الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 374الرجوع إلى "الثقافة"

الرادار أو العين الكاشفة (١)

Share

لقد كان الرادار أثر في فوز الحلفاء في الحرب الأخيرة أقوى من أثر كل كشف آخر لا نستثني من ذلك القنبلة الذرية نفسها ، وسيكون لها اثر اعظم من ذلك في عالم ما بعد الحرب .

والرادار عين سحرية مجيبة بها يستطيع الناس في الهواء وفوق متن البحار وعلي الأرض الصماء أن يبصروا خلال الظلام والسحاب والضباب والمطر والدخان وان يمتد بصرهم إلي أبعد ما تمتد إليه العين العادية وان يرتد إليهم البصر مسجلا ما يبصرون .

١ - فهي ترسل في الفضاء أشعة لاسلكية غاية في القصر .

٢ - وتستقبل صداها حين يرتد إليها من جسم بعيد كما ترتد الأصوات عن الجدران .

٣ - وتقدر الوقت الذي استغرقته هذه الآشعة في ذهابها وارتدادها فيعرف بذلك بعد الأجسام التي ارتدت عنها .

٤- وتبين الاتجاه الذي سلكته الأشعة المرتدة فيعرف من ذلك ابن يوجد الجسم الذي ارتدت عليه بالنسبة إلى الراصد .

٥ - وتسجل هذه الأشياء كلها في صورة خطوط وبقع من الضوء على لوح ، بل إنها تسجل حركة الحسم في الدائرة المرصودة .

وقد اتخذها الحلفاء في الحرب الماضية أداة دفاع ، فاستعانوا بها في الليل وفي النهار وفي كل الجواء على كشف مواقع الطائرات أو السفن المنيرة قبل ان يستطاع كشفها بالعين العادية في الجو الصحو أثناء النهار ، واستطاعوا بها ان يعرفوا حقيقتها اهي صديقة أم معادية وأن يوجهوا

الطائرات المقاتلة نحوها إذا كانت معادية قبل ان تقترب من أهدافها وان يصوبوا المدافع المضادة للطائرات فتنطلق دون حاجة إلى من يطلقها على الأهداف المتحركة الخبأة أو التي لا يمكن رؤيتها لبعدها ، واستخدموها أداة هجوم لإلقاء القنابل من نفسها على الأهداف التي لا تري من الطائرة ولتمكين السفينة من كشف السفن المعادية وتبين جنسيتها واقتفاء أثرها وإطلاق النار عليها واعتراضها دون أن يراها إنسان . واستطاعوا بها ان يكشفوا الغواصات من الجو وهي على بعد عشرة أميال منها وان يرشدوا الطائرات ناقلات الجنود إلي الاماكن التي استولى عليها الأعداء أو أحاطوا بها

واستعان الحلفاء بها في أعمال الملاحة الجوية والبحرية لرسم خرائط للأرض التي تطير فوقها الطائرة وتبين معالمها وكشف جبال الجليد في البحار قبل ان يستطاع رؤبتها بالوسائل العادية

الرادار في السلم :

وستستخدم العين الكاشفة في السلم فيما يشبه الأغراض التي استخدمت فيها في الحرب ؛ فبفضلها تصبح الملاحة الجوية والبحرية آمنة لا تنقطع بالليل وبالنهار في الضوء والظلمة والصحو والغيم ولم يستطع الخبراء حتى الآن أن يستفيدوا منها في النقل البري ، وهم يقولون إنها لا تفيدهم في السيارات أو القاطرات . ذلك أن السيارة والقاطرة تتبعمان طريقا معروفا ، فالثانية تسير على قضبان حديدية والأولى في طريق محددة لا تجعل للعين الكاشفة اثر كبيرا ، اللهم إلا في كشف ما عساه ان يكون في طريقهما من عقبات .

ولننتظر الآن كيف استخدم الحلفاء العين الكاشفة في هذه الحرب

إن انجلترا ثم تؤخذ على غرة حين قذفها هتلر بطائراته في الثامن من اغسطس سنة ١٩٤٠ . ذلك أنها كانت قد

أعدت عدتها لهذا الهجوم من قبل فأنفقت ما لا يقل عن عشرة ملايين من الجنيهات على إنشاء سلسلة متصلة الحلقات من الرادار الحارسة لتراقب الطائرات المغيرة بالليل والنهار ؛ وقد بدأت في إنشائها من عام ١٩٣٥ ، إذ قررت في ذلك العام إنشاء خمس محطات للرادار علي شاطي بحر الشمال ، ولما طار تشمبرلين إلي ميونخ وعاد منها في عام ١٩٣٨ كان المهندسون البريطانيون ينشئون في السر خمس عشرة محطة جديدة يضيفونها إلي المحطات القديمة . فلما عبرت الطائرات النازية بحر الشمال كان البريطانيون متأهبين للدفاع عن أنفسهم بسلاحهم السري ، وكان في وسعهم أن يتبينوا كل غارة جديدة في الوقت المناسب ويوجهوا ما عندهم من الطيارات لصدها . وكان في وسع الألمان في أول الأمر أن يتقوا من هذا السلاح السري قبل إتقانه بأن يطيروا علي ارتفاع قليل وأن يقصروا غاراتهم على الليل دون النهار ، فلما أتقن كانت خسائرهم في الطائرات المغيرة كبيرة جدا ، ولعل هذا هو السبب في أنهم لم يواصلوا غاراتهم الجوية بنفس القوة التي بدءوها بها .

وفي عام ١٩٤١ وضعت أول طائفة من أجهزة الرادار في المغيرات الليلية البريطانية

أثر الرادار في حرب الغواصات :

كان الألمان يرجون ان يطهروا البحار من السفن البريطانية الحربية والتجارية بغواصاتهم الكثيرة ، ولقد أوشكوا أن يصلوا إلي هذا الغرض ، فقد كانوا في عام ١٩٤٢ يغرقون من سفن الحلفاء ما حمولته ١٦٠٠٠ طن في اليوم الواحد ، ثم بدأت الرادار عملها فقضت على هذا الخطر أو قللت من أثره إلي حد كبير

فقد كانت الغواصة قبل اختراع الرادار نصعد بالليل إلى سطح الماء لتشحن بطارياتها وتأخذ حاجتها من الهواء ، ولكن الإنجليز أخذوا من عام ١٩٤١ يجهزون طائراتهم بالرادار واصبح في وسع هذه الطائرات ان تكشف الغواصة

إذا كانت فوق سطح الماء وهي على بعد عشرة أميال ، فأفادو من ذلك أكبر فائدة وبخاصة لان الطائرة تستطيع ان تقطع مئات الأميال في الساعة الواحدة فتكشف في غمضة عين مساحة من البحر واسعة

وعرف الألمان بطبيعة الحال شيئا أو شيئين عن الردار ، فقد اسروا سفينة تحمل هذا الجهاز واخترعوا جهازا مضادا له ينبه الغواصة إذا كشفت فتغطس في الماء ، وعرف الإنجلير أيضا ذلك فغيروا موجة الرادار ، ولم يتبين الألمان هذا التغيير إلا في ربيع سنة ١٩٤٣ ، واستطاع الإنجليز بفضل هذا التغيير ان يغرقوا نحو مائة من غواصات الالمان في ثلاثة شهور ، أغرق ثلثاها بقنابل ألقيت عليها من الهواء . وانتهت الحرب والالمان يوشكون ان يفلحوا في تمكين الغواصات من أن تبقى بحث الماء على الدوام فلا تستطيع الرادار ان تكشفها لأن اشعتها لا تنفذ في الماء .

وأفادت الرادار المدنيين في أثناء الحرب أكبر فائدة ، فقد حمت قوافل المؤن في المراحل الأخيرة من الحرب من خطر الغواصات بكشف مواقعها ومهاجمتها في الليل والنهار واستعين بها فوق ذلك على كشف السفن التي تنفرد من قوافل المؤن أو تضل فتتعرض بذلك للأسر او التحطم بعد أن ركبت أجهزتها في السفن التي كانت تصحبها لحمايتها .

أثر الرادار في الهجوم على ألمانيا :

وفي عام ١٩٤٣ جهز أسطول من الطائرات بالرادار واستخدم هذا الأسطول لقيادة أساطيل جوبة تزيد عليه سنين ضعفا في الغارات الجوية على ألمانيا ، واستخدم الحلفاء هذه الأساطيل لتحطيم أحواض السفن في ولهلمزهيفن ولما ثبت الحلفاء أقدامهم على شاطئ فرنسا اقاموا عينا كاشفة على ارض القارة الأوربية كان في استطاعة اشعتها أن تخترق غرب القارة كله حتى تصل إلي برلين ، فكانت بذلك مرشدا لقاذفات القنابل تعرف به أهدافها وتكشف طائرات الالمان المحاربة وهي في طريقها لمهاجمة الطائرات

المغيرة . ويرجع الفضل إلي الرادار في كشف الصواريخ الألمانية والقنابل الطائرة واتقاء كثير من أضرارها

الرادار في السفن الحربية :

وقد اصبحت العين الكاشفة من القوة بحيث يستطيع العامل في السفينة الحربية ان يرقب القذيفة المصوبة نحوها وهي مقبلة على هدفها فيتقيها ، كما يستطيع وهو في سفينته أن يكشف المراكب المعادية ويتبين حقيقتها ويتعقبها ويطلق النار عليها ويغرقها ، وقد حدث هذا لأول مرة في مساء اليوم الرابع من بوقبر عام ١٩٤٢ في جرائر سليمان في المحيط الهادي ، فقد كشفت سفينة إنجليزية مركبا حربيا معاديا علي بعد ثمانية أميال منها ، فأطلقت عليه النيران وعرفت من اختفاء الهدف في صورة الرادار ان السفينة المعادية قد تحطمت

وبفضل الرادار استطاعت اساطيل الحلفاء ان تحارب البابانيين شتاءين متعاقبين عند جزائر الوسيان في اخطر بقاع المحيط الهادي التي لم ترسم لها خرائط من قبل ، وبفضلها تمكنت هذه الاساطيل من الاقتراب في ظلام الليل الدامس من شواطئ لم تكن تجرؤ بغيرها على الاقتراب منها ودخول المواني المعادية في الليل او في الضباب وإطلاق النار عليها وتحطيم بطاريات الشواطئ في مكانها

والعين الكاشفة هي التي امكنت الأسطول البريطاني من تحطيم الأسطول الإيطال في شرق البحر الأبيض المتوسط في عام ١٩٤١ ، وإغراق المدمرة الألمانية بسمارك وحمولتها  ٣٥٠٠٠ طن في نفس العام ، والمدمرة شاون هورسست في عام ١٩٤٣

واستطاع الالمان أن يستولوا على بعض أجهزة الرادار من الطائرات التى اسقطوها في بلادهم وان يستخدموها في بعض سفنهم ، ولكننا لم يصل إلى علمنا حتى الآن ما يثبت انهم هم أو اليابانيين قد خطوا اية خطوة في سبيل تقدم هذا الاختراع العجيب

اشترك في نشرتنا البريدية