الرأسمالية والعمل هما الساقان اللتان تتقدم بهما الإنسانية نحو الكمال لا غني للواحدة عن الأخري فهما توأمان فإذا وقع بينهما خلاف فهو الخلاف الذي يقع بين الأخوين إذا اعتقد أحدهما أن أخاه يأخذ من ثمرة سعيهما المشترك أكثر مما يستحق
وإذا صور الخلاف بينهما على غير هذه الصورة كان المصور له مغرضا متحيزا غير عادل ولا مصلح
ولكن هناك شيئا آخر غير الرأسمالية وغير العمل هو الذي يستحق المحاربة ذلك الشئ هو الاستغلال وروحه
إذا حاولت الرأسمالية أن تستغل ظرفا تجتازه الإنسانية كظرف الحرب أو المجاعة فعمدت إلي رفع أسعار السلع التى تنتجها بغير مبرر إلا حب الكسب الحرام لم تعد تلك
القوة البريئة التي تستند إليها الإنسانية ولذلك رأينا الحكومات تبادر إلى تحديد الربح ووضع التسعيرة الإجبارية حفظا للشعب من شيطان الطمع وتلجأ حتى إلي حبس أصحاب المال وجلدهم
وإذا جنح العمال إلي الاستبداد بأصحاب المال وحاولوا أن ينالوا من ثمرة العمل أكثر مما يحتمل رأينا الحكومات تبادر إلى التدخل وإعلان التجنيد على العمال حتى تحول بين أطماعهم وبين إفساد النظام الاقتصادي
قدمت هذه الكلمة حتى لا يحاول أحد أن يقول إنى متحامل علي الرأسمالية وإنها نزعة يسارية تلك التي تملي هذه الكلمة
إنها نزعة الإنصاف إنصاف الشعب من إحدي القوتين اللتين تسير بهما الإنسانية إلى الأمام
في مصر غلاء شديد يضايق الأغنياء ويرهق المتوسطين وينزف دم الفقراء
وقد تدرج هذا الغلاء خلال سني الحرب بدأ في ثوب مقابلة زيادة مصاريف الإنتاج وغلاء الوقود وقطع التيار ويبدو أن ذلك الثوب كان فضفاضا فاتسع لنمو الغلاء ورفع الأسعار حتى أصبح الغلاء عملاقا جبارا ومع ذلك لا يزال يلبس ثوب مقابلة زيادة مصاريف الإنتاج
ولو أن ذلك الغلاء كان في الواقع غلاء قضت به ظروف الحرب لمقابلة مصاريف الإنتاج لما كان هناك محل للشكوي منه بل لكانت الشكوي منه ضعفا في الوطنية ومرضا في النفوس
أما وقد ثبت من ميزانيات الشركات أن أرباحها تضاعفت أضعافا لا ضعفا واحدا حتى إن بعضها تربح فى العام ربحا يربو على رأس المال فالقول بأن رفع الأسعار إنما كان الغرض منه مقابلة زيادة مصاريف الإنتاج أصبح قولا هراء بل سخرية من عقول الناس
ليست الرأسمالية هي التي تشكو منها فالرأسمالية القائمة
بالربح الحلال هي أخت العمل لا يجوز أن يشكو منها أحد ولكنه الاستغلال الذي عمدت إليه الرأسمالية هو الذي تشكو منه
وقد انتهت الحرب وزالت معظم الصعوبات التى كانت نكشف استيراد السلع زوالا يدعو إلي ورود البضائع ولكننا بدانا نسمع نفعة جديدة هي حماية الإنتاج القومي حتي لا تغلق المصانع ويشرد العمال فتزيد مشكلة العمال العاطلين تعقيدا
أما حماية الإنتاج القومي فما لا يجادل في ضرورتها عاقل ولكن الحماية لا يجوز أن تفرض إلا لحماية الضعيف المشرف على الفتاه و أرباح الشركات اليوم نجعل بينها وبين خطر الإفلاس مسافة طويلة فالشركة التي تربح كل عام ما يوازي رأس المال ليست هي الشركة التي تحتاج إلي الحماية إنما هي تستطيع أن تخفض أثمان منتجاتها تخفيضا يجعلها قادرة على منافسة ما يرد من الخارج فإذا هبط الثمن إلى الدرجة التي لا تكفل للشركة ربحا معقولا في نظر الاقتصاد السليم وجبت المبادرة إلى حمايتها بفرض رسوم على ما يرد من الخارج أو منعه
أما والحالة كما هي الآن وأرباح الشركات فوق كل ما يقره الاقتصاد السليم فكل ما يقال عن منع الواردات أو فرض رسوم عليها ليس من المصلحة العامة في شئ
يجب ان نعود الأمور إلى الحالة الطبيعية أولا فإذا عادت إليها فعند ذلك فقط يصح التفكير في حماية المنتجات المصرية وعند ذلك يتحمل المستهلك ما يفرض عليه من أعباء وهو راض لانه يشعر بأنه يتحمل ما يفرض عليه من أعباء لغاية وطنية سامية هي حماية صناعات الوطن وتشجيع العاملين من أبنائه في الصناعة
أما إذا فرض من هذا القبيل شئ والحالة كما هي من زيادة أرباح الشركات عن كل ما تطمع فيه المصانع من ربح حلال في صناعته فان المستهلك يشعر بأنه فريسة لأطماع
غير مشروعة ولا عادلة الغرض منها أن يثري أفراد قلائل على حساب شعب يشكو ويشكو المفكرون فيه من تفشى الفقر
وانتقل من هذه الحماية الجمركية التي لا داعي لها إلى ما هو أثقل على النفس أعني هذه الزيادة الأخيرة التى وضعت على كاهل الشعب يرفع أثمان الأقمشة الشعبية بحجة ارتفاع ثمن القطن
هل هذه الزيادة فرضت لأن شركات النسيج خسرت شيئا من جراء ارتفاع اثمان القطن نحن نعلم أن أرباح الشركات لا تزال فوق الحد الذي يحلم به الصناع كما قلنا من قبل فلماذا فرضت هذه الزيادة
الجواب أن الذين يجنون الربح ويجمعون الثروة من وراء هذه الزيارة يستغلون قلة الاقمشة في العالم واضطرار المستهلك لشراء بضائعهم مهما ارتفع ثمنها ثم هم يستغلون نفوذهم الذي مهد لهم السبيل إلي هذه الزيادة في الاقمشة الشعبية فهم بذلك قد أخرجوا أنفسهم من زمرة الرأسماليين الذين تسترف بفضلهم ورجوا بأنفسهم في زمرة المستغلين الذين يحاربهم القانون لولا أن نفوذهم يحميهم من بطش القانون
ثم إن هناك بجانب هذه الزيادة ظاهرة غريبة يبرأ منها الاقتصاد السليم وهي الفرق الذي يبلغ أكثر من الضعف بين سعر القماش الذي يصرف بالبطاقة ومثيله الذي بياع في السوق الحرة
فمثلا ثوب الدمور الشعبي يباع بمبلغ ١٣٨ قرشا بينما مثيله يباع لمن يستطيع الحصول عليه بالسعر الرسمي بمبلغ ٣٣٠ قرشا
فإذا فرضنا أن الكمية الشعبية تباع بأصل تكاليفها فكيف يجوز أن تربح الشركة في الكمية غير الشعبية هذا الربح الفاحش الذي يقرب من جنيهين اثنين في شئ ثمنه ١٣٨ قرشا
وإذا فرضنا أن الكمية الشعبية فيها خسارة فما مبلغها أهي ٢٠ % من الثمن هذا على أكثر تقدير وإذا فرضنا هنا جدلا فمعناه أن ثوب الدمور الشعبي يتكلف ١٦٥ قرشا وأن الشركات تخسر في كل ثوب ٢٧ قرشا تحصل من إعانة الحكومة ومن الكمية الحرة فلترتفع أثمان الكمية الحرة ٢٠ % أو ٤٠ % أعني أن ثوب الدمور في الكمية الحرة يباع بجنيهين على أقصى تقدير فكيف تبيعه الشركات بثلاثة جنيهات وثلاثين قرشا
هذا كله استغلال يجب أن تحاربه الحكومة رأينا العمال ينالون في تقرير حقوقهم فأسرعت الحكومة إلي حماية أصحاب العمل منهم
وها نحن نري أصحاب الشركات ينالون في تقرير حقوقهم فيجب أن تهب الحكومة لحماية الشعب منهم
اعلنا لا نطلب ما فيه إرهاق لأحد إذا طالبنا بأن تقف الحكومة من الرأسمالية موقفها من العمال موقف الشدة والحزم لكى تسير الأمور سيرا حسنا ولعل هذه الكلمة تكون عليها لأصحاب الشركات فيعودوا إلى رشدهم
وإني لأحس أن الأيام التي تعود فيها السلع إلي الوفرة في السوق قريبة فليكن لدي أصحاب الشركات من بعد النظر ما يجعل جمهور المستهلكين يعطف عليهم وعلى صناعاتهم ليكونوا في صفها يوم يجد المستهلكون فى السوق بضائع أجنبية أرخص من البضائع المصرية ويكون المرجع في تفضيل البضائع الوطنية رغم غلاء أسعارها على البضائع الأجنبية الرخيصة ضمير المستهلكين ووطنيتهم وتذكرهم أن اصحاب الشركات المصرية كانوا رحماء بهم بررة بوطنهم ومواطنيهم فيشتري المستهلكون البضائع المصرية
أما السعي وراء الربح الفاحش واستغلال حاجة المواطنين فهو سياسة اقتصادية قصيرة النظر وإنى وقد كنت لا أشتري
قبل الحرب إلا ما هو مصري مهما ساءت حالته قد تبدلت اليوم عقلينى وأصبحت بعد هذا الاستغلال الذي جعل أصحاب الشركات في نظري شرا من الأجانب أصبحت أمقث البضاعة المصرية لأنى أري في شرائها تشجيعا لهؤلاء المستغلين ولكنني أكتب الآن أناشد هؤلاء المستغلين أن يتدبروا أمرهم فلا يفقدوا السوق المصرية حين تكثر فيها السلع وحين لا يستطيع واحد منهم أن يكتب فى إعلاناته الكلمة القديمة المحبوبة شجعوا الصناعة المصرية إذ يرد كل مواطن على هذه الكلمة بذكر ما نعاني جميعا من إرهاق أصحاب الشركات لنا

