ورد إلينا من استانبول نعي الشيخ عبد الرشيد إبراهيم الرحالة العظيم في العصر الأخير . توفي إلي رحمة الله في ٣١ أغسطس سنة ١٩٤٤ بطوكيو عاصمة اليابان ، حيث كان يعمل فيها على نشر الإسلام منذ سنة 1932
ولد الشيخ عبد الرشيد بمدينة تارا في سيبرباسنة ١٨٤٦ ، وتلقي مبادئ العلوم في المدارس الإسلامية في روسيا
ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره سافر إلى الحجاز ليتضلع في العلوم العربية والدينية وظل فيها نحو عشرين عاما .
وصادف بعد هذه السنين العشرين الطويلة ، ان جاء نصر الدين آبتكين إلي الحجاز لإقامة فريضة الحج ، وهو من اغنياء سيبريا المشهورين ومن مواطني الشيخ عبد الرشيد ،
فأخذه معه إلي سيبريا وأسس له مدرسة بمدينة تارا؛ ولم تمض إلا سنون قليلة حتى ذاع صيته في سيبريا ، فبلغ محكمة اورنيورج الشرعية التي بمدينة أوفا ، وهي المحكمة الشرعية الوحيدة لمسلمي روسيا الشمالية ، أنشأتها الملكة كاترينا الثانية لغاية سياسية سنة ١٧٨٧ م ، فانتخب قاضيا فيها سنة ١٨٩١
شغل منصب القضاء نحو سنتين ، وقام بوكالة الإفتاء نحو ثمانية أشهر أثناء تغيب المفتي محمد بارسلطانف لأداء فريضة الحج . وما أن عاد المفتي من الحجاز حتى استقال الشيخ
عبد الرشيد من القضاء ، لاطلاعه في هذه المحكمة على نيات حكومة القياصرة الخفية نحو المسلمين فسافر إلى استانبول ، وطبع فيها ، بطريقة خفية ، رسالة في نقد السياسة الروسية مع المسلمين ، ونشرها في مسلمي الروسيا بطريقة خفية أيضا
والشيخ عبد الرشيد من أوائل مسلمي روسيا الذين شعروا بحاجة ملحة إلى الجرائد والصحف في السنين الأخيرة من القرن الماضي وأوائل القرن العشرين ، وكانت دولة القياصرة تمنع ذلك بكل الوسائل ، فسافر إلى بطرسبورح واستطاع ان يستخرج رخصة بإصدار رسائل موقوتة ؛
وكانت الغاية منها الوصول إلى نشر ما يشبه الجرائد . فجمع حوله جماعة من مثقفى عصره ، واصدر باللغة التركية القازانية رسالة بعنوان : " ألفت " ورسالة اخري بعنوان : " المرآة " وثالثة بعنوان : " فرياد " ) صيحة ( .
وفي الوقت نفسه أصدر باللغة العربية رسائل عنوانها : " التلميذ " وكانت هذه الرسائل تقوم مقام الصحف اليومية في ذلك العهد ، ولا تكاد تصدر حتى تتلقفها الأيدي وتختفي عن السوق .
ولما نال المسلمون قسطا من الحرية بعد سنة ١٩٠٥ على أثر انهزام الروس امام اليابان ، ووجد من المسلمين كتاب يقومون بشؤون الصحف اليومية والمجلات ، رأي الشيخ عبدالرشيد ان يقوم بالرحلات في البلاد الإسلامية واليابان التى لبث يفكر نحو نصف قرن في نشر الدين الإسلامي فيها . وسافر في سنة ١٩٠٧ إلى تركستان وسيبريا وبلاد المغول ومنشوريا ، وبلاد اليابان وقوريا ، والصين وسنغافورة ، وجزائر ما وراء الهند والهند وبلاد العرب . ولما عاد من اسفاره الطويلة إلى الآستانة سنة ١٩٠٩ كان الحكم قد تغير فيها
فنشر رحلاته في مجلدين كبيرين بعنوان : " عالم إسلام " واشتغل بالتحرير في مجلتي " معلومات " و " صراط
مستقيم " العلميتين
وكان الشيخ عبد الرشيد جم النشاط ، قوي البنية وقوي الإيمان بمستقبل الإسلام والمسلمين ؛ وكان له شأن في سياسة مسلمي روسيا ، وقد دافع عهم في كل المناسبات والظروف ،
وله مواقف مع حكومة الاتحاد والترقي في استانبول . وقد اشترك مع انور ورفاقه في حرب طرابلس . ولما قامت الحرب الكبرى سنة ١٩١٤ ذهب إلى جبهة القوقاز مع الجيش العثماني ، ثم ارسل إلي المانيا للاتصال بأسري المسلمين فيها ، فأرسل منهم طوابير إلى تركيا . ولما سقطت الدولة الروسية القيصرية سنة ١٩١٧ شرع المسلمون في السعي للحصول على الاستقلال ، وعقدوا مؤتمرا عاما في مدينة أو فاسنة ١٩١٨ ،
وكان الشيخ عبد الرشيد في برلين ، وأراد الاشتراك في ذلك المؤتمر الذي انتظره سنين طويلة ، ولم يجد وسيلة للمواصلات إلا قاطرة ذاهبة إلى كييف لامر خاص فسافر فيها واشترك في المؤتمر
وكانت له رغبة ملحة في نشر الإسلام في بلاد اليابان ، وقد زارها منذ ٣٥ عاما ، واتخذ له أصدقاء من عظماء اليابانيين ، ثم سافر إليها منذ اثنتي عشرة سنة ليتم ما بدأه من الدعاية للاسلام في أوائل هذا القرن ، ولم ينقطع عن الدعوة للاسلام حتى نفسه الاخير . وكان من اخص آماله بناء مسجد في طوكيو ، وقد فند رأيه هذا كثيرا لبعده عن اذهان كثير من الناس ؛ ولكن الله استجاب دعوته ومد في عمره ، فلم يمت إلا بعد ان رأي مسجدين عظيمين في مدينتين عظيمتين من المدن اليابانية
وإذ نكتب هذه النبذة عن حياة الفقيد الطويلة المفعمة بخدمات الإسلام ، نقدم اصدق عزائنا لاصدقائه من الأمراء والعظماء والعلماء ، وهم كثيرون في جميع البلاد . وندعو الله سبحانه أن يتغمده برحمته وغفرانه .

