في اليوم الخامس من شهر ديسمبر من ستة وأربعين عاما اجتمع عدد من الشبان في وليمة اقاموها احتفالا بعيد ميلاد ، وكان ضيف الشرف في هذا الاحتفال شابا لا يتجاوز الثانية والعشرين من عمره يدعي لدقيك زمنوف ؛ ولكن ذلك اليوم لم يكن عيد ميلاد لدقيك نفسه ، بل إن هذا الشاب قد دعى إلي الوليمة فيمن دعي إليها من الشبان والرجال احتفالا بتذكار مولد اللغة التي اخترعها ، وليس في لغات العالم لغة غيرها من اختراع إنسان . وهذه اللغة هي التي عرفت فيها بعد باسم لغة الإسبرنتو التي لم يسمع بها العالم إلا بعد ان مضي علي اختراعها عدة سنين .
وذلك أن لدقيقك زمنوف جالت في خاطره وهو غلام صغير فكرة اختراع لغة دولية جديدة يتخاطب بها الناس كافة ، وكانت بلدته التي ولد فيها في عام ١٨٥٩ لا ينقطع النزاع بين أهلها ، وكثيرا ما كان هذا النزاع يؤدي إلي قتال تسيل فيه الدماء ، ذلك ان اهلها كانوا خليطا من الروس والبولنديين واللتوانين والمان واليهود التابعين لامم مختلفة ، وقد شاهد هذا الفتي ان منشا ما تنطوي عليه قلوب هؤلاء السكان من الريبة والبغضاء هو عجز كل طائفة منهم عن ان تفهم لغة كل طائفة اخري ، وبدا من ذلك الحين يحلم باختراع لغة عامة تتفاهم بها أمم الأرض قاطبة .
وكان وهو في المدرسة محبا لتعلم اللغات قديمها وحديثها ، وظن في أول الأمر ان اللغة اليونانية أو اللاتينية القديمة تفي بالغرض الذي يعمل له ، ولكنه وجد أن كلتيهما لغه ميتة وان ليس من السهل تعلمها لكثرة ما بها من تعقيد ، وليس من المستطاع تجديدها او تبسيطها . ثم اخذ ينظر في اللغات القومية الحديثة لعله يجد منها ما يصلح لان يكون لغة عالمية ، ولكنه ادرك انه إذا اختار واحدة منها فإن ما يعقب هذا الاختيار من تنافس وتحاسد بينها وبين
سائر اللغات سيزيد ما بين الامم من بغضاء ونفور ، ولذلك قرر اخر الأمر أنه لا يصلح لغرضه إلا لغة جديدة كل الجدة
وظل هذا الشاب البولندي يكد شهورا وأعواما ليصل إلي حل لهذه المشكلة حتى اهتدى إلي ذلك الحل في آخر الأمر . فقد لاحظ أن كثيرا من الألفاظ في بعض الغات متشابهة في هجائها ونطقها ، فاختار للغه الجديدة اكثر الكلمات شيوعا في اللغات المختلفة وكتب كل كلمة منها كما ينطق بها ، ولم يضع للغته من قواعد النحو والصرف إلا ابسطها وإلا ما تقضي به الضرورة القصوي . ولم تزد تلك القواعد الاساسية على ست عشرة قاعدة ، وقد استغني عن الألفاظ الكثيرة بطائفة من المقاطع الإضافية توضع في أوائل الكلمات وأواخرها ليبني بها ألفاظا جديدة ، واتم مشروعه كله قبل أن يبلغ التاسعة عشرة من عمره
ولكن زمنوف لم يذع على الناس مشروعه حين اتمه ، ذلك ان اباه وهو مدرس لم يرض عن آراء ابنه الخيالية الغريبة وطلب إليه أن ينصرف إلى عمل مقيد ويعد نفسه لمهنة في الحياة أجدي عليه وانفع ؟ فذهب الشاب إلي مسكو ليدرس الطب ، ولكنه عاد بعد سنتين إلي وارسو لعجزه عن نفقات الدراسة بعيدا عن أهله . فلما عاد وجد ان اباه قد احرق كل اوراقه ليحول بينه وبين الاستمرار في هوايته لكن الفتي لم يبأس وبدا من جديد يعيد من ذاكرته تجديد ما اتلفه أبوه ، وظل في الوقت نفسه بدرس الطب في بلده
وشرع وقتئذ يترجم مختارات من التوراة ومن آداب اللغات الحية ، ويحاول ما استطاع ان يحتفظ لهذه المختارات بكل ما لها في لغاتها الأصلية من رونق وبهاء ، وكان يقرؤها لنفسه بعد كتابهتا بصوت عال ، ويحاول أن يجعل لغته الجديدة لغة موسيقية يسهل التكلم بها كما يسهل تعلمها ،
وانشأ بها فضلا عن ذلك قطعا اديبية منثورة او منظومة ، وكان المبدأ الذي وضعه نصب عينيه على الدوام أن تكون هذه اللغة بسيطة طبيعية ، صالحة لأداء كل أغراض الحياة العامة ، وان تكون فوق هذا كله جميلة . وما وافت سنة ١٨٨٧ حتى طلع على العالم بلغته الجديدة .
وكان زمنوف فى ذلك الوقت قد تزوج واحترف طب العيون في وارسر ، وصعب عليه أول الامر ان يجد ناشرا لكتابه ، وكان يحتوي علي قواعد النحو الأساسية وتمارين عليها ومختارات مترجمة من لغات اخري ومعجما بألفاظ هذه اللغة . وأخيرا اعانه والد زوجته على نشر كتابه وظهر الكتاب باسم " الدكتور اسبرنتو " أي " المرتجى " .
وتقبل كثير من الناس كتابه بقبول حسن وتلقي رسائل التهنئة على عمله المجيد من بلاد كثيرة ، وكان من بينها رسالة من الكاتب الروسي الكبير ليوتولستوي ، وأعيد طبع الكتاب على الفور بالحروف الروسية والبولندية والالمانية والفرنسية ، ولم يحتفظ المؤلف لنفسه بحق من الحقوق التي يحتفظ بها المؤلفون عادة ، بل اهداه إلي العالم
كله ، وقال في مقدمته إن اللغة الجديدة ملك لكل من يريد الانتفاع بها . وفي السنة التالية نشر زمنوف كتابا آخر كله بلغة الإسبرنتو وما لبث ان التف حوله عدد كبير من الأنصار والمريدين من كافة انحاء العالم ، وأخذ هؤلاء الأنصار أنفسهم يكتبون بالأسبرنتو ويترجمون إليها ويتقابلون ليتحدثوا باللغة الجديدة ؛ وفي عام ١٨٨٩ ظهرت في نورمبرح أول صحيفة بلغة الأسبرنتو وفي السنة التالية اصبح زمنوف نفسه رئيس تحريرها ، وظل عدد انصار اللغة الجديدة في ازدياد مستمر ، وبقيت الصحيفة حتى عام ١٨٩٥ حين حرم الرقيب في الروسيا دخولها تلك البلاد بعد ان نشرت مختارات مترجمة من كتابات نواستوي
ولما ناهضت الحكومة الروسية لغة الأسبرنتو وجه
أصحابها جهودهم نحو فرنسا وانجلترا وكثر فيهما أنصارها وكان من اعظمهم الصحفى المعروف وليم استد ، وصدرت في انحلترا صحيفة جديدة في عام ١٩٠٤ وما زالت تصدر فيها إلى يومنا هذا
وعقدت عدة مؤتمرات للغة الجديدة منها اثنان عقدا في كاليه ودقر سنة ١٩٠٤ وثالث في بولوقي سنة ١٩٠٥ ، وفي هذا المؤتمر الأخير القيت الخطب كلها ودار الحديث كله بلغة الأسبرنتو وتحقق حلم زمنوف إذ رأي رجالا من كافة الأجناس بتكلمون - وبعضهم للمرة الأولى بلغة واحدة ومنهم من لم ير محدثه من قبل رأي العين ولم يعرفه إلا بالمراسلة . وعقدت بعد عام ١٩٠٥ مؤتمرات في كل سنة عدا سنتي الحرب الأوربية الأولى ، واخذ زمنوف يتنقل بين سويسرا والمانيا واسبانيا وإنجلترا وأمريكا وهولندا والنمسا وبولونيا ، يدعو إلي لغته الجديدة ويذيعها ، ودعا إلي مؤتمر جديد في عام ١٩١٤ ، ولكن الحرب وقفت في سبيله فعاد إلى بولندا ليواصل جهوده ، وظل يكتب بلغته الجديدة نثرا وشعرا ويترجم إليها من اللغات الحية ، وكان من أعظم ما أخرج ترجمة للكتاب المقدس نقلها عن اللغة العبرية
ثم مرض زمنوف في سنتي الحرب الأولى ولم يكن قد جاوز منتصف العقد السادس ، ولكن جهوده العقلية الطويلة اثرت في صحته ، ولم ينقطع في اثناء مرضه عن العمل حتى قضى نحبه في ١٧ إبريل من عام ١٩١٧ ودفن في وارسو
مات زمنوف ولكن موته لم يؤثر في مشروعه العظيم بل ظلت اللغة تنمو وتنتشر ووقت بكثير من الأغراض التي كان يرجوها منها واضعها ، فأفاد منها الرحالة والسياسيون ورجال الأعمال والعلماء وكثير من الناس العاديين الذين يريدون أن يعرفوا شيئا عن غير بلادهم وغير شعوبهم ، وظلت اللغة آخذة في الانتشار وأوصت بتعلمها عصبة
الأمم في تقرير لها وضعته عام ١٩٢٢ ؛ وأصدر بها مكتب العمل الدولي كثيرا من نشراته ، وأثنى عليها كثير من رجال التربية واشادوا ببساطيها وفائدتها وهي تدرس الآن كما تدرس سائر اللغات .
وقد نشرت بها كتب ومسرحيات واشرطة وأغان شعبية ، وكان كثير من محطات الإذاعة قبل الحرب الأخيرة يذيع بها برامج في أوقات منتظمة . وتصدر بها الآن مئات من المجلات ، وتطبع بها كتب كثيرة بالخط
البارز للعميان يقرؤها آلاف ممن لا يبصرون في العالم كله ، واعترف بها مؤتمر البرق الدولي الذي عقد في عام ١٩٢٦ كما اعترفت بها مصلحة البريد الإنجليزية .
والآن يستطيع السائح الذي يعرف الإسبرنتو أن يجد في كل بلد يحل به زميلا له يتحدث إليه بلغته ، وقد بلغ الناطقون بها الآن عدة ملايين وإن لم يكن عددهم معروفا بالضبط حتى الآن .
