الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 370 الرجوع إلى "الثقافة"

الرجل السعيد

Share

من الخطر أن ينظم المرء حياة الآخرين ، ولطالما تعجبت من هؤلاء الساسة والصلحين وامثالهم الذين يتقون بأنفسهم والذين هم مستعدون لأن يستنوا قوانين من شأنها أن تغير من أخلاق بني وطنهم وعاداتهم ووجهة نظرهم . ولكم ترددت في إسداء الفصح ، إذ كيف يمكن للمرء أن ينصح آخر بما يعمل وهو لا يعرف هذا الآخر كما يعرف نفسه ؟ ويعلم الله أني أعرف القليل عن نفسي ولا أعرف شيئا عن غيري ، فإن كل ما يمكننا هو أن نحدس ما هى أفكار جيرانا وعواطفهم ، فكل منا سجين في برج منعزل يتصل بسائر السجناء الذين يكونون البشرية بواسطة مصطلحات لا تعني لهم ما تعني بالنسبة إليه . ومن سوء الحظ ان الحياة لا تعود القهقري وان الخطأ لا يمكن تصحيحه . ومن أنا حتى أوجه هذا وذاك إلى الطريقة التي يقضون بها حياتهم ؟ إن الحياء عمل شاق ومن الصعب جدا أن أحيا حياة كاملة مستقرة ولم تحدثني نفس بأن أرشد أحدا عما يفعل في حياته . ولكن من الناس من يتعثرون في بدء المرحلة فتظهر

الطريق أمامهم ملتوية خطرة ؛ ومع ذلك فقد حدث أني رغم إرادتي اشربت بإصبع القدر ، وقد كان الناس يسألونني في بعض الأحيان : ماذا سأفعل بحياتي حينئذ كنت أري نفسة لفترة وجيزة متنكراً في ثوب القدر المظلم .

لقد عرفت مرة اخري أنني أسديت نصيحة طيبة .

كنت حديث السن وكنت اعيش في مسكن متواضع بالقرب من محطة فيكتوريا بلندن ، وذات مساء بينما كنت على وشك الا كتفاء بما عملت في يومي سمعت رنة الجرس ففتحت الباب لغريب لم أره من قبل ، سألني عن اسمي فأجيبته ، وسأل عما إذا كان يمكنه الدخول فأجبته : بكل تأكيد .

وسرت أمامه إلي حجرة الجلوس وطلبت منه أن يجلس ، وظهر ارتباركه قليلا فعرضت عليه سجارة لاقي صعوبة في إشعالها دون ان يدع قيمته تسقط . وسألته عما إذا كان من الممكن ان أضعها على كرسي ففعل هو هذا بسرعة ولكنه أسقط مظللته بينما كان بضعها ثم قال : آمل ألا تؤاخذني علي مجيئي هكذا لرؤيتك إن اسمي "  ستيفز " ومهنتي طبيب . وأظن أنك من الأطباء ؟ قلت : نعم ، ولكن لا أمتهن الطب . فقال : أنا أعرف ذلك وكل ما هنالك أني قرأت

كتاباً لك من اسبانيا وأود أن أسألك عنها .

فقلت : أخاب ألا يكون كتابي غاية في الجودة . قال : ولكن الحقيقة ستظل أنك تعرف شيئا عن أسبانيا ولا أعرف غيرك يعرف عنها شيئا ، وظننت أنه ربما لا يكون لديك مانع من إفادتي عن بعض المعلومات قلت : سأكون جد مسرور .

ثم ظل صامتا لحظة سعى بعدها إلي قيمته وأمسكها بإحدي يديه في ذهول وربت عليها بالأخري ، ومن ثم تسرب إلي ذهني أنها تكسبه إيمانا وقال :

آمل الا تظن أنه من العجيب أن يتحدث إليك شخص لم تعرفه من قبل ، ثم ضحك ضحكة اراد بها الاعتذار وقال : إنني لست انوي أن أسرد قصة حياتي عليك وأنا أعرف انه عند ما يقول الناس هذا القول فلن يفعلوا شيئا غير ذلك ، والحق يقال أنني استحسنه ، وواصل الحديث قائلا : لقد تولي تربيتي عمتان عجوزان ولم يحدث لي ابدا أن ذهبت إلي مكان او فعلت شيئا ، ويرغم اني تزوجت من ست سنين فليس لدي اطفال وأنا اشغل وظيفة طبيب في مصحة كامبرويل ولا يمكنني الاستمرار فيها أكثر من ذلك .

وكان هناك ما يسترعي النظر في هذه الجمل القصيرة الحادة التي كان يستعملها . فقد كان لها رنين قوي ولم أكن قد نظرت إليه إلا نظرة عابرة فبدأت الان امعن فيه النظر . لقد كان رجلا صغيرا ملئ البدن تقرب سنه من الثلاثين على وجه التقريب . له وجه مستدير احمر بزغت فيه عينان صغيران سوداوان راقتان ، وقد قص شعره الأسود قصيرا لاصقا برأسه الديب وكان يرتدي رداء أزرق لا يصلح للبس بأي حال فقد كان مهدلا عند الركبتين له جيوب منتفخة وقال :

وانت تعرف واجب الطبيب الموظف في مصحة . إن كل يوم كسابقه في كل شئ تقريبا ، وهذا كل ما انتظره

طوال حياتي ؛ فهل نعتقد أن هذا العمل يستحق ذلك فأجبته : ولكنه طريق لكسب العيش قال :

نعم أعرف ذلك كما أعرف أن المال فيه خير كثير فقلت : ولكني لا أعرف حقا ما جاء بك إلى هنا . قال : لقد أردت أن أعرف إن كنت تعتقد أن في أسبانيا مجالا لطبيب انجليزي . فسألته : ولماذا أسبانيا ؟ فقال : لا أدري . إنها مجرد خيال عابر فقلت له : لعلك تعرف أنها لبست مثل كارمن ، وتبسمت .

قال : ولكن الشمس تشرق هناك ، كما أن هناك بيننا جديدا ومناظر ممتعة وهواء تستنشقه . على كل وعنى أطلمك على ما أريد أن أقول فوراً . ذلك أبي علمت مصادفة انه لا يوجد في اشبيلية أي طبيب انجليزي . أتظن انه من الممكن أن أكسب عيشي هناك أم أنه من الجنون أن أطيح بوظيفة حسنة آمنة في سبيل شئ غير مضمون ؟

قلت : وما رأي زوجك في هذا ؟ قال : إنها راغبة فقلت : إنها مخاطرة كبيرة

فأجاب : إني أعرف ، ولكن إذا قلت لي أقدم فسأفعل ، وإذا أمرني بالبقاء حيث أنا فسأبقى .

لقد كان ينظر إلي في إمعان بعينيه السوداوين البراقين وتحققت أنه جاد في كلامه ففكرت قليلا وقلت : إن مستقبلك كله مرتبط بذلك ، ولذا يجب ان تقرر بنفسك . ولكن يمكنني إرشادك . ذلك أنه إذا كنت لا تريد مالا وكنت تقنع بما يمسك البدن بالروح الا يتفصلا فاذهب فستحيا حياة عجيبة .

وتركني الرجل . وظل في ذاكرتي يوما أو اثنين ثم نسبته فقد اتمحى الموقف من ذاكرتي انهاء تاما . وبعد عدة سنين خمس عشرة على الأقل اتفق ان كنت في

أشبيلية وشعرت بتعب طفيف . فلما سألت البواب عما إذا كان هناك طبيب انجليزي . أجابني بأنه يوجد وأعطاني عنوانه ، فاتخذت عربة إلى هناك ، وبينما كنت اقودها نحو المنزل خرج إلى رجل صغير ملئ ، وتردد قليلا عندما رآ في ثم قال :          هل أنيت لتراني ؟ إنني الطبيب الإنجليزي

ولما شرحت له سبب مجيئي طلب إلي أن أدخل . لقد كان يعيش في منزل أسباني عادي بدهليز وفي حجرة الاستشارات في نهاية الدهليز انتثرت هنا وهناك أوراق وكتب وادوات طبية وانانات تالفة . إنه لمنظر يفزع منه المريض المتخوف . ولما قضينا أمرنا سألت الطبيب عن أتعابه فهز رأسه قائلا : ليست هناك أتعاب . فقلت : ولم بالله ذلك ؟ قال : ألا تذكرني ؟ لماذا ؟ لقد جاءت بي إلى هنا كلمات قلتها لي . ولقد غيرت مجري حياتي بأكمله . فأنا استيفنز

ولم يكن لدي أية فكرة عمن كان يتكلم عنه ، ولكنه ذكرني بمقابلتنا وأعاد على سمعي ما كان فسد قاله ، فانجلي الحادث قليلا قليلا وعادت تفاصيله إلي ذا كرتي وقال : لقد كنت أسائل نفس عما إذا كنت سأراك ثانية كما كنت اسائلها عما إذا كانت ستسنح لي فرصة تقديم الشكر على ما فعلته من أجلي قلت : لقد وقفت إذا ؟

ونظرت إليه . لقد زاد جسمه الآن امتلاء وأصبح أصلع الرأس ، ولكن عينيه كانتا تبرقان في صرح ، وقد ظهر على وجهه الملىء الآحمر امارات السرور التام ، وكان يلبس ثيابا كالحة إلي حد مخيف من صنع حائك أسباني ، وكانت قيمته اسبانية عريضة الجوانب ، ومع ان منظره كان مترهلا فلقد كان مقبولا ، وإنك لتتردد في السماح له بإجراء عملية لك ، ولكن لا يمكنك ان نتصور مخلوفا امتع منه صحبة لشرب زجاجة من النبيذ

قلت له : من المؤكد أنك كنت متزوجا

فقال : نعم ! لكن زوجي لم تحب أسبانيا فعادت إلي كامبرويل حيث ألفت الحياة .

فقلت : إن هذا لمما يدعو إلي الأسف فأبرقت عيناء بابتسامة سكير . فقد كان منظره يشبه منظر سيليتوس الصغير وقال : إن الحياة مليئة بالمغريات

ولم يكد ينطق بهذه الكلمات حتى ظهرت أمام الباب امراة أسبانية . قد تعدت سن الصبا ، ومع ذلك فقد كان في جمالها جرأة وحيوية ، وكلمته بالإسبانية فعرفت انها كانت مديرة للمنزل .

وبينما كان يودعني إلي الباب قال لي : لقد أخبرتني عدد ما رأيتك آخر مرة أنني سأكتسب إذا أثبت إلي هنا ما يمسك بدني وروحي ألا ينفصلا ولكني سأحيا حياة عجيبة . وأريد ان اخبرك أنك كنت على صواب ، لقد عشت فقيرا وسأعيش دائما فقيرا ، ولكن يشهد الله لقد متعت نفسي وان أبدل حياتي بحياة أي ملك في العالم .

( ترجمة )

اشترك في نشرتنا البريدية