حدثني الراوى قائلاً: عندما كنت طالباً في مدرسة الزراعة بالجيزة كنت أتردد في أوقات فراغى على قهوة صغيرة بالقرب من الشارع العمومي يجرى بجوارها جدول صغير وتتهدل فوقها أغصان شجرة عتيقة. وكنت أعتبرها حلقة الاتصال بين الحضر والريف أو بين المدنية والحياة الساذجة البدائية. فبينما تكون جالساً في مقعدك البسيط تشرب القهوة في هدوء وتصغى إلى خرير الماء وتشم رائحة النبات إذ بك تسمع دوي ترام أو سيارة ويمتلئ أنفك برائحة البنزين والتراب.
وكان يتردد على هذه القهوة رجل بدين الجسم كروى الوجه بأنف أفطس وعيون صغيرة يلبس بدلا من المعطف حرملة من اللون الأزرق الكالح ويلف رأسه بشال قديم مهلهل. وكنا فى ذلك الوقت على أبواب الشتاء. وكنت ألاحظ عليه مظاهر الجربعة. وأعتقدت أنه من أرباب المعاشات الفقراء. وأذكر أنني لم أذهب إلى القهوة مرة واحدة ولم أجده. أراه دائماً فى ركنه المعهود بجوار باب القهوة منتفخاً فى جلسته يدخن النار جيله ويحتسى القهوة ويزعق بين فترة وأخرى على الخادم يصدر إليه أوامره الممضة. يصحب معه دائماً كلباً أسود بشع الهيئة من فصيلة الأرمنت. يزعج القهوة بنباحه الثقيل. كان سيده يبالغ فى تدليله والإعتناء به. ويكلمه ببعض كلمات إنجليزية بلهجة سقيمة لا تتعدى قوله: كام هير جيمى كام هير ماى دير(١)
ولا أدرى ما الذي دفعنى إلى أن أهتم بهذا الرجل وكلبه وأدقق فى ملاحظتي إياهما. مع نفورى منهما.
وذهبت مرة إلى القهوة فوجدت عويساً ماسح الأحذية يتشاجر معه- وكان الرجل يشتم الغلام بصوته العريض الوقح وهو منتفخ الأوداج محمر العين يبصق أمامه بصقات متوالية. ورأيت الكلب ينبح ماسح الأحذية بشدة ويجذب بأسنانه طرف ثوبه. فتحاشيت التدخل بينهما وقصدت إلى مكاني بجوار الجدول ومعي كتاب الزراعة المصرية لأذاكر فيه. وجاء صاحب القهوة فحسم الخلاف وشتم عويسا وأرضى الأفندي ببعض كلمات لا تخلو من تملق. وترك الكلب ثوب الغلام وذهب إلى سيده فنظر إليه مليا وهو يبصبص
بذنبه ثم تمدد تحت أقدامه ونام. وجاءني عويس يمسح لي حذائي كالمعتاد فمددت له قدمي في حركة آلية غير ملتفت إليه وانشغل الغلام بالمسح وأنا بالتفكير وبعد برهة خاطبت عويسا ووجهي لا يفارق الكتاب. .
- من يكون هذا؟ فأجابني وهو منهمك في عمله. - واحد حكيم لا طلع ولا نزل. يدعي أنه كان حكيمباشي في الجيش في الزمن الماضي. - والآن؟ - على المعاش ثم رفع رأسه إلي وقال:
تصور يا بيه أنه يريد أن يعطينى قرش تعريفة واحد فى مسح حذائه ووضع شريط جديد له. وأى جزمة هذه التى مسحتها. ربنا لا يوريك اؤكدلك أن الورنيش لم يمسها منذ أن كان جنابه فى الجيش. .
ولاحظت على الرجل انه يسارقنا النظر فأردت أن أحول مجرى الحديث ولكنني لم أستطع اذ كان عويس قد اندفع يقول : قرش تعريفة واحد نظير مسحة وشريط جديد. الله الغني يا سيدي. . هذا خلاف الخدمات التي أؤديها له بدون مقابل. ولو كان شخصاً فقيراً لقلنا نخدمه لوجه الله ولكنه رجل عاكم. عاكم تمام. وسمعت الحكيمباشي يبصق بشدة على الأرض فخفف عويس من حدته وهمس قائلاً:
- تصدق بالله، لو ذهبت إلى بيته لظننت انك فى مزبلة أو مربط بهائم. . . . لم كل هذا والدنيا أخرتها موت. فضحك واردم على هذه السيرة. . وغبت عن القهوة بضعة أيام. وبينما كنت مرة فى الترام منهمكاً فى قراءة (البلاغ) اذ شعرت بشخص يدخل العربة - وكانت مزدحمة بالركاب - ويحشر نفسه بين الجالسين وسمعت همهمة استياء من كل ناحية. ورفعت بصرى لأرى من الداخل فوقع بصرى أول وهلة على كلب اسود ضخم بشع الهيئة عرفته على الفور. ورأيت أمام مقعدى الحكيمباشى يمسح وجهه المحتقن المعقد ويشد حرملته على أكتافه ويدفع جاره وهو يدمدم. وتلاقت أعيننا. وشعرتبأنني ابتسم له. وشاهدته يجيبنى مجاملة بابتسامة سطحية خاطفة. وبعد لحظات قال لى مندفعاً:
- يدفع الواحد منا ستة مليمات لهذه الشركة الملعونة ليحظى بمثل هذه الجلسة المرهقة. نحن آدميون ولسنا بهايم حتى يحشروننا هكذا كأننا فى عربة للحيوانات. لماذا لا يزيدون عربة على كل قطار فى مثل هذه الاوقات. أقسم بالله ان سوارس الذى تدفع فيه ثلاثة مليمات فقط أحسن ألف مرة من هذا الترام.
فوافقته موافقة تامه وأخذت أذم له الشركة بدورى. فظهر على وجهه الارتياح وأخذ يناقلنى الحديث بلهجة ودية ومن غير تكلف كأنه يعرفنى منذ أعوام، وقال:
- لم تحضر الى القهوة منذ أيام - كنت مشغولا جدا. لقد هجمت علينا الدروس. _إيه يا بنى لو كنت معنا فى الجيش لأستصغرت من شأن مشاغلك.. كنت أنا لا أجد الوقت الكافى لاتناول كوب اللبن فى الصباح
- حضرتك خدمت فى الجيش مدة طويلة؟ فأجاب بلهجة متزنة وهو يعبث بسلسلة ساعته. . - 45 سنة .. 45 سنة وأنا أعيش فى الخيام وعلى ظهور الجياد. أضمد جروح الجرحى وأعنى بالمصابين. ثم أخرج بعد هذه الخدمة الطويلة العريضة الشاقة بمعاش لا هو فى العير ولا فى النفير. . . لا مكافأة ولا يحزنون. .
ثم مال على وهو يبتسم وقال: - ألم تسمع المثل القائل: آخر خدمة الغز علقة. وكان قد خلا مكان بجواره فنظر إلى كلبه الذى كان ممدداً تحت أقدامه وقال له وهو يفرقع باصبعه. .
- كام هير جيمي. كام هير ماي دير. وأشار له الى المحل الخالى، فقام الكلب وبعد أن تمطى وتثاءب فى هيئة شنيعة قفز بجوار سيده والناس يرمقونه بالنظر الشزر. وألتفت إلي الحكيمباشي وقال وهو يلاطف كلبه. .
- لم أر فى حياتى كلباً وفياً كجيمى هذا. انه انسان وليس بحيوان. لقد استغنيت به عن البنين فهو ابنى وعن الخدم فهو تابعى الأمين. وعن الحراس فهو حارسى الذى يبذل دمه فى سبيلى. أتصدق أننى لا أعاشر سواه فى منزلى.
ثم نظر الى كلبه وقال: - أوه جيمى أى لاف يو فرى ماتش (1) وكان بجوارى شيخ معمم فسمعته (يمصمص) بشفتيه ويتمتم قائلاً: - لله فى خلقه شؤون!
ووقف الترام على احدى المحطات ودخل العربة محمد افندى زكريا الموظف ببنك الكومرسيال الايطالى فسلم على فى بشاشة. ثم التفت إلى الحكيمباشي وقال: - أهلا أسعد بك. فى غاية الأشواق يا حبيبى.
وتحدثنا برهة فى العموميات. ثم رأيت أسعد بك الحكيمباشى ومحمد افندى زكريا يفتحان باب البحث فى المسائل المالية. فسكت وأصغيت لهما. وأخذا يتعمقان قليلا قليلا فلم أعد أفهم من كلامهما شيئاً. وكانت أمثال الكلمات. . الكامبيو والبورصة وسندات الشركة البلجيكية وأسهم البنك العقارى والرنت الفرنساوى تطن فى أذنى طنينا مزعجا، وارتسمت على وجه أسعد بك أشد مظاهر الاهتمام فوجدت عينيه تحملقان فى وجه محدثه حملقة الجائع الشره. وطاقتى أنفه تتسعان كأنهما تستجديان الهواء. . . وأخيرا وصلنا الجيزة فسلم أسعد بك علينا ونزل لأنه كان يسكن فى هذه البلدة. أما أنا ومحمد أفندي زكريا فتابعنا ركوبنا إلى الأهرام اذ كنا نرغب فى تناول الشاى فى (مينا هاوس) وملت على محمد أفندي وقلت له:
- ان لصاحبك باعا طويلا فى الأمور المالية. - انه يا عزيزى يلعب بالجنيهات فى سوق المضاربة كما تلعب الأولاد (بالبلى) - وهل يكسب؟ - لم أسمع مرة واحدة أنه خسر.
ومرت الايام وكثرت مقابلتى لأسعد بك فى القهوة وتوثقت بينى وبينه روابط الصداقة. واتضح لى أنه شخص غير مزعج كما توهمت قبل معرفتى اياه. فكان اذا رآنى فى ركنى المعهود منكباً على كتابى أذاكر درسى احترم عملى ولم يفتح فمه بكلمة. أما اذا لاحظ أننى لا عمل لى دعانى إلى الجلوس معه. ولا أذكر أنه أكرمنى بفنجان قهوة. أو قدم لي سيكارة واحدة. أما حديثه فكان سخيفاً ولكنه مسل للغاية. معظمه حكايات عن حياته الماضية فى الجيش ونوادر عن كلبه لا تخلو طبعا من مبالغات ومغالطات. وكان اذا تكلم عن كلبه لمعت عيناه بوميض غريب وخيل اليك أنه يتكلم عن ابن وحيد له قد وهبه كامل محبته وحنانه.
وتغيبت بضعة أيام عن القهوة ثم عدت اليها فكان أول شىء.لاحظته هو أن أسعد بك غير موجود. ولما جاءني غلام القهوة سألته عنه فلم يفدنى شيئا. وبعد قليل ظهر عويس ماسح الأحذية. وكان مسرورا يخبط بظهر فرشته صندوقه فسألته:
- ما الخبر يا ولد؟ - خبر عظيم جدا يا بيه.لقد أخذوا كلب أسعد بك فى عربة الكلاب. - يا شيخ! - شاهدت ذلك بعينى رأسى. ونالنى شىء من الأسف. ولكننى لم أهتم بالأمر كثيرا. وأعتقدت أننى سأرى فى الغد صديقى وكلبه يحتلان ركنهما المختار فى القهوة.
وبعد انقطاعى بضعة ايام ذهبت الى القهوة فوجدت أسعد بك وبحثت بعينى عن الكلب فلم أجده. وكانت عينا صديقى مربدتين حائرتين ووجهه محتقنا. وسلمت عليه فسلم على فى اقتضاب وصمت فلم أشأ أن أثقل عليه. وقصدت إلى مكانى وفتحت كتابى وبدأت دراستى ولكننى ما كدت أفعل حتى سمعته يتكلم فى لهجة شرسة كانه يتحدى إنسانا أمامه قائلا:
يأخذون الكلب ويطلبون منى جنيها مقابل إطلاق سراحه! جنيه! هذا نصب، نهب. . اخص على دى مصلحة. وبصق بصقة كبيرة. ثم أتم كلامه. . ..
- . . . مع أنى افهمتهم أنى حكيم . . . حكيمباشي الأورطة التاسعة التى قهرت العصاة فى الأبيض ودارفور. رجل مقامى معروف وماضى مفعم بجليل الأعمال. مصلحة دون! لا تعرف أصحاب المقامات. . اخص. .!
وبصق بصقة أخرى. وكان يتكلم دون أن يلتفت ناحيتي. ولكنى كنت متأكدا أن الكلام موجه الى اذ لم يكن فى القهوة غيرنا. فرأيت من باب المجاملة أن أعير حديثه اهتمامى. وقلت:
- جميع مصالح الحكومة بايظة . فاحتد فى كلامه وهو ينظر . أمامه دائما وقال : - الا هذه المصلحة . أنها ليست بايظة فقط . انها غير موجودة .. أتصدق أنهم يرفضون شهادتى الرسمية بأن الكلب غير مكلوب وأنه ليس من الكلاب الضالة ,. ويقولون ان الاجراءات يجب أن تتبع مجراها .اجراءات ؟ هه!.. سأريهم كيف تتخذ امثال هذه الاجراءات معى ومع كلبى . سأريهم...!
وضرب بشدة على المائدة والتفت الى هذه المرة وعيناه تشعان باللهيب وقال: - لقد أرسلت عريضة اليوم الى وزير الحربية لتخلية سبيل كلبى فى الحال. . فى الحال. فأجبته على الاثر. - حسنا فعلت.
وفى الغد سافرت مع فرقة من طلبة المدرسة إلى الصعيد وقضينا هناك أسبوعا كاملا نتنقل بين ربوعه متفرجين على آثاره العظيمة. وفى اليوم التالى لعودتى إلى القاهرة قصدت إلى قهوتى المعروفة. فرأيت عويسا جالسا القرفصاء على الارض بجوار احدى الموائد وأمامه صندوقه ينتظر زبائنه. فناديته وسألته على الفور. - ماذا جرى لكلب أسعد بك؟ فابتسم ابتسامة عريضة وقال:
- تعيش أنت! - قتلوه؟ - منذ أربعة أيام. ألم يدفع أسعد بك المبلغ؟ - يدفع المبلغ! انه يرضى أن يدفع لهم عينيه! ولا يتجاوز لهم عن الجنيه.
وشاهدت أسعد بك آتيا صوب القهوة يتوكأ على عصاه الغليظة يسير فى ثقل وإعياء، ولما اقترب مني ابتسم لى ابتسامة هزيلة وسلم على ثم جلس. ولاحظت على وجهه شحوبا كانه قريب العهد بمرض خبيث .وأشار إلى المقعد الذى أمامه وقال: - تفضل اجلس
جلست وبدأنا نتحادث فى أمور تافهة .وكانت لهجته مهملة ونظراته فيها بعض الشرود . ولم يتكلم بكلمة واحدة عن جيمى فعلمت أنه لا يريد الخوض فى هذا الموضوع . ثم خيم علينا صمت ثقيل فاستأذنت وقصدت الى ركنى.
ومنذ ذلك الحين اختلت مواعيد أسعد بك ولم أعد أراه دائماً فى القهوة كلما ذهبت. وغير عادته فى فنجان القهوة السادة الذى كان لا يحيد عنه ولا يزيد عليه واستبدل به بضع كوؤس من العرق. وكان كلما ثارت الصهباء فى رأسه اندفع يتكلم فى اسهاب ممض وبصوت مرتفع كأنه يصرخ أو يشتم. وكانت موضوعاته دائما لا تخرج عن سبه مصلحة الطب البيطري وسب العالم كله على السواء كان يقول دائما :
- الدنيا كلها نهب فى نهب. إخص بلا قرف. وبدأ يضيفني على شرب الزبيب معه ويقول لى: - لا تخش ضررا. أنا حكيم. ان الزبيب مقو للدم وفاتح للشهية. أحسن المشروبات كلها.
وأصبح مجلس أسعد بك لا يطاق. فلم أكن أنعم بتلك المحادثات المسلية. ولم يكن يتركنى أذاكر دروسى فى هدوء. بل كان دائما يقلقنى بصياحه المزعج ويضطرنى الى الانصات له وتحبيذ كلامه. وكان اذا رآنى مقصراً فى الالتفات اليه جاء الى مائدتى ونقل مشروبه اليها واحتل مقعدا بجوارى وبدأ يسح بشكاياته وشتائمه.
وحدث مرة أن جاء صاحب القهوة بحساب الشهر - وكان من عادة أسعد بك أن يدفع الحساب شهريا - فأخذ الورقة من يد الرجل وألقى عليها نظرة عابسة ثم صاح فى وجهه:
- مائة قرش؟ جنيه! أما لصوص صحيح! لن أدفع هذا المبلغ ماحييت ودعك الورقة ورماها فى وجه صاحب القهوة. واراد الأخير ان يتفاهم
معه فى لطف فاقترب منه ومعه الحساب وأخذ يوضح له عدد الطلبات التى طلبها. فدفعه أسعد بك بشدة وصاح. . . - اذهب من أمامى لن ادفع شيئا. كلكم لصوص أولاد كلب. فاحمرت عينا صاحب القهوة وقال:
- اللصوص وأولاد كلب يا حبيبى هم الذين لا يؤدون ما عليهم. - اخرس! أتعرف من الذى تكلمه؟ أنا اسعد بك حكيمباشى الأورطة التاسعة فى الجيش المصرى.
- وماذا يهم؟ أنا أريد نقودى. ليس هذا الجنيه كجنيه مصلحة الطب البيطري الذى لم تدفعه انقاذاً لكلبك. هذا جنيه ثمن مشروبات جررتها من محلى . . ورأيت سحنة أسعد بك قد انقلبت وصارت كسحنة النمر الهائج وقال وصوته يرتجف:
- ماذا تقول يا وقح؟ جنيه الطب البيطري! أتظن أننى قد بخلت بالجنيه فى سبيل انقاذ كلبى؟ أتجرؤ على هذا القول يا لعين؟ انا أرضى أن ادفع مائة جنيه لا جنيها واحداً من أجله. . ولكننى لا ادفع للصوص اولاد الحرام، كلكم تستحقون ضرب الصرم، ورأيته يدس يده المرتجفة فى جيبه فى حركة شاذة ويخرج ورقة مالية من ذات المائة قرش وينهال عليها تمزيقاً فى وحشية غريبة ويقول:
- أتستطيع ان تقول إنني لا استطيع أن أدفع جنيها. . ثم قام وأنشب أظافره فى رقبة الرجل. وقامت بين الأثنين معركة حامية استدعيت من أجلها الشرطة.
وساءت أحوال أسعد بك فلم أعد أراه الا مخمورا رث الهيئة ممزق الملابس. قوى الشبه بهؤلاء المتشردين مدمنى المخدرات الذين تراهم فى الطرق يستجدون المارة. وكان لا يسكت لسانه عن النقود وبالاخص عن الجنيه الذى لم يدفعه انقاذاً لكلبه، وكان يؤكد لى فى حماس غريب أنه لم يدفع هذا الجنيه نكاية فى مصلحة الطب البيطرى وليفهمهم أنه ليس مغفلاً أو ضعيفاً. وكان يروى الحكاية لكل من يقع عليه بصره فى القهوة أو فى الطريق وهو يصيح ويهدد ويشتم. واذا لم يجد من يكلمه رأيته يحدث نفسه محتدا وهو يلوح بيده فى حركات شاذة.
وانقلب من شحيح متكالب على المال الى مسرف متلاف لا تعرف يمينه ما تنفقه شماله. وسمعت أنه كثيرا ما يذهب الى مصلحة الطب البيطرى ليفدى الكلاب الضالة ويخرج لها رخصا بمبالغ لا يستهان بها. وكان يحرضنى دائما على التبذير ويقول :
- اصرف وبحبح على نفسك. وقابلت مرة محمد افندى زكريا الموظف ببنك الكومرسيال الايطالى فروى لى أخبارا مزعجة عن أسعد بك قال: انه يضارب الآن بجنون ويخسر
خسائر فادحة. وحلت الاجازة السنوية وانقطعت عن زيارة القهوة ثلاثة أشهر كاملة. ولما عدت اليها رأيت كل شئ فىها لم يتغير. وكانت مائدتى المختارة فى موضعها بجوار الجدول تظلها أغصان الشجرة العتيقة. فكأننى لم أفارقها إلا منذ ثلاثة ايام. واستقبلتنى الوجوه التى أعرفها كل بابتسامته الخاصة. والتفت حولى مشرق الوجه وأنا أقول :
- كل شئ كما هو! وبغتة قلت لعويس الذى كان يمسح مقعدى فى هرج وسرور ويهىء نفسه لمسح حذائى . . - أين أسعد بك؟
فتوقف عن عمله ورفع بصره الى وقد غابت ابتسامته وانقطع ضجيجه المرح وقال بلهجة قابضة:
- الم تسمع عنه شيئا؟ - كلا - لقد ارسلوه الى المارستان . كانت حالة المسكين فى المدة الأخيرة عبرة. وكنت انا الذى أعتنى به.
- ما هذا الكلام؟ - الحقيقة ما أرويها لك - وهل يمكن أن أزوره فى المارستان؟ ومد عويس صندوقه تحت قدمى وبدأ يمسح فى هدوء. وقال فى لهجة غريبة:
- كلا يا سيدي لا تستطيع أن تزوره. . . لن تراه أبدا . . ونكس رأسه. . . فنكست رأسى أنا أيضا وبدأت استغرق فى تفكيرى الحزين.

