الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 348الرجوع إلى "الثقافة"

الرأى العام، بقلم : الدكتور ج. ليبولز

Share

بقية المنشور في العدد الماضي

وقد وجد هذا التطور تعبيره البارز في الدول الدكتاتورية ، فالقانون هنا اعتاد السير مع " السرية " . ولكن النقطة هي أن نهاية حرية المبادئ والآراء القياسية ستتجه إلى نفس الخاتمة .

وقد اعتادت الحكومات والأحزاب في جميع البلاد ، أن تبرر أعمالها السياسية بزج الثروة العامة والمصالح العامة زاعمة الدفاع عنهما . ولكن الحقيقة أن فكرة توجيه السياسة نحو الخير العام - ومثال علي ذلك تلك السياسة المحتفظ بها في التعاليم الكاثوليكية - لم يعد لها مقامها في النظام السياسي للديمقراطية الحديثة . وهذا ليس بمستغرب لو تذكرنا أن الفكرة العملية للخير العام لا يمكن تحديدها بتفصيل أكثر ، إذا كانت قيمها الأساسية - كالعقل والعدل والأخلاق - هي موضوع البحث ، وإذا حدث ذلك ففكرة الخير العام يجب أن تفقد وتساهم في نتائج الانحلال والفساد . والواقع أنه لم يعد في الإمكان التكلم عن خير عام واحد ومصلحة عامة ، ولكن التكلم فقط عن الأحزاب والجماعات التي يتخذ كل منها آراء مختلفة فيما يتطلبه الخير العام في قضية عملية ، فالمؤيد لحزب العمال مثلا ، يري هذا الخير العام من وجهة تختلف عن تلك التي يراها المؤيد لحزب العمال والمحافظين . فلكل منهم رأيه الخاص فيما يتطلبه صالح الأمة العام ، ولهم كذلك نظرياتهم الخاصة التي يستهدفون بواسطتها خدمة هذا الصالح .

ونعترف بأن ادعاء كهذا لا يمكن ان يبني على أساس شئ ، لأن الجماعات السياسية المختلفة في المجتمع ، والتي

تمثل جوهر الفكرة العامة للخير العام . يمكن أن تنجز أعمالها بصورة فعالة . ولكن الحقيقة الواقعة هي أنه إذا كانت فكرة الخير العام قد اضطهدت مرة ، فلم يعد بالامكان اليوم الوقوف بوجه الافكار الدكتاتورية وإثارة معارضة أساسية لمثلها ، وفي هذه الحالة لم يعد هناك مستوي عام حقيقى للحكم على التغييرات المختلفة لفكرة الرأي العام حسب قيمته الحقيقية الأصلية . ومن هذه النقطة الضمنية تتمكن نظرية الآراء الحرة الحديثة والشيوعية والفاشية والإشتراكية والاشتراكية الوطنية ، من تغيير فكرة الخير العام والصالح العام حسب أسلوبها الخاص ومزجهما في مصالح الأمة العامة .

إن هذا التطور العام يساعدنا على تقدير الآراء العميقة الواقفة وراء الدكتاتورية الحديثة بصورة أوفي وإذا كان تحليلنا صحيحا فليس هناك مناص من القول بأن نشأة الدكتاتورية والفاشية تعود بسببها للقوي العقلية المعادية للتقاليد الحرة . ولكن يمكن للواحد منا أن يستنتج ايضا ان المباديء الحرة لا يمكنها ان تتبرأ من مسؤولية خلق الموقف الحاضر ، ولا من مساهمتها في نشوء الدكتاتورية بشكلها العام . فبدون انحطاط الإيمان بالقوي الخائفة لتفهم الحرية لم يك في استطاعة كل من الاشتراكية الوطنية في ألمانية والفاشية في إيطاليا ، إثارة حرب مدمرة ضد العالم الغربي ، أو ان توجد لمبادئها انصارا في نصف الكرة الغربي .

وإذا رجعنا إلى مهمة الرأي العام في الدول الديمقراطية لو وجب الاعتراف بأنه قد قاسى تغيرا في أسسه نتيجة للتطور الأخير ، ويلاحظ ذلك عند محاولتنا تصور مجمل التركيب الكامل له . وهذا التبدل ستراه طبيعيا تماما ، لو تذكرنا ان الرأي العام لا يمكنه ان يقف وحده ، ومن الواجب عليه ان يساهم في مصير قيمه الضمنية . وعليه فاذا ما فقد الرأي العام أسسه الروحية ، فلن يعود في مقدوره تنفيذ

مهمته الحقيقية وتحقيق نظام العقل والحقيقة والعدالة والآداب في الهيئة الاجتماعية .

وفي الواقع لقد ابتعد الرأي العام في دول الأحزاب الديمقراطية ، عن أن يكون التعبير الصادق في المجتمع الحر . ويظهر ذلك من ملاحظة ان المبادئ الحرة في هذا البلد قد احتفظت بقوتها أكثر من أي بلد آخر ، ولكن رغم ذلك تري كيف أخذ الرأي العام تحت الضغط الآلي والسيطرة الجماعية ، يميل ليمسى أكثر فأكثر نوعا غير منتظم الشكل وخاضع لتيارات الافكار الكتلية . وبهذا غدا الرأي العام الجماعي ، الذي فقد القوة المعبرة وكفاءة الرأي العام ، تحت تصرف أولئك الذين يديرون المجتمع .

ويتضح إلى أي مدى يمكن تضليل الرأي العام ، عند فحصنا الأسس العامة للدكتاتورية الحديثة . ففي الكتل الديمقراطية الحديثة غدت الميول والمسؤوليات الموروثة حقائق واقعية مادية ، ونتج عن هذا فقد الرأي العام في شكله التقليدى الحر أسسه الروحية ، فاستغلت الدكتاتورية هذه الأسس وسايرتها مع فلسفتها الخاصة في الحياة . ويتطبيق الدكتاتورية اساليب جديدة علمية في الدعاية والتأثير الجماعي ، قد أساءت استخدام الرأي العام كأداة صالحة في خدمة عقيدة سياسية خاصة . وقد رفض الشعب لدرجة ما تصديق ما يقدم له عن طريق الصحافة والراديو والسينما ، بعد أن غدا الرأي العام المضلل مجرد آراء منشورة إن فشل القوة المعارضة في الدكتاتورية ، يمكن البرهنة عنه بحقيقة كون القوة الموجدة لرأي عام حقيقى في هذه الحكومة ، قد قضى عليها بالسرية ولم يبق في محيط العلانية سوى هيكل العمل الفنى للرأي العام والرأي المنشور .

والآن بعد كل هذا ، هل من الممكن إعادة الوضع وإصلاح المبادئ الرئيسية للاراء الحرة ، كى يتمكن الرأي العام من القيام ، بمهماته الجوهرية ؟ لا شك أن هذا الإصلاح يتطلب درس الحركات والميول المختلفة التى تحبذ علنا أو سرا الأساليب الدكتاتورية في الأمم الدمقراطية ،

ومع هذا فليس هو بالعلاج الكافي . فإذا أردنا حقيقة أن نهيمن نهائيا على الوضع الذي ادي إلي خسارة الآراء الحرة سلطانها السابق على العقلية الغربية ، وجب أن نقف ضد تلك القوي الراغبة في انحطاط القيم الرئيسية والمشاعر الأساسية اللتين كانتا مورد الحياة الرفيعة في الدمقراطية الغربية ضمن الآراء الحرة والنقد .

ولكن كيف يمكن ذلك ؟ وكيف يمكن إعادة رأي عام صحيح ؟ في الوضع الذي تجد فيه الدمقراطية نفسها هذا ممكنا فقط - وقبل كل شئ - إذا وجد في الأفراد المعارضون والجماعات المعارضة العزم للاحتفاظ بالتقاليد الحرة . إن انتعاشا كهذا للقيم الأساسية في الحياة الإنسانية ، يمكننا أن نبصر قبل الأوان منظرا جديدا ، ويدعنا نتفهم نهاية الحياة الحقيقية . وبإعادة إنشاء الأسس والقوي الأدبية الموجدة لهذه القيم ، تصبح الحاجة إلي قيم روحية ضرورية وقد أظهرت اختبارات القرن الماضي حبوط كل محاولة لبناء سياسي جديد على أسس إنسانية محضة . وثبت بأن انبعاث الروح الحقيقي يكون عن طريق أولئك الذين يدركون أن القيم الأساسية للحياة الإنسانية تنحدر من الحرية ، ويجمعون قوتهم من موارد روحية عميقة أكثر من جمعها من مورد فلسفة مركزها الرجل أو التعاليم الدينية . وتكمن في أعمق جذور هذه الحقيقة التجارب المسيحية للموت والبعث الروحيين ، اللذين تعتمد عليهما القوة الروحية الجديدة ، وبعد النظر في القيم والطبائع الأساسية للحياة الإنسانية . وبدون هذه التجارب لا يمكن للحقيقة الروحية أن تتطور ، ومن ثم يستحيل تحويل كتل الرأي المخذولة إلي رأي عام صحيح يؤدي مهمته ثانية في مجتمع جديد صالح . إن حدوث هذا لا يتم بالوسائط الفنية أو بنشاط اللجان أو بوسائط أخري ، بل إن تقرير مصير الرأي العام نهائيا يكون عن طريق الإرادة الروحية . وإذا ما اتجهت أهداف أولئك الذين يقودون المجتمع إلي تحقيق الشهوات الكامنة المدفوع إليها بالقوة الأنانية ،

أكثر من اتجاهها روحيا ، فحينئذ لن يعود هناك عصر رأي عام متنور مطلقا

ويجب تحت هذه الظروف أن يبذل أولئك الذين يمارسون تأثيرا حاسما على الرأي العام كل ما في وسمعهم لتقوية مصلحة وعقيدة الشعب الكامنتين في القوي الأدبية للرأي العام . ولأجل هذا يجب أن يستمر اطلاع الشعب التام على جميع الحقائق المتعلقة بأمور الدولة ؛ إذ بغير معلومات صحيحة لا يمكن للعدالة والآداب والعقل والحقيقة من لعب أدوارهم في المجتمع ، وبذلك يحال بين الرأي العام وأداء مهمته ، فتكون النتيجة عدم وقوع التطور المنتظر في الدمقراطية الجديدة . ولكن الحيرة المعقدة التى فيها الحكومة - حتى في الدمقراطيات - نفسها في هذا الشأن ، هي أن القوي المثيرة التي تعمل في السياسات ترغم الحكومة أحيانا على اتخاذ خطة لا تتفق ومهمتها العلمية في اطلاع الشعب . ففي زمن الحرب كما في زمن السلم تنشأ أوضاع تحتمل الخطأ والصواب لا يمكن للحكومة بزجها مصالح الأمة العليا أن تنور الرأي العام ، الذي يكون حين ذاك غير قادر على إصدار حكم ثابت حول قضاياه الشخصية أو قضايا الحكومة . ومثال ذلك أنه في أوائل سنة ١٩٣٠ عندما استنكر الشعب ) البريطاني ( - الذي كانت له معرفة كافية - الإشتراكية الوطنية ، نري أن الرأي العام قد أثر عليه - خطأ كما نعلم اليوم - من قبل أولئك الذين حبذوا سياسة التسكين من ان يصدر حكما خاصا ثابتا .

ونستنتج من هذا أنه في أفضل دمقراطية لا يمكننا أن نمنع أولئك الذين يديرون شؤون السلطة من إهمال مهمتهم التعليمية بين أونة واخرى . ولكن في مثل هذه حالات تكون المسؤولية في الدمقراطية الحرة اكبر على أولئك الذين احتفظوا بالحكمة وبرودة الدم ، ورفعوا عقيرتهم حسب حاستهم الرقيقة وشعورهم المدني الراقي لإقناع أبناء وطنهم بما هو حقيقة صحيحا ومعقولا ، عادل

وأدبى ، حتى يجدوا لذلك التعبير في الرأي العام .

وربما تكللت هذه المحاولات بالنجاح بأسرع مما كان عليه الوضع بعد مؤتمر ميونخ ، عندما تبدل الرأي العام بسرعة بعد اعتقال العدد  الكبير من الشخصيات ، وعندما اتبعت سياسة الاعتقال الإجماعي في بضعة الأشهر التي تلتها . إن تنوير " رأي عام " مضلل يشكل عادة عملا دقيقا جدا ، وقد يؤدي البطء في هذه العملية إلي نتائج وخيمة ، وربما ظلت الأصوات الصارخة غير مسموعة ، بل هناك خطر مجيء الرأي العام متأخرا جدا ، وقد وقع هذا مرارا فكلف الإنسانية تكاليف باهظة ، ولهذا قيل إن الكفاح الحاضر كان من الممكن تلافيه لو ان الاشتراكية الوطنية منعت من قبل الرأي العام من التمادي في غيها

وللحيلولة دون وقوع هذا الخطر ينبغي إتاحة الفرصة الأولئك الذين يملكون حكمة وحكما أعلى ، لاستخدام جميع الوسائل الفنية الحديثة ) من راديو وسينما وطباعة لتقدم لهم أكبر معونة يستخدمونها في مهمتهم الدقيقة عند ضرورة تحويل رأي عام مضلل باسرع وقت ممكن . وكل حكومة ديمقراطية حرة يجب ان تؤيد بقوة معارضة تعمل على حفظ قيمتها الأساسية

وعليه فإن مصير الرأي العام لسنين قادمة يتوقف على القوي المرشدة التي تملأه بالحقيقة الروحية الضرورية لإبقاء قيم الحياة الإنسانية نشطة حية ، وبدون ذلك من المحال الاحتفاظ بالإرث الأوربي . ولبلوغ هذا الهدف يجب على هذه القوي قبل كل شئ ، ان تحترم هذه القيم في نشاطها الخاص ، وتطلع الامة على كل شئ  كى تري القوي الإيجادية الأدبية ضمن القيم الروحية للرأي العام . وعلى كل عندما تؤدي السياسة المثيرة إلي التواء الرأي العام ، وجب ان تتاح الفرص المعارضة التى تملك حكمة وحكما أعلى ، من استخدام نفس الوسائل المعاكسة التي تستخدمها السلطة لإصلاح الرأي العام المضلل .

بغداد -كلية الحقوق

اشترك في نشرتنا البريدية