أشعر أن العالم فى هذه الأيام أجمل منه فى أى وقت آخر .
دنيا ، معاش للورى حتى إذا جاء الربيع فإنما هى منظر
إنا نرى الله تعالى دائما خالقا رازقا ، ونراه أيضا في هذه الأيام فنانا .
وهذه الأيام جديرة أن تنظر فيها إلى فنه كما تنظر دائما إلى فيضه وخيره . فقد انقلبت الطبيعة من رمادية داكنة وأحطاب عارية ، إلى خضرة كاسية تمتع النظر ، وتريح النفس .
وتتجمل الأغصان بأوراقها الناضرة التي ترهص بأن تكون فروعا ، وفى هذه الأيام تكتسى الأشجار وكانت عارية ، وتتألف البراعم وكانت غائبة ، وتتفتح الأزهار وكانت غامضة وفى هذه الأيام تصحو الدنيا وكانت نائمة ، وتأخذ فى الغزل السريع الجميل وكانت هاجعة . .
هي تذكرنا بالشباب الجميل وقد فقدناه ، وبالعيش الجديد بعد أن نسيناه .
إن الطبيعة تعرض علينا فيلما جميلا ، كما تعرض علينا صورة رائعة مختلفة الألوان زينت بإطار بديع . إنك تقرأ فيها الملائكة الطاهرة ، والجن الساحر . وأين
التطريز العجيب ، تطرزه الفتيات الجميلات من هذا التطريز الأنيق ؟
إن الطبيعة تسحر العين بالألوان البديعة . إن شئت فانظر إلى البنفسج الأزرق ، والورد الأبيض والأحمر ، وما شئت من ألوان .
إن كان لى أن أنصحك ، فأقول لك : اخرج وتأمل . تأمل جذوع الأشجار الضخمة كالأعمدة ، وتأمل " البانيسيه " الملون المنقوش نقشا يعجز عنه أى فنان .
إن الطبيعة فى هذه الأيام تغنى سيمفونية رائعة ! لئن كان لله مظاهر قوية في الزلازل والصواعق ، فله مظاهر وداعة وجمال في الطبيعة في هذه الأيام .
إن سمعت قولى وخرجت إلى الطبيعة سكرت سكرا حلالا ، وتمايلت إعجابا لا خمارا .
إن من صفة الله الكلام ، ويظهر كلامه في أمره وخلقه ، ولكنه في هذه الأيام يضغط فى بعض حروفه فتكون الطبيعة جميلة .
إن الأرض في هذه الأيام فخمة ساحرة فيها روائح الجنة ، ثم الطيور وما أدراك ما هى ؟ تغرد طويلا بعد أن سكتت ، وتغني كثيرا بعد أن صمتت ، وتمرح بعد أن بكت ،
ولا يفهم غناءها إلا من شجى شجوها . لئن قلت لك فيما مضى اخرج وانظر ، فإنى أقول لك الآن اخرج واسمع ، وكم فى الطبيعة من مناظر بديعة وأصوات جميلة . فى كل منهما متاع للسمع والبصر .
إن فيها بلسما للجريح ، وطربا للنفس ، وجمالا فى العين . إنها تبعث إلينا أطفالها الأربعة ، الشمس والماء والهواء والتراب ، فتستقبلنا فى هدوء وتحيى فينا النفوس ، وتبعث فينا الدفء .
وهى فى هذه الأيام تنعشنا بعد الجمود ، وتحيينا بعد الموت . هى فى هذه الأيام تجمل كل قبيح بأوراقها الخضر . وتكسو كل عريان بأثوابها الضر . .
ثم هى توحى بأسرارها لمن أحسن الإصغاء لها وتأمل فى مناظرها ، وسمع لأنغامها ، ومن وفق إلى ذلك رأى عجبا من الأسرار وغزارة فى الإيحاء .
ومن عجيب الأمر أنك تعى أسرارها ، ولا تستطيع أن تخبر بها ، أو أن تكتبها أو أن تصفها . إنها أعمق من اللغة وأدق من الأمواج .
وكل ما تستطيع أن تقوله لمن يسألك عنها ، اذهب وانظر إليها كما نظرت ، واسمع لها كما سمعت ، توحى إليك بأسرارها ، كما أوحت إلى .
إن اللحم والدم فينا لا يستطيعان أن يدركا أسرارها ، ولكن روحنا تستطيع أن تدرك روحها .
إن من قوانين الطبيعة الموت والحياة ، وقد أرتنا الموت فى الشتاء ، فأرتنا الحياة فى الربيع .
إن فيها لشعرا ، أين منه شعر أكبر الشعراء ، وإن فيها لفنا أين منه فن أكبر الفنانين .
لا تجعل حياتك دائما عبدة للنهائى والمحدود . وخصص جزءا من وقتك ، تستمتع فيه باللانهائى واللامحدود .
إن من صهره الحب لم يتقيد بالمقاييس ، ولا بالاقتصاديات ، بل يرى أنه كلما أسرف جنى .
إن معيشتك أحيانا فى اللانهاية واللامحدود تبعدك عن الأنانية والقومية ، وتوسع أفقك حتى أكثر من الإنسانية .

