الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 460الرجوع إلى "الثقافة"

الرجل المهذب (١)

Share

يمكن من البداية أن نعرف الرجل المهذب بأنه هو الذى لا يسبب آلاما لأحد؛ فعلى أى وجه قلت هذا التعريف وبحثته فإنك لابد أن تجد الدقة فى طياته، فإن أول ما يهتم به هو إزالة العقبات التى تعترض من يعيش حوله أو يتصل به، لكى تسير طليقة فى طريقها العادى.

وإذا أردنا أن نصور الرجل المهذب فى صورة مادية كالصور التى اعتدناها فى حياتنا البشرية يمكن أن نشبهه بمقعد يريح أو بنار تدفئ، وكأننا فى حضرته قد تبدد التعب وحل الدفء، وإن كان فى مقدور الطبيعة أن تمدنا بالدفء والراحة بوسائلها الخاصة الآخرى.

فالرجل المهذب على هذا النحو هو الذى يتحاشى فى دقة كل ما يسبب صدمة أو استياء لهؤلاء الذين يعيشون معه، متجنبا كل تصادم فى الآراء والمشاعر، متحاشيا كل ألوان الضغط والتشكك والحقد، جاعلا كل اهتمامه أن يجعل كل من حوله مغتبطا مسرورا، غير هياب ولا متكانف.

تراه يغمر زملاءه بعين رعايته، مانحا إياهم جل اهتمامه. تراه رفيقا مع الخجولين وديعا مع المحبين للعزلة، رحيما بالمخطئين، متجنبا الدسائس والمواضيع المثيرة.

وفى محادثاته قلما يرتفع صوته، أو يشعرك بسأم أو ملل. تراه مصغيا لما تقول، متقبلا إياه عن رضا. وتراه لا يتحدث عن نفسه إلا فى ضرورة ملحة، ولا يحمى نفسه ضد من يهاجمه بردود مؤلمة قاسية.

تراه لا يعير سمعه إلى وشاية واش أو قول قائل، وتراه مدققا فى معرفة الأسباب الدافعة لأعمال من يرتبطون به مفسرا إياها على وجهها الحسن لا على وجهها السيء.

وتراه فى منازعاته لا يبدى خسة أو فظاظة، وتراه لا يخطئ فى حق الآخرين أثناء مناقشاته بإشارات مشينة أو بأقوال نابية. أما الإيمان بالشر فهو أبعد ما يكون عنه. وتراه بحكمته وبعد نظره يعمل طبقا لحكمة الحكماء القدامى، تلك الحكمة التى تدعو إلى أن تكون تعبر فاننا مع أعدائا وكأنهم سيصبحون فى المستقبل أصدقاء مخلصين.

تراه صبورا يحتمل ويقاسى، متمسكا بمبادىء فلسفية، تعينه على أن يخضع لآلام الواقع كشئ لا بد منه، ويستسلم لكل ما فقده كأمر فات لا يمكن تغييره أو تعديله، ويؤمن بأن الموت شىء مقسم مكتوب.

وتراه إذا شغل بمجادلة أو منازعة أيا كان نوعها، وجد من عقله المثقف المهذب ما يحفظه من التخبط فى عدة أخطاء، فى حين أن العقول الأقل تثقيفا وتهذيبا، وهى الشبيهة بسلاح غير حاد يشوه ويمزق دون أن يقطع فى سرعة وإتقان، تخطىء أهدافها أثناء الحوار وتفقد قوتها لاهتمامها بالتافه من الأمور، كما تجدها قد عجزت عن فهم وإدراك حقيقة معارضيها تاركة الأمور أكثر تعقيدا مما بدأتها.

وقد يخطئ فى رأيه ويصيب، ولكنه أوتى من صفاء الفكر قدرا يبعده عن التحيز والظلم. وبقدر ما تجده بسيطا متواضعا، تجده فعالا مؤثرا، وبقدر ما تجد أقواله وأعماله تميل إلى الإيجاز تجدها فاصلة قاطمة. وهو الذى تشعر معه أنك لن تجد فى مكان بعيد عنه طهارة قلب وحسن تقدير ووداعة وتساهل أكثر مما تجده بين يديه.

وتراه إذا كان غير مؤمن بعقيدة غيره وجد من عقله المتسع الآفاق العميق التفكير ما يبعده عن السخرية بهذه العقائد والعمل على مناهضتها.

وتجده محترما للنظم والقواعد الموضوعة كأمور تستحق التعضيد، وكأشياء جميلة نافعة، حتى ولو لم يكن فى دخيلة

نفسه موافقا عليها أو معتقدا بصحتها. وتجده محترما لأئمة الأديان غير معلن لأخطائهم أو مندد بهفواتهم.

وهو كصديق يقدر ويحترم عقائد الأصدقاء، لا لأن فلسفته قد علمته أن ينظر للعقائد بعين لا تعصب فيها ولا محاباة فحسب، بل لأنه ينظر إليها أيضا من مرآة الوداعة ورقة الشعور التى هى ثمرة الحضارة ونتيجة من نتائجها.

اشترك في نشرتنا البريدية