الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 687 الرجوع إلى "الثقافة"

الرأسمالية والعمال

Share

قد يكون من المستحسن أولاً أن نبين كيف نشأت الرأسمالية ، وصارت إلى ما صارت إليه اليوم ؛ ولبيان ذلك نقول : إن " العمل " فى أول الأمر كان بدائياً محصوراً فى جو كل أسرة من الأسر التى كان يتكون منها المجتمع البدائى حين تكونت الأسرة وعرفت العائلة . فكان أفراد الأسرة جميعاً يقومون بكل ما يلزم من عمل فى المأكل والمشرب والملبس ، فكان اعتمادهم على أنفسهم أكثر من اعتمادهم على الغير .

وكان العمل الاقتصادى الأول مقصورا على الصيد والاقتناص ثم على الرعى ، ثم عرفت الزراعة ، فاشتغل الأفراد فى الأرض ، وكون كل منهم أسرة ، ونشأت القرية من اجتماع العدد القليل من الأسر والعائلات ، ونشأت بعد ذلك المدن الصغيرة ، التى أدت إلى القيام بحرفة التجارة لقيام الأسواق ، ومعرفة نظام المبادلة والمقايضة . .

ولكن بعض أهالى هذه المدن طفقوا يشتغلون ببعض الحرف الصناعية البسيطة ، فظهرت الصناعة آنذاك ، واتخذت مصانعها فى البيوت والمنازل ، ولم تعتمد على رءوس أموال كبيرة ، ورأى الصانع بعد ذلك أن يستعين ببعض من العمال ، فكان يضم إليه بعض العمال يعتدلون جميعاً فى البيت ويعيشون عيشة واحدة متساوية ، لا فارق فيها بينه وبينهم ، واستطاع هؤلاء الصناع أن يؤلفوا فيما بينهم طوائف خاصة بصناعتهم ، وقد أنشأت الدولة بعد ذلك بعضاً من المصانع تمتلكها ملكية خالصة لها ، كما منحت بعض الأفراد امتياز إنشاء البعض الآخر ، وكان العمال بالطبع يقدمون على العمل بهذه المصانع الكبيرة .

والميزة التى أريد أن أوضحها فى هذا الصدد ، أن صاحب العمل لم يكن بعيداً عن العامل الذى يصل لديه ، فقد كان يلازمه ويعرفه ، ويهتم به ويشجعه ، وبواسيه إذا مرض ويسأل عنه إذا غاب ؛ لأنه يقدم لصاحب العمل بما يضع بين يديه مصنوعات ذات قيم مالية ، تدر عليه الكسب والربح . . أما من جانب العامل فقد كان يحب عمله ويتفانى فى

إجادته والإبداع فيه ، لكى يبرهن لصاحب العمل على اتقانه وإخلاصه ، ولك يتحسن الجزاء الذى يتلقاء منه . ولكى يفوز على أقرانه ويمتاز عنهم ؛

فصاحب العمل إذاً لم يكن ليستغنى عن العامل ، ولم يكن ليهمل أمره أو ليتجاهل عمله ، وكذلك العامل ما كان ليستغنى رب العمل ، وما كان يشعر نحوه إلا كما يشعر نحو فرد من أفراد أسرته المحبوبين ، وإن كان ثمة خلاف بسيط يقع بينهما فلم يكن من " وسيط " لحل هذه الخلاف سواهما ، فالعمل وتنظيمه والخلافات وحسمها والمعيشة وإصلاحها ، كل أولئك من شأن العامل ورب العمل على حد سواء ؛ إذ أن العامل يشعر بتكافئه مع رب العمل ، وكذلك يشعر هذا الأخير .

ولم تنقلب هذه الأوضاع حينما قامت " الثورة الصناعية " وجاء القرن التاسع عشر ، إذ تلاحقت الكشوف والمخترعات فى عالم الصناعة ، وتقدم العلم ليغذى العمل بشتي ضروب التطور والنهوض ، وصار الإنتاج يعتمد على رءوس الاموال أكثر من اعتماده على العمال ، ولم تتوافر هذه الرءوس لدى العمال فتخلوا عن مراكزهم لمن تتوافر لديهم ؛ ومن هنا صار العمال طبقة بمفردها تواجه فى أعلى الجبل طبقة أخرى دعيت بأصحاب الأعمال أو طبقة الممولين أو أصحاب رءوس الأموال ، فكان من نتائج ذلك أن دعى النظام الذى يسود المجتمع الذى يجمع بين هاتين الطبقتين باسم الطبقة الظاهرة القوية فيه ، فدعى لذلك باسم " النظام الرأسمالى " وقامت من أجله " الرأسمالية " كمذهب اقتصادى .

وقد ترتب على كشف البخار والكهرباء واختراع " الآلة " أن انقلبت الأوضاع الاقتصادية بالنسبة للعمال وأرباب الأعمال على حد سواء ، فكانت إلى جانب أصحاب الأعمال سبيلا إلى الامتلاء والربح الغزير ، تبعاً لما أدت إليه من جودة فى الصنف وسمو فى النوع ووفرة فى العدد وكثرة بالغة في الكمية ، وكانت بالنسبة إلى العمال عدواً لدوداً أثر فى حياتهم كل تأثير وحول مجراها إلى بعيد ، حتى

إن من العمال من هم باغتيال مخترعى الآلات والقضاء عليهم لأنهم رأوا كيف أن " الآلة " حولت مجرى تاريخهم وقضت على أرزاقهم وحياتهم . وضيعت اعتبارهم ودورهم فى الإنتاج الصحيح ؛ أو لسنا نرى بعد اختراعها أن قيمة العامل فى نظر صاحب العمل قد اضمحلت وصارت أقل من قيمة الآلة فى نظره ، فهى قد احتلت مكانته وصار أصحاب رءوس الأموال لا يستغنون عنها بقدر استطاعتهم الاستغناء عن العمال ؛ ! . ذلك أنه فى المرحلة الأولى - التى أسلفنا الإشارة إليها - كان للعامل اعتبار فى نظر صاحب العمل ، لأن هذا الأخير كان يرى فى يد العامل وعمله كسبه المحقق . وخلق القيم المالية التى بها يستطيع أن يحصل على النقود والأموال ، ولم يكن ثمة ما ينافس يد العامل فى تقديم هذا الكسب أو خلق تلك القيم له . فالآلات أو بالأحرى معدات العمل لم تكن لتعدو فى هذه المرحلة أن تكون مجرد أشياء بدائية ثانوية ليس لها أثر ملحوظ فى الإنتاج بالنسبة إلى عمل العامل ؛ بل إن العامل نفسه كان إذا استقدمه الصانع الذى يريد ضم عدد من العمال لصناعته التى يديرها فى منزله ، يأتى معه بهذه الآلات الأولية التى بها يقوم بعمله ولم يكن الصانع نفسه أى صاحب العمل هو الذى يقدمها ؛ لأنها كانت أكثر أهمية للعامل بالنسبة لصاحب العمل نسبياً ، أما الآلة اليوم فهى بالنسبة لصاحب العمل كل شئ ؛ إذ هي رأس ماله المنتج ، أما بالنسبة للعامل فقد صارت مجرد عدو لدود ومنطفل لئيم حشر نفسه فى زمرة الإنتاج وقضى على الدور الإيجابى الذى يقوم به ، فهو لا يسعه إزاء ذلك إلا أن يحاول القضاء على هؤلاء المناكيد الذين فكروا فى ابتكار هذه الآلة التعيسة ، وأخرجوها إلي حيز الوجود ؛ !

ولسنا نبحث كيف أن الآلة قد أدت بالعمال إلى " بطالة فنية " إذ أن هذه البطالة قد تغلب عليها التطور الاقتصادى ؛ وذلك أن أصحاب الأعمال لما زاد انتاجهم تبعاً لاستخدام الآلات وتحسن الأسواق والحالة الاقتصادية فى المجتمع وازدياد القوة الشرائية لدى الأفراد ، كان لا مناص لهم من أن يزيدوا عدد العمال الموجودين لديهم مع زيادة الآلات طبعاً فى الكسب والاستزادة منه ، ولكن ثمة صناعات أدى استعمال الآلات فيها إلى الاستغناء عن العمال ، هؤلاء الذين لم يجدوا

أمامهم مورد رزق بعد أن ضيعت عليهم الآلة قيمتهم ، وأطاحت بأهمية دورهم وعملهم ، وهؤلاء كانت الحكومات تهتم بأمرهم ؛ وإن ظهر منهم اليوم أحد نتيجة اختراع آلة معينة ، فهم أيضاً مشكلة يقمن بالحكومة أن تحلها ، فتحول الشبان منهم إلى الأعمال الجديدة التى تطلب العمال وتساعد الكبار ما وسعها الجهد وما تهيأت الظروف . .

وظاهر فعلا أن التمادى فى الابتكارات والاختراعات الصناعية سيؤدى بالعمال إلى كوارث شتى ، ولكنه بالرغم من ذلك مفيد من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والدولية ؛ فبعد أن كان العامل يشغل يديه مع ذهنه فى إنتاج السلعة وينافس غيره فى ذلك ، صارت الآلة تخرج أمامه هذه السلعة كاملة محدودة بعدد وافر وكميات كبيرة ؛ بيد أنه يقال إنه بالرغم من ذلك فقد استراح العامل من الناحية الجسمانية ، إذ اقتصر عمله على مجرد مراقبة الآلة التى قامت بالانتاج بدله .

ورد على هذا بأن ذلك مرهق له من الناحية العصبية ويحار الفكر بين تفضيل إرهاق البدن أو إرهاق العصب ، وكمثال للآلات التى تختصر العمل تلو العمل لتصل إلى الإنتاج النهائى من أقصر طريق ، فيؤثر ذلك على طلب وحاجة أصحاب العمل إلى العمال ، أنه جاء فى الأنباء ( ١٩٥١/٤/٢٧ ) أن اثنين من الفرنسيين يعيشان فى أمريكا عرضا " آلة كاتبة تفكر " إذ تنبعث فيها تيارات كهربائية تغير حجم الحروف وشكلها على النحو الذى يريده الإنسان . وتعد صفحة كاملة لصحيفة يومية أو أسبوعية يمكن إرسالها إلى الروتوغرافور لحفرها ثم طبعها فوراً ؛ وهذا الاختراع يجعل الصحف تستغنى عن آلات الجمع " الليتونيب " وأجهزة الكبس ونظام وضع " المونتاج " وميزة الآلة الجديدة أن ثمنها لا يزيد كثيراً عن ثمن الآلات الكاتبة العادية "

ولعلنا نظن أنه مهما تقدم اختراع الآلات الصناعية ، فإن الإنتاج لن يستغنى عن العامل ، بل إن الدولة الناهضة فى مثل هذا العصر المتقدم تعمل على الاستفادة من الآلة ومن العامل على حد سواء ، ولا تجعل للآلة المقام الأول وتهمل شأن العامل ، لأن هذا الأخير فى استطاعته أن يساهم بنصيب كبير فى تقدم الدولة الاقتصادى إلى جانب الآلة ..! ويقول بعض الاقتصاديين إن الآلة وحدها قاصرة عن تقديم انتاج قومى محترم دون الاستعانة بالعمال ؛ لأن الآلة

عبارة عن شئ أصم لا يفهم ولا يدرك ، بالرغم من قدرتها على إنتاج ما لا يستطيع عدد كبير من العمال أن يقوم به . ولكن العامل شخص يفهم ويستخدم ذهنه فى عمله ، والعمل الذى يقدمه مرتبط بشخصه إلى حد بعيد ، وهذا هو الفارق الملحوظ بينه وبين الآلة ، ولكنا قد بينا أن الاختراعات والكشوف تتجاهل مثل هذه الحقيقة وتبتكر " الآلات المفكرة " التى أشرنا إلى مثال منها ، فيستغنى بها عن المجهودين اللذين يقدمهما العامل ، وهما المجهود الذهنى والمجهود العضلى . ..

والآلة بعد كل هذا ذات حدين ؛ فاستخدامها فى البلاد التى يقل فيها العمال يأتى بأحسن النتائج ، أما البلاد التى تكثر فيها الأيدى العاملة كاليابان ومصر مثلا ، فإن الآلة تزدحم مع هذه الأيدي ، ولا نستطيع أن تتفق معها إلا إذا كان البلد متقدماً راقياً له استعداد كبير لنهضة اقتصادية وطفرة عملية جريئة . .

فمشكلة الرأسمالية الكبرى هى التى نشأت من استخدام الآلات فى الإنتاج ، فأدت إلى زيادة الأرباح فى جانب أصحاب الأعمال ، فحدا ذلك بهم إلى الانفصال الاجتماعى عن العمال الذين أضحوا فى نظرهم شيئاً لا يستحق ذلك الاهتمام الذى كانوا يضفونه عليه فيما مضى ، ومن ثم ظلت أجور العمال بالرغم من ارتفاع مستوى الحياة لا تفى بحاجة العمال . أى لا تكفى لتهيئة مستوى معيشة مرتفع يتفق مع التقدم والنهوض الحديث ويتفق مع ما ينبغى أن يصل إليه العامل من سمو من الناحية الثقافية والخلقية والاجتماعية ليستطيع أن يخلق مجتمعاً ناهضاً يساير الحضارة الدولية ؛ إذ أن العمال اكثرية فى المجتمع ، ومستواهم يؤثر كثيراً فى مستوى البلد الذى يمثلونه ويعيشون فيه . .

هنا شعر العمال بالضغينة تجاه هذه الطبقة الجديدة المتضخمة التى اقترن اسم المجتمع الذى يعيشون فيه باسمها فيدعى بالمجتمع الرأسمالى ، ورأوا أن الزيادة فى الأجور التى يتظاهر أصحاب رءوس الأموال باعطائها لهم لا تتناسب بحال مع ما يعود عليهم هم من ربح واغتناء وترتب على هذه الضغينة بين هاتين الطبقتين أن قام الخلاف وكثرت المنازعات بينهما ، أى أنه قد حدث عكس ما كان يحدث فى أثناء المرحلة الأولى للعهد الصناعى ، تلك المرحلة التى لم يكن

فيها ثمة فرق بين صاحب العمل وبين العامل الذى يعمل معه ... قامت فى المجتمع الرأسمالى - كما تبين - مشكلات وقضايا اقتصادية واجتماعية هامة ، ولكى تحكم عرضها ، تلخص أطرافها فى ثلاثة أطراف ، نتعرض لكل واحد منها . . وهذه الأطراف كما نرى هى : طرف العمال ، وطرف أصحاب رءوس الأموال ، ثم طرف الحكومة ..

طرف العمال عبارة عن موقف العمال من الظرفين السابقين : طرف أصحاب الأعمال وطرف الحكومة ، فموقفهم من طرف أصحاب الأعمال يتلخص فى أنهم قد رأوا أن تذمرهم على هذه الشاكلة كل منهم على حدة ، وأن بعد كل منهم عن الآخر وعدم تعاونهم وتكاتفهم للدفاع عن مصالحهم والوقوف في وجه ذلك الطرف الذى يناوثهم ويواجههم ويقف أمامهم وقفة العدو المتخفز ، شئ لا ينفع ولا يجدى ، ولا يحقق لهم هدفاً ولا يصل بهم إلى غاية ؛ فقد مضت الأيام وكل عامل فى واد بالنسبة إلى العمال الآخرين . كل منهم ليس له هم إلا أن يقوم لعمله فى الصباح المبكر ، ويعود إلي بيته فى المساء ، ولكنه فى ذهابه وعودته لا تصاحبه إلا زفرات الألم وانفاس الضيق ، فقلبه تتجاوبه نزعة شأفة وبغض لأولئك الذين انتفخت أوداجهم على حسابه ، وهو هو ما تم فى بؤس وكرب ، وتتنازعه روح من الضيق لما يعانيه من فقر وانخفاض فى مستوى المعيشة ؛ فرأى العمال أن الواجب يقتضى منهم توحيد صفوفهم وتنظيم جهودهم لمواجهة الطبقة المتحكمة فى أجورهم ومستوى معيشتهم : طبقة أصحاب رءوس الأموال .

وكانت نتيجة هذا المنحى أن أخذ العمال فى تأليف " النقابات " أو الجمعيات والنوادى الخاصة بهم ، فالنقابة إذاً هى التنظيم العملى لرغبة العمال فى مواجهة أصحاب الأعمال لأخذ الحق منهم والوصول بمستواهم إلى درجة تليق بهم وبدورهم الذى يقومون به فى الاقتصاد السياسى فى الدولة .

ويمكن أن يقال إن " نظام الطوائف " الذى عرف منذ عهد ليس ببعيد فى جو العمال يعتبر النواة الأولى للنقابات . فقد كانت كل فئة من الصناع خاصة بصناعة معينة ، تنشئ فيما بينها طائفة ؛ فالخبازون لهم طائفة تدعى " طائفة الخبازين " والحدادون لهم طائفة تدعى " طائفة الحدادين " وهلم جرا ؛ وكان لكل طائفة رئيس يدعى بأسماء معينة فى كل حرفة ، وكان على من يرغب الاحتراف بإحدى الحرف المعروفة أن

يتقدم إلى رئيس طائفة هذه الحرفة ، وهذا يقوم بفحصه وامتحانه فإن وجده صالحاً لحرفته عينه " صبياً " صغيراً يلحق بأحد مصانع أو معامل الحرفة ، ثم يتدرج فى مراتب الترقى حتى يصير بعد ذلك " أسطى " أو " معلماً " ولم يكن الراغب فى العمل يستطيع أن يصل إلى هذه المراتب دفعة واحدة ؛ لأن ذلك لا يتفق مع مقتضيات الحرفة ولا يتوافق مع عدالة المحترفين " فالأقدمية " إذاً كان لها باع طويل فى حياة المحترفين بالحرف الصناعية ، ويمكن أن يقال إن " الطائفة " كان لها نفوذها ، وكانت لها أهميتها فى الدفاع عن العمال المنضوين تحتها ، وكان كل عامل يعمل جهده للولاء لطائفته والتفانى فى سبيلها وسبيل " أصولها " مهما كلفه ذلك ؛ والباحث المتتبع للحياة الاجتماعية التى نشأت فيها هذه " الطوائف الحرفية " يرى ذلك بوضوح فسكنا مثلاً نرى أن الصانع إذا أقام عرساً أو مأتماً ، فمدعووه أو معزوه كلهم من أبناء الطائفة التى ينتمى إليها ، فهم يشاركونه فى أفراحه وأتراحه وكنا نرى فى المحافل الكبرى كالموالد مثلاً ، أن الاعتبارات الطائفية للصناع كان لها حسابها الخاص فكل طائفة لها تمثيلها فى كل محفل ، وذلك بتسيير عربة من العربات الخشبية المعروفة ، تحمل بعض أعضاء الطائفة يهللون لطائفتهم بعبارات بلدية تثير من حولهم كل انتباه ، والفوز للطائفة التى تكثر التهليل وتكثر الدفاع عن شرف صناعتها وأصالة أبنائها ، حتى إن كثيراً من المشاجرات كانت تقوم بين الطوائف فى مثل هذه المحافل بشأن رغبة كل منها فى الاستعلاء والسبق على الأخرى ، وفى توطيد دعائمها فى المجتمع البلدى فى الأحياء العامة ، ويلاحظ أنه فى هذه المعركات الطائفية البلدية كانت الأسلحة المستعملة فيها هى نفس " الآلات " التى كان يستعملها أبناء كل طائفة فى عملهم .

ولكنه بالرغم من ذلك لم تكن " الطائفة " نقابة بالمعنى الذى نفهمه اليوم تماماً . ونستطيع أن نوجز الفروق بين النقابة والطائفة فى أمور ، منها :

أولاً - أن الطائفة كانت تنظمها أولياً لمحترفى الصناعات والأعمال اليدوية ؛ وذلك لأن الصناعات والحرف التى كانت تقوم من أجلها كانت أولية أيضاً ، أما النقابة فظروفها أكبر إشكالا من ظروف الطائفة .

ثانياً - أن الطائفة كانت تواجه الطوائف الحرفية الأخرى ، وتحاول أن توطد دعائمها فى المجتمع عن طريق القوة والأصول البلدية ، فى حين أن النقابة اليوم تواجه طرفين هما طرفا أصحاب الأعمال وطرف الحكومة .

ثالثاً - أن الحرف التى كانت لها طوائف لم تكن قائمة على أساس الآلات ، بل كانت الآلات بالنسبة لها شيئاً تافهاً إلى جانب العمال الذين كانوا هم أعضاءها والقائمين عليها ، فلم ينشأ صراع بين طبقة العمال وبين المحترفين الكبار بالأقدمية كالأسطوات والمعلمين ؛ وذلك لعدم وجود أصحاب رءوس أموال ، لعدم وجود آلات تعتبر رءوس أموال ، ومحترفو الصناعات الكبار لم يكونوا يمثلون طبقة أصحاب رءوس  الأموال ؛ لأنهم لم يكونوا يزيدون على أن يكونوا صناعاً محترفين يستطيع أن يصل إلى مركزهم كل عامل مجد يتخطى درجات السلم بصبر وجلد ، فأهم الأغراض التى تقوم على أساسها " النقابة اليوم لم تكن نفس الأغراض التى قامت من أجلها الطائفة فيما مضى .

رابعاً - أن النقابة تضيف اليوم إلى أغراضها السياسية والاقتصادية أغراضاً اجتماعية يقصد بها تحقيق مستوى افضل من الثقافة والخلق والصحة للعمال الداخلين فى نطاقها ، ولم تكن ظروف الطائفة تساعدها على تحقيق مثل هذه الأغراض الكثيرة فى السياسة والاقتصاد والاجتماع .

ولقد استعمل العمال فى النظام الرأسمالى سلاحين : أحدهما " الإضراب " وذلك فى مواجهة أصحاب رءوس الأموال ، وثانيهما " المظاهرة " وقد كان ذلك يخص " الحكومة " باعتبارها قائمة على الأمن والنظام فى المجتمع ، ويقابل سلاح العمال بالنسبة لأرباب الأعمال سلاح " الإغلاق " فى يد هؤلاء الأخيرين . أما الحكومة فسلاحها فى مواجهة العمال هو " القمع " حيناً والتشتيت حيناً آخر ..

أما الطرف الثانى طرف أرباب الأعمال ورءوس الأموال فإذا كان العمل الذى يقوم به أعضاء نقابة العمال عملاً يستطاع فيه الاستغناء عن العمال واستخدام الآلات بدلاً عنهم . كان ذلك داعياً لفشل العمال وإخفاق سلاحهم ؛ لأنه فى هذه الحالة سيستغنى أرباب العمل عن كثير من العمال ويقدمون على استخدام الآلات ؛ إذ أن ذلك فى حسابهم أفضل لهم وأريح من الرضوخ لمطالب العمال برفع الأجور .

أما إذا كان العمل الذى يقوم به العمال عملاً هاماً نطفى أهميته على أهمية الآلات ؛ أو كانت السلعة التى ينتجونها تلاقى قبولاً حسناً ورواجاً كبيراً فى الأسواق مما يحقق لصاحب العمل ربحاً وفيراً ، فإنه يقبل مطالب العمال ونقاباتهم ويرفع الأجور ، وكذلك يفعل إذا كان محتكراً ، وأراد أن يسد دونه باب النقد لما يسببه احتكاره من امتصاص لدماء الاقتصاد الاجتماعى واحتلال للأسواق الاقتصادية فى المجتمع ، ويحدث ذلك على وجه الخصوص إذا وجدت نقابة أرباب العمال أن الزيادة فى الأجور التى يطالب بها العمال زيادة بسيطة معتدلة يستطيعون أداءها دون أن يتحملوا فى ذلك خسارة ملحوظة أو عبثا ًكبيراً ، وكذلك يقبل أرباب الأعمال رفع الأجور وفق مطالبة العمال ، إذا كان فى مقدورهم نقل زيادة الأجور المطلوبة على المستهلكين للسلعة . وذلك بأن يرفعوا ثمنها فى الأسواق ؛ إذا كانت سلعا هامة مطلوبة من أكثرية الجماهير ؛ ولكن يلاحظ أن العمال وهم مستهلكون بل يكادون يكونون أكثرية المستهلكين - هم أنفسهم سيتأثرون برفع أثمان السلعة الضرورية لهم ، ومن الناحية السياسية بقبل أصحاب رءوس الأموال مطالب العمال رغبة فى الحصول على أصواتهم - وهى كثيرة - فى الانتخابات . ..

ولا تلجأ نقابة أرباب الأعمال إلى سلاح " الإغلاق " فى وجه العمال إلا إذا رأت أن الامتناع عن الإنتاج أفضل لها من رفع الأجور الذى يكبدها خسائر فادحة ، خصوصاً إذا كانت السلعة التى تنتجها لا تمر فى دور رخاء وكسب ، وأحياناً يكون السبب فى هذا " الإغلاق " إرغام العمال على الرضوخ لعرض أرباب الأعمال والرجوع إلى عملهم من جديد حسب الأجور المعتادة .

ويلاحظ أن قيام " النقابة " كان له أثر محمود فى الوصول إلى التفاهم دائما بين طبقتى العمال وأرباب الأعمال وفى تقليل الخلافات بينهم ، كما أدى قيامها إلى محاولة رفع مستوى العمال الثقافى والصحى والخلقى بما تعمله النقابة لتحقيق ذلك بواسطة أمور متعددة ، كما أن من واجباتها المطالبة بتقليل ساعات العمل والعمل على موافقة شروطه لمطالب العمال . وتختلف " النقابات " فى ظل الرأسمالية عنها فى ظل الفاشية ؛ فهى فى الأولى اتحاد الغرض منه تحقيق التوافق

بين مصالح الفريقين فى ظل نظام الحرية الاقتصادية ، وهى فى الثانية تنظيم سياسى تقوم على أساسه الحكومة الفاشية ، فالنقابية فى الفاشية أساس اقتصادى وتنظيم سياسى ، وفى الرأسمالية علاج اجتماعى وطريقة فنية تلائم أحكام الحياة الاقتصادية فى المجتمع الرأسمالى .

أما الطرف الثالث وهو طرف الحكومة ، فنوجز اعتباراته فيما يلى :

أولا - تستطيع الحكومة أو السلطة العامة أن تحدد حداً أدنى لأجور العمال فى صناعة رأت أن أجورها مبالغ فى انخفاضها ، حفظاً لكرامة العمال ومساعدة لهم إذا لم يكن لهم نقابة أو لم يستطيعوا إنشاء واحدة لهم تدافع عن مصالحهم ، ويطول بنا الحديث لو حاولنا بيان مزايا هذا التحديد أو الاعتراضات عليه .

ثانياً - لما رأت الحكومة ذلك الصراع القائم بين طبقتى العمال وأرباب الأعمال ، وما ترتب عليه من تهديد للأمن وفقدان للمصالح العامة ، تدخلت فى علاقات العمل ، فكان من نتيجة ذلك أن أصدرت قوانين تستطيع بها أن تنظم هذه العلاقات ، وهذا ما يعرف باسم " تشريع العمل " فأصدرت قوانين للنقابات ولعقد العمل الفردى ولتحديد ساعات العمل ولمنع النسوة والصغار من القيام ببعض الأعمال .

ثالثاً - رأى العمال فى جو الرأسمالية أن طبقة أصحاب رءوس الأموال هى الطبقة الحاكمة فى المجتمع ، وأنها تسعى لتوطيد دعائمها وتقوية شأنها والإثراء الفاحش على انقاضهم ، فعملوا من جانبهم على الوصول إلى الحكم وإقامة حكومات من أحزاب العمال لتحقق لهم حياة سعيدة ولوطنهم رقياً صناعياً وعدالة اجتماعية ، نظرا لأن العمال أغلبية فى المجتمع ؛ وقد أدى ذلك بهم إلى إشعال ثار الثورات وإلى العمل على خذل طبقة أرباب الأعمال فى الانتخابات ، وانتخاب أعضاء أحزاب العمال ، والعمال هم الأكثرية ، مما أدى بالتالى إلى توصل العمال إلى تسلم مقاليد الحكم فى كثير من البلاد ؛ فمن البلاد الرأسمالية التى تقلد فيها العمال مقاليد الحكم بريطانيا ، أما تقلد العمال مقاليد الحكم فى ألمانيا وإيطاليا وسواها من الدول الديكتاتورية ، فقد كان على أساس غير أساس النظام الديموقراطى الذى يسود مجتمعات الرأسمالية ،

اشترك في نشرتنا البريدية