الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 453 الرجوع إلى "الثقافة"

الرأسمالية الغربية، في اندونيسيا، خلال عصر الاستعمار الهولندى

Share

-١- فى يونيه ١٩٤٧ ، عقدت معاهدة تجارية مؤقته بين مصر والجمهورية الإندونيسية بالقاهرة ، رغبة منهما فى تبادل المصالح العامة ، التي تتطلبها حياتهما الحديثة ، وسوف تفتقي أثر مصر كافة البلدان العربية ، فتعقد بينها وبين إندونيسيا معاهدات تجارية . لننتفع بالإنتاج الإندونيسى - الزراعى والمعدنى - بعد أن تحررت الثروة الاقتصادية الإندونيسية من سيطرة الرأسمالية الغربية التي احتكرتها واستغلتها ثلاثمائة وخمسين عاما!

ونعرض في هذا البحث الثروة الاقتصادية الإندونيسية ومدى استغلال الرأسمالية لها ، ليلم القارىء العربى بما تنتجه التربة الإندونيسية من المواد الزراعية والمعدنية. ولتبني الحكومات العربية أسس علاقاتها الاقتصادية مع الجمهورية الإندونيسية في العصر الحديث .

تنتج التربة الإندونيسية مواد زراعية ومعدنية ثمينة ، وتفيض عن مطالب الشعب الإندونيسى . وأكثر الإنتاج الزراعى الهام : الأرز ، قصب السكر ، المطاط ، الدخان ، الفلفل ، التوابل ، النارجيل ، الكينا ، الجزر ، القطن ، البردى ، الشاى ، الكاكاو ، الخيزران ، الأخشاب . وأكثر الإنتاج المعدنى : البترول ، الزيوت المعدنية ، الفحم الحجرى ، القصدير ، الألمونيوم ، الحديد ، الذهب ، الفضة ، الألماس .

وقد جذبت هذه الثروة الطائلة الأوربيين فى القرن السابع عشر . فأنشأوا شركات تجارية فى جزيرة " جاوا " أخصب الجزائر الإندونيسية ، وأفتنها جمالا ، وأكثرها سكانا . ويمكن ملاحظة ذلك فى الأرقام الاتية التى توضح

بجلاء مدى ازدياد سكان جزيرة جاوا من عام ١٨٦٠-١٩٤٣ السنة         السكان          السنة        السكان  ١٨٦٠    ١٢٥١٤٠٠٠   ١٩٢٠       ٣٤٢٩٠٠٠   نسمة ١٨٧٠    ١٦٢٣٣٠٠٠    ١٩٣٠       ٤٠٨٩١٠٠٠   "  ١٨٨٠   ١٩٥٤١٠٠٠     ١٩٤٠       ٤٧٤٥٦٠٠٠   " ١٨٩٠    ٢٣٦٩٠٠٠٠      ١٩٤٣       ٥٠٠٠٠٠٠٠   " ١٩٠٠    ٢٨٣٨٦٠٠٠

وقد استغلت الشركات البرتغالية والأسبانية والإنكليزية والهولندية هذه الثروات الطائلة . كما استغلت جهود الشعب الإندونيسى ، فنقلت الثروة الاقتصادية الإندونيسية إلى أوربا عن طريقين . الأول : الهند فالبصرة فآسيا الصغرى فأوربا . والثاني : مضيق مالاكا فسيلان فالبحر الأحمر ، فالإسكندرية ، فأوربا ( فى جنوا والبندقية بإيطاليا ) إذ كانتا أكبر المراكز التجارية العالمية فى ذلك العصر .

وفى ٢٠ مارس ١٦٠٢ اتحدت الشركات الهولندية بجزيرة جاوا ، لتقوية مركزها المالى ، وبسط سيادتها الاقتصادية على الشعب الإندونيسى ، والصمود أمام منافسات الشركات الأوربية : البرتغالية والأسبانية والإنكليزية ، وكونت شركة متحدة باسم " شركة الهند الشرقية "  برأس مال قدره ٦٤١٩٠٠٠ روبية . وقد استطاعت أن تزيل من الميدان التجارى الشركات البرتغالية في عام ١٦٤١.

سارت شركة الهند الشرقية فى تنفيذ برامجها الأساسية التى وضعتها الحكومة الهولندية بهولندا . وهى برامج تتعلق بناحيتين من نواحى حياة الشركة ، وهما : حقوق وواجبات .

فالحقوق : إنشاء الاستحكامات ، صك النقود ، تعيين الحكام والموظفين . والواجبات : الدفاع عن نفوذ الحكومة الهولندية ، تحمل المسئوليات ، عرض السجلات والمستندات لموظفى الدولة الهولندية بهولندا . وفى سبيل

تنفيذ هذه الحقوق والواجبات عينت الشركة مديرا عاما لها يحمل لقب " الحاكم العام " ، وذلك في عام ١٦١٠ ، وقام بدور هام في تمهيد الطريق للسيادة الهولندية . فبعد أن زالت الشركات البرتغالية من الميدان التجارب . لعب هذا الحاكم دورا آخر ، كان أشد فتكا بالوحدة الإندونيسية. إذ سار على سياسة " فرق تسد " فأثار الخلافات الداخلية بين أمراء الولايات الإندونيسية المستقلة ، فأحدثت حرباً هواناً بين كل دولة وأخرى . وقد أنتجت هذه الحرب ضعفاً في الدفاع الإندونيسى ، استطاع به الحاكم العام للشركة الهندية الشرقية أن يبسط نفوذ الشركة - المالى والسياسى - على الولايات الغربية الإندونيسية الواقعة بجزيرة جاوا . ومن أجلى مظاهر سيادتها المالية والسياسية فرض الضرائب الفادحة على سكان المدن الواقعة تحت سيطرتها ، وحظرها بيع منتجاتهم إلى أية شركة خلافها ، حسب الثمن الذى ترغبه ! ... وقد أحدثت هذه الضرائب مجاعة عظيمة فى إندونيسيا ، ذهب ضحيتها ثلث الشعب الإندونيسى !...

وفى عام ١٧١٣ قامت حرب بين هولندا وفرنسا . ثم في عام ١٧٨٠-١٧٨٤ حدثت حرب ثانية ، بين هولندا وانكلترا ، أضرتا كثيرا بمصالح شركة الهند الشرقية . إذ فقدت كثيرا من سفنها . واضطرت إزاء هذه الخسائر المتلاحقة بمرافقها العامة إلى الاقتراض من الحكومة الهولندية فأقرضتها (١٤) مليون روبية بفائدة معينة وفى عام ١٧٩٩ سلمت شركة الهند الشرقية زمام الأمور للحكومة الهولندية . وتنازلت هذه عن دينها للشركة البالغ قدره (١٣٤) مليون روبية . لأنها ستستعيده من الضرائب ومن الثروة الاقتصادية الإندونيسية .

نظام الزراعة الإجبارى:

دافع الإندونيسيون عن وطنهم دفاعاً مجيداً ، ضد العدو المغير ؛ ففي عام ١٨٢١-١٨٣٧ ، أشعلوا نار حرب

مقدسة ضد الحكم الهولندي ، بقيادة الإمام بونجول ، بجزيرة سومترا ، وفى جزيرة جاوا اشتعلت نار حرب أخرى بقيادة الأمير ديفونيفورد ، للقضاء على الحكم الهولندي ، وذلك في عام ١٨٢٥-١٨٣٠ ، ولم يشأ الله أن يقدر لهما النجاح ؛ وقد استنفدت هاتان الحربان مالية الحكومة الهولندية ، وأفنتا كثيراً من جنودها . ولكى تخضع الشعب الاندونيسى لسيادتها ، وتستعيد ما فقدته من الأموال ، أصدر الحاكم العام للحكومة الهندية الهولندية " جراف جوهانس فان دن بوش " نظاما زراعياً إجبارياً للشعب الإندونيسي في عام ١٨٣٠  . ودعى هذا النظام " النظام الزراعى الإجبارى " بمقتضاه يزرع الشعب الإندونيسى نباتات معينة كالبن وقصب السكر والنيلة ، لأنها مواد زراعية صالحة للأسواق العالمية . وقد استمر هذا النظام ساريا مدة أربعين عاماً، ربحت خلالها الحكومة الهولندية ما يربو على (٩٠٠) مليون روبية .

وأما النتائج المترتبة عليه فهى : ١ - فناء ثلث الشعب الإندونيسي . ٢ - انتشار المجاعة العامة .  ٣-انحطاط الشعب عقليا وجسميا . ٤ - جدب التربة الإندونيسية .

ونوضح في البيان الآتى النباتات التى فرضت الحكومة الهولندية زراعتها على الشعب الإندونيسى ، وعدد العائلات الإندونيسية التى قامت بزراعتها .

نوع الزراعة           العائلة المعينة لها قصب السكر        ١٥٤٧٨٦ عائلة الفلفل الأسود        ١٣٤٠٦    " البن                   ٤٠٩٧٧٣  " النيلة                  ١٦٨٧٣٠ " الدخان                ٢٩٤٩٣   " الحرير                  ١٣١٠     " القرفة                   ٨٣٠١    " زراعات أخري           ١٠٠٣٠  " الجملة                   ٧٩٥٨١٩ عائلة

فهل كانت هذه العائلات تنال أجرا مقابل شقائها ؟ إن الحكومة الهولندية أعطت كل عائلة اندونيسية أجراً نائياً هو أجلى مظهر للاستغلال الهولندي . وفي البيان الآتى مقدار أجرة العائلة الواحدة فى حقول النباتات التي زرعتها فى سنة واحدة :

الأجرة               الحقول                     الأجرة                    الحقول  ١٨.١٦ روبية       قصب السكر            ١٥.١٢    روبية             البن ١٢.٨٢  "             النيلة                   ١١.٦٩    "              الدخان  ٤.٣٢   "             الفلفل

فما أقله من أجر !... لا يروى ظمأ ! ولا يشبع جوعا ! . . . وإذا قدر أن كل عائلة مكونة من خمسة أفراد (أب وأم وثلاثة أبناء)  فان عدد الذين سخروا للزراعة    (٣٩٧٩٠٩٥) نسمة !...

وفى عام ١٨٤٧ و ١٩١٥ ، ألغت الحكومة الهولندية زراعة قصب السكر والبن ، من برامج الزراعة الإجبارية . وفتحت أبواب هذه الأعمال لرؤوس الأموال الهولندية ، لتستغلها كيف تشاء ! ...

لقد جاء دور استغلال الرأسمالية الهولندية . فلننظر كيف فسح لها المجال .

فى ٩ ابريل عام ١٨٧٠ ، أصدر وزير المستعمرات الهولندية " اي دي . وال " قانونا ينتزع الملكية من الأيدي الإندونيسية ، وسماه "Agrarische Wet" أي " قانون الأرض" يخول للهولنديين حق انتراع الاراضي الزراعية من الشعب الإندونيسي ؛ ويستغلونها خمسة وسبعين عاما ! ويجوز تجديد الاستغلال " صوريا " لخمسة وسبعين عاما أخرى . وبتطبيق هذا القانون في أنحاء ادونيسيا ، انزع من الشعب الإندونيسي أكثر أراضية وأخصبها ! . ففي نهاية عام ١٩٢٦ بلغت مساحة الأراضي

المنتزعة من الأملاك الإندونيسية في جزيرة جاوا ومادورا ( ٨٠٠٣٢٠ ) هكتاراً ! وفي جزيرة سومترا والجزر الصغيرة الواقعة في شمالها وشرقها (٩٢٤٢٦١ ) هكتارا ! وأرصد لاستغلالها مبلغ (٤١٠٠ ) مليون روبية ! ...

وفي عام ١٨٨٠ ، أصدرت الحكومة الهولندية نظاماً للعمال "Kolior donnatie أي " نظام العمال " بمقتضاه يتعهد العامل الإندونيسي بالاشتغال في الشركات الهولندية بأجور معينة، ومدة محدودة. ولكن لما تعهد بذلك وانتقل إلى مقر عمله ، لم ينل الاجر المتفق عليه . ولكنه اصبح ملزما بالعمل رغم أنفه ! ... وفي عام ١٩٢٧ ، بلغ عدد العمال الإندونيسين المقاولين مع الشركات الهولندية بموجب "نظام العمال" في استغلال الاراضي الإندونيسية المنتزعة من اصحابها الإندونيسيين (٢٤٠٠٠٠٠) عامل . وبلغ ربح الشركات الهولندية التي استغلت الأراضي الأندونيسية  (٥٠٠ )مليون روبية في السنة الواحدة ! ... (له بقيه)

اشترك في نشرتنا البريدية