الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 307الرجوع إلى "الثقافة"

الرحالة المسلم الكبير، الشيخ عبد الرشيد إبراهيم

Share

ورد إلينا من استانبول نعي الشيخ عبد الرشيد إبراهيم الرحالة العظيم في العصر الأخير . توفي إلي رحمة الله في ٣١ أغسطس سنة ١٩٤٤ بطوكيو عاصمة اليابان ، حيث كان يعمل فيها على نشر الإسلام منذ                                                             سنة 1932

ولد الشيخ عبد الرشيد بمدينة تارا في سيبرباسنة ١٨٤٦ ، وتلقي مبادئ العلوم في المدارس الإسلامية في روسيا

ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره سافر إلى الحجاز ليتضلع في العلوم العربية والدينية وظل فيها نحو عشرين عاما .

وصادف بعد هذه السنين العشرين الطويلة ، ان جاء نصر الدين آبتكين إلي الحجاز لإقامة فريضة الحج ، وهو من اغنياء سيبريا المشهورين ومن مواطني الشيخ عبد الرشيد ،

فأخذه معه إلي سيبريا وأسس له مدرسة بمدينة تارا؛ ولم تمض إلا سنون قليلة حتى ذاع صيته في سيبريا ، فبلغ محكمة اورنيورج الشرعية التي بمدينة أوفا ، وهي المحكمة الشرعية الوحيدة لمسلمي روسيا الشمالية ، أنشأتها الملكة كاترينا الثانية لغاية سياسية سنة ١٧٨٧ م ، فانتخب قاضيا فيها سنة ١٨٩١

شغل منصب القضاء نحو سنتين ، وقام بوكالة الإفتاء نحو ثمانية أشهر أثناء تغيب المفتي محمد بارسلطانف لأداء فريضة الحج . وما أن عاد المفتي من الحجاز حتى استقال الشيخ

عبد الرشيد من القضاء ، لاطلاعه في هذه المحكمة على نيات حكومة القياصرة الخفية نحو المسلمين فسافر إلى استانبول ، وطبع فيها ، بطريقة خفية ، رسالة في نقد السياسة الروسية مع المسلمين ، ونشرها في مسلمي الروسيا بطريقة خفية أيضا

والشيخ عبد الرشيد من أوائل مسلمي روسيا الذين شعروا بحاجة ملحة إلى الجرائد والصحف في السنين الأخيرة من القرن الماضي وأوائل القرن العشرين ، وكانت دولة القياصرة تمنع ذلك بكل الوسائل ، فسافر إلى بطرسبورح واستطاع ان يستخرج رخصة بإصدار رسائل موقوتة ؛

وكانت الغاية منها الوصول إلى نشر ما يشبه الجرائد . فجمع حوله جماعة من مثقفى عصره ، واصدر باللغة التركية القازانية رسالة بعنوان : " ألفت " ورسالة اخري بعنوان : " المرآة " وثالثة بعنوان : " فرياد " ) صيحة ( .

وفي الوقت نفسه أصدر باللغة العربية رسائل عنوانها : " التلميذ " وكانت هذه الرسائل تقوم مقام الصحف اليومية في ذلك العهد ، ولا تكاد تصدر حتى تتلقفها الأيدي وتختفي عن السوق .

ولما نال المسلمون قسطا من الحرية بعد سنة ١٩٠٥ على أثر انهزام الروس امام اليابان ، ووجد من المسلمين كتاب يقومون بشؤون الصحف اليومية والمجلات ، رأي الشيخ عبدالرشيد ان يقوم بالرحلات في البلاد الإسلامية واليابان التى لبث يفكر نحو نصف قرن في نشر الدين الإسلامي فيها . وسافر في سنة ١٩٠٧ إلى تركستان وسيبريا وبلاد المغول ومنشوريا ، وبلاد اليابان وقوريا ، والصين وسنغافورة ، وجزائر ما وراء الهند والهند وبلاد العرب . ولما عاد من اسفاره الطويلة إلى الآستانة سنة ١٩٠٩ كان الحكم قد تغير فيها

فنشر رحلاته في مجلدين كبيرين بعنوان : " عالم إسلام " واشتغل بالتحرير في مجلتي " معلومات " و " صراط

مستقيم " العلميتين

وكان الشيخ عبد الرشيد جم النشاط ، قوي البنية وقوي الإيمان بمستقبل الإسلام والمسلمين ؛ وكان له شأن في سياسة مسلمي روسيا ، وقد دافع عهم في كل المناسبات والظروف ،

وله مواقف مع حكومة الاتحاد والترقي في استانبول . وقد اشترك مع انور ورفاقه في حرب طرابلس . ولما قامت الحرب الكبرى سنة ١٩١٤ ذهب إلى جبهة القوقاز مع الجيش العثماني ، ثم ارسل إلي المانيا للاتصال بأسري المسلمين فيها ، فأرسل منهم طوابير إلى تركيا . ولما سقطت الدولة الروسية القيصرية سنة ١٩١٧ شرع المسلمون في السعي للحصول على الاستقلال ، وعقدوا مؤتمرا عاما في مدينة أو فاسنة ١٩١٨ ،

وكان الشيخ عبد الرشيد في برلين ، وأراد الاشتراك في ذلك المؤتمر الذي انتظره سنين طويلة ، ولم يجد وسيلة للمواصلات إلا قاطرة ذاهبة إلى كييف لامر خاص فسافر فيها واشترك في المؤتمر

وكانت له رغبة ملحة في نشر الإسلام في بلاد اليابان ، وقد زارها منذ ٣٥ عاما ، واتخذ له أصدقاء من عظماء اليابانيين ، ثم سافر إليها منذ اثنتي عشرة سنة ليتم ما بدأه من الدعاية للاسلام في أوائل هذا القرن ، ولم ينقطع عن الدعوة للاسلام حتى نفسه الاخير . وكان من اخص آماله بناء مسجد في طوكيو ، وقد فند رأيه هذا كثيرا لبعده عن اذهان كثير من الناس ؛ ولكن الله استجاب دعوته ومد في عمره ، فلم يمت إلا بعد ان رأي مسجدين عظيمين في مدينتين عظيمتين من المدن اليابانية

وإذ نكتب هذه النبذة عن حياة الفقيد الطويلة المفعمة بخدمات الإسلام ، نقدم اصدق عزائنا لاصدقائه من الأمراء والعظماء والعلماء ، وهم كثيرون في جميع البلاد . وندعو الله سبحانه أن يتغمده برحمته وغفرانه .

اشترك في نشرتنا البريدية