل صوره ، من جمال منظر ، وجمال ازهار ، وجمال طبيعة ، وجمال نظافة ، وجمال نظام ، فإذا شاع هذا الادراك وربي في البيت والمدرسية والمجتمعات ، أمكننا بخطوة يسيرة أن ندرك بذوقنا جمال المعاني ، فلا نضحك إلا من النادرة المؤدبة ، وننفر من السياسي المهرج ، ومن الصحف السبابة ، ومن كل شئ قبح مادة أو معني . وإذا رقي ذوق الجمهور  رقيت السياسة ورقي الفن والأدب

اشترك في نشرتنا البريدية