بالبلاد التى كانوا يدعونها بلاد الشمس رغم ما كان يتهاطل عليها من امطار طيلة اسابيع كاملة كان يعيش رجل اسمه " انتينور " (Antenor) ولم يكن انتينور هذا اميرا ولا نائبا ولا صحافيا ولم يكن له اي خطر في المجتمع .
وكانت بلاد الشمس كما تكون غالبا جميع البلدان الخرافية اقربها من المألوف واقلها إثارة للعجب آراء واخلاقا فكان السكان كلهم ينصبون على العاصمة التى كانت بها الميادين والازقة والحدائق والشوارع ويستاثرون دون اهلها بالامتيازات
وجميع امكانات العيش بحيث اصبح اهلها يشتغلون بالتسول او التطفل اللذين لا يجدون فيهما مزاحمة وان كان هذا القول لا يصح الا بمقدار فيما يخص التطفل وكانت أبنية قلب العاصمة لا تتجاوز بعض الطوابق ولكنها تضمن إثراء اصحابها كما كانت فى الضواحي لا تشمل غير طابق ارضي ولا يمنعها ذلك من اغناء اصحابها ايضا وكانت بالعاصمة آلاف السيارات تندفع فى شوارعها اندفاعا جنونيا فتردي الناس لمجرد اللهو والعبث كما كانت بها حانات ليلية متعبة وجرائد وارتال واحزاب قومية . . .
كانت خالية من محافظين .. وكان بها مجمع للتجار وحكومة ومكيف للذوق وسآمة شاملة وبالاختصار كان بها كل ما تتمناه مدينة خيالية لتشبه مدينة امريكية عظيمة المظهر والادعاء وكان سكانها لا ينتسبون الى الذكاء فحسب بل ايضا الى ذوق سليم لا حد له .. ذوق سليم اجل ... وإذ لو لم تكن عاصمة بلاد الشمس لكانت عاصمة الذوق السليم لذلك خاصة كان انتينور - على عدم خطره - شذوذا نكرا
كانت امه المحترمة قد تبينت فيه منذ نعومة اظفاره عيبا فظيعا هو انه لا يقول سوى الحق لا ما يراه هو الحق بل الحق فذعرت تلك المرأة الكريمة وفكرت فى اتخاذ الوسائل اللائقة لكنها لم توفق فكان انتينور مخالفا لغيره في تناوله
الطعام وارتدائه اللباس ومشيته والتعابير التي يخاطب بها غيره وما دام يرتدي السراويل القصيرة كان اصحاب الاسرة يعتبرونه طفلا مزعجا لكنه لما شب صار حقا محل ذعر فمن ذلك انه كان يفكر تفكيرا حرا لحسابه الخاص فكانت الاسرة تراه بكبر كالثورة نفسها وكان معلموه يستشيطون غيظا عندما يرونه يتعلم عكس ما يلقنونه وكان اصحابه يكرهونه وكان المارة يتسمون اذا ما رأوه بالشارع .
ولم تكتشف أم انتينور - لئلا تكون مضطرة الى إطراد ابنها - لم تكتشف سوى عذر واحد هو ان كل ما يصدر عن انتينور لا يصدر ابدا عن خبث بل بالعكس كان طيب نفس انتينور - يا للفضيحة - لا يفهم ولكن هذه النظرة لم تكن تنظر بها اليه سوى امة اذ عندما عزم على إيجاد العمل للمتسولين واخذ يطارد أولائك المتطفلين في الطريق هاويا عليهم بعصا تبين للناس انتينور ان هو الا مجنون أجن ولم يتبين ذلك ضحايا طيبة نفسه فقط بل تبينه ايضا وكلاء الشرطة ذوو الذكاء النير مما جعله لا يجد بدا من تبرير بره .
ومن اجل اقناع انتينور بان عليه ان يسلك المسلك الشرعي الذي يسلكه كل شاب " شمسي " اعني ان يتحصل على الاجازة ثم يصير متوظفا وطنيا تاركا العمل لرعاع الاجانب من اجل ذلك اجتمعت مصالح الاسرة باسم التقاليد ونظمت اجتماعات عديدة كالاجتماعات التى تنظم فى الديمقراطية الامريكية الموهومة الاثبات ان المفتاح يفتح الباب وان الموسى مجعولة لقطع ما لنا لفائدتنا وما لغيرنا لفائدتنا ايضا لكن انتينور فر من البدهيات .
ويصبح عمه قائلا له إسمع ان الاجازة بدء كل شيء . ان كنت لا تريد ان تدرس فما عليك . لكن تحصل على الاجازة فان فعلت فكل شيء في متناول يدك وان اقتربت من سياسي عظيم وكنت تحسن التملق تحقق الصعود فنائب ثم وزير فيقول انتينور ولكني لا ارغب في الوزارة فيقول له تريد اذن ان تكون متشردا فيقول اريد ان اعمل فيقول الامر سواء لان المتشرد شخص تنقصه ثلاثة المال والجاه والمكانة ولما كنت لا تملك منها واحدا فانت متشرد ولو تعاطيت عملا ، فيقول ليس هذا رأيي فيقول هذا شر من ذلك فانت شاب خلو من الذوق السليم فأنت فوضوي ثم الا علمت ان العمل فى سبيل الغير مجرد وهم انك لمجنون تماما .
غير ان انتينور تعاطى العمل وتحمل في سبيل بلوغ غايته عظيم المشاق ولنا ان نقول ان الطريق في حياته هو انه كان يتعاطى العمل للعمل ولبى انتينور طلب
امه المحترمة فانتقل برأسه " الفاسد " فى دور تجارية عديدة وفى معامل صناعية كثيرة لكنه ما يكاد يقضى شهرا او شهرين حتى يلفظ منها لفظا .
فلم كان يلفظ انتينور وهو الذي لم يكن ملحا في الطلب وكانت طباعه كالماء صفوا وكان جادا في عمله مخلصا صادقا خصب الاراء وكان منشرح الصدر ايضا ذلك الانشراح النادر جدا في بلاد يجعل فيه الحر والجعة والحسد فيالق من الحزانى السوداويين لكن الرفقاء والمجيرين - وقد بلغهم سابق تحذير - وان كانوا بتحاشون اول الامر ابداء اي عداوة له كانوا بعد ذلك بقليل لا يتحملونه واذا لم يعد رفيق يتحمل رفيقا آخر دس له وادا لم يعد مؤاجر يتحمل اجيرا له اطرده . تلك عادة بلاد الشمس وفيما يخص انتينور يفقد كان الرفقاء والمؤاجرون يتحاملون عليه تحاملا زيادة عن طرده ولم ذلك ؟ لكن يعسر على المرء ان يعرف السبب الحق الذى يجعل رجلا لا يتحمل رجلا آخر .
وقد علل ذلك مرة أحد رفقائه السابقين قائلا هو مجنون مدمن على العمل دائما اكثر من سواه فيكون الخلل في سير العمل فينتهي به الامر ان يصبح لا يطاق وهو رفيق سوء ويظهر بمظاهر ..
وقال صاحب آخر معمل لفظ منه انتينور لامه ان حمق ابنك الخطير هو انه يريد تطبق الافكار التي يراها ملائمة فقالت يا سيدى براكسيديس (Praxedes) هل نالكم منه أذى قال لا فهو لا يقدر على ذلك ولكن موقفه ينال من الذوق السليم وعلى كل - وان كان ابنك فى قوة النسر - فانا الذي ادير شؤون منزلي .
والتجارة في بلاد الشمس عصبة متلاحمة ( ١ ) لذلك سرعان ما اصبح انتينور عاجزا عن الظفر باي عمل من اجل ما اشتهر به من الخطورة وعدم الانقياد وحب الفوضى وضيق صدر الغير به وكان " الاعراف " الذين غنموا منه اوسع غنم بفضل آرائه هم الذين يطعنون فيه ألذع طعن وكان رفقاؤه الذين استغلوه أفظع استغلال هم الذين يكنون له اشد البغض .
كان انتينور يؤمن بان الشغل بدون قاعدة او قياس خطأ من الوجهة الاقتصادية فكان كلما وقع في هذا الخطأ آلمته التجربة وادرك انهيار صرح الحقيقة في الحياة الاجتماعية ولم يكن يقدر على تحمل ذلك فكان يتعذر ان يطول امد الصداقة بينه وبين اصحابه لانهم يكونون اصدقاء له ما داموا لم يستغلوه .
وكان انتينور يبتسم من ذلك وكان سليما يعتبر المصائب التافهة تسلية وكان على يقين من ان اسباب النجاح كانت ملك يمينه فيشاهد شتى انواع الخطإ والرثاء والغرور ويتحدث بما يراه وكان يهم بالمعروف ولا يكتم ذلك فكيف يطاق مثل هذا الشقي .
ولقد حاول انتينور كل شيء بسذاجة فى مسقط راسه فكانت امه الحرية بالاحترام لا تزال تعذره قائلة انه مجنون لكنه طيب السريرة غير ان اقاربه كانوا يمتنعون من التسليم عليه وكان هو قد اشتغل بالتجارة والصناعة والتعليم وتعاطى العمل فى زمرة المعوزين وكان قد درس الجغرافية فى مدرسة ثانوية اطرده منها المدير وكان قد اشتغل فى معمل نسيج اضطره إلى مبارحته العملة " والاعراف " وتقلب فى العمل من مصحح جريدة الى سائق عربة رتل وكان فى جميع اعماله تلك قد رأى نطاق الطبقات الضيق ورد الفعل المعادي الذي يواجهه به سائر الناس والحقد الذي يحملهم على لفظه لانه يفكر في غير ما يفكر فيه غيره ويحس غير ما يحسون ويقول غير ما يقولون فقال ولكني يارب طيب السريرة صادق النية ذكي عاجز عن الاساءة الى غيري فقالت له امه : انه بني لراسك المختل قال دعك من هذا الظن يا اماه قالت ان راسك مختل التوازن فقال من يدري ... وان انتينور لمقبل على التفكير فى ان راسه مختل التوازن حقا اذ تيمت قلبه فتاة تدعى مارية انتونيا وهي بنت غسالة امه الجديدة وكان انتينور يرى من العدل الكامل ان يتزوج بمارية انتونيا بينما كان جميع الناس يرون فى ذلك دليلا آخر على اختلال انتينور الدماغي وقد فوجئوا بما اشترطته مارية في جوابها اذ قالت لانتينور لا اتزوج الا ان تسترد سلامة عقلك قال وما تعنين بسلامة العقل قالت ان تكون كغيرك من الناس فقال انك اذن تحبينني قالت لذلك بالضبط انا لا اريد ان اتزوج الا بعد ان تسترد سلامة عقلك وبما ان الحب يسوق المرء الى اعظم الحماقات فقد اقتنع انتينور بضرورة التفكير في اصلاح راسه المختل لكن كيف يصبح ذا عقل سليم وكيف يعدل راسه .
وكان على تلك الحال يسير فى شارع من شوارع قلب المدينة اذ لمحت عيناه لافتة محل " ساعات وآلات اخرى ذات رقة ودقة " فرأى فى ذلك مدعاة للتلهي ودخل المحل فتقدم نحوه رجل ذو وقار منقطعا لخدمته قائلا هل اتيت بساعة قال
انتينور قد اتيت براسي قال آه أهو مختل قال على كل يقولون ذلك قال وهل كان ذلك منذ زمن طويل قال منذ ولدت قال قد يكون ذلك ناتجا عن خطأ فى التجهيز ( montage ) لكن لا يمكنني ان أبدي رايا قبل ان أضعه تحت التامل ثلاثين يوما وافككه تفكيكا كاملا فالرؤوس كالساعات يشترط لاستقامة سرها ان .. فقاطعه انتينور بقوله اتريد ابقاء راسي عندك قال إن تركته قال هاكه اذن واصلحه لكن يضايقني الا يمكنني الخروج بدون راس قال هذا صحيح لكن يمكنني ان اعيرك راسا من الورق المقوى مدة اصلاح راسك قال هل هو صالح للاستعمال فقال التاجر ذو النية الصادقة انه راس من الورق المقوى فتسلم انتينور عدد رأسه الرتبي ووضع راس الورق المقوى وخرج فما كاد يمضي شهران حتى كان لانتينور حشد من الاصدقاء واصبح يقامر وزير الفلاحة ويحصل على ثروة صغيرة من بيع اللوبياء الفاسدة للجيوش الحليفة وكانت امه المحترمة تراه يكذب ويسيء ويغالط ويظهر للناس بغير ما كان وعلى ذلك كان اهلة يقدرنه ورفقاؤه يستلذون ذكر العهد الذي كان انتينور فيه مجنونا ولم يكن انتينور يفكر بل كان يسلك كما يسلك غيره لا من الناس فكان يقصد الربح وكان يستغل ويتملق ويزور وكانت مارية تهتز طربا عندما كانت تراه على هذا القدر من التعقل لكن موجب المنطق كان يجعل انتينور يحتقرها ويعرض عليها علاقة سرية تجنبه زواجا غير مناسب وكانت شهرته تتسع في الاوساط الشغيلة وقد اصبح محبوبا من " الاعراف " البورجوازيين والمعوزين فانتخبه الجميع نائبا وخاصة رئيس الجمهورية الذى بادر انتينور بالتعرض له لان الانتخابات المقبلة ستقيم مقامه رئيسا غيره فكان ارتقاء انتينور لا يماثله سوى ارتفاع المناطق فنسي الماضي واحب بلاده وكان هو مثالا للسعادة وسره محلا للاعجاب .
وانقضت سنون والحال تلك واحتار جميع الزعماء السياسين لبلاد الشمس في اختيار الشيخ الجديد الذي يمكن ان يتجسم فيه الاعتدال والذوق السليم فكان اسم انتينور ألمع الاسماء وأقر بها من الفوز .
وكان انتينور يتحول يوما من الايام في سيارة في شوارع قلب المدينة ليسبر الرأي العام إذ وقع نظره على لافتة الساعاتي فتذكر فقال يا إلهي لقد أنسيت ان رأسي هنا منذ زمن بعيد فما يكون الساعاتي قد تبين فيه وقد يكون باعه في الاقاليم ولا يمكنني على كل حال ان ابقى طيلة حياتي حاملا رأسا من الورق المقوى
ونزل من السيارة فدخل الدكان فوجد نفس التاجر الذي انقطع لخدمته فى الفرصة الماضية فقال له تركت رأسي هنا منذ زمن فقاطعه التاجر قائلا لا فائدة فى ان تقول اكثر من هذا القول فانى منتظرك بمزيد القلق ومتعجب شديد التعجب من غيابك إذ اني فككت رأسك فقال الله فقال هل طابت نفسك برأس الورق المقوى قال بعض الشيء قال إن رؤوس الورق المقوى ليست رديئة الى هذا الحد وبما انها تصنع صنعا تجاريا فانها رائجة السوق قال لكن رأسي ... قال ها انا حاملة اليك وذهب الى الركن الحلفي ثم أتاه بعلبة يحملها بفائق الاعتناء وقال ها هو فقال انتينور هل اصلحته قال لا قال هو إذن فاسد الى هذا الحد فتراجع التاجر قائلا إني اجد يا سيدي مدة حياتي الصناعية الطويلة جهازا مثل هذا الجهاز كمالا وإحكاما ودقة وليس فى العالم رأس واحد يدور دورانا احكم من دوران رأسك فهو الصفحة الدقيقة الضبط للزمان والافكار وهو الاعتدال لجميع الاهتزازات فرأسك يا سيدى ليس كأي رأس كان فان لك رأسا جديرا بالمعارض ... رأسا عبقريا لا يقبل المقارنة .
وهم انتينور بارجاع رأس الورق المقوى غير انه تراجع قائلا ارجوك لفه قال التاجر أو لا تضعه موضعه قال لا قال انك لعلى حق فمن يملك رأسا كهذا الرأس يحسن به ألا يضعه دائما لانه يلفت الانظار لفتا مفرطا لكن انتينور كان حذورا ومقدرا للانسجام الاجتماعي فقال هل من ضير فى ابقائه بالمنزل ولو كان متعطلا غير مهيإ للدوران وموضوعا فى قبة من البلور قال دعك من هذا فسيكون لك دائما أحسن رأس قال فى غير تأثر من المحتمل ان تكون على حق من الناحية الصناعية لكن الرأى عندي ان الحقيقة ملك الآخرين الذين اعتبروه دائما مختل التوازن فاسد الدوران واردف قائلا الرؤوس والساعات يريدها المرء مناسبة لمناخ البلاد واخلاقها فاحتفظ به إذن ولاحتفظ انا برأس الورق المقوى .
وهكذا كان في بلاد الشمس فتى اسمة انتينور لم يحصل على شيء حينما كان يملك أعجب رأس وجد فى العالم ثم اصبح بفضل رأس من الورق المقوى من اشهر عناصر البلاد وبلغ اروع الحظوظ .

