إن النضال بين الأضداد أمر راهن مستدام لا يدعو إلي الاستعجاب فضلا عن الاستغراب ، ومنه النضال بين الحقيقة والخيال - أعني الواقع والمتوهم - في الحكايات والقصص والرحل وتقييدات ) ١ ( السياحات ، والأخبار والآثار . وبعد أن ابتدع أبو بكر بن دريد فن الأخبار الخيالية التي عرفت بعده باسم " المقامات " ) ٢ ، وجاء بعده بديع الزمان الهمذاني بمقامانه ، فكانت أولى المقامات من حيث الوسم لا من حيث الرسم ، نضج فن السجع وتشقيق الكلام والتشديق في الخطب ، نصجا أخرجه من حيز الإطناب في البيان ، إلي صناعة لفظية ثقيلة على القلم واللسان والجنان ؛ وحينئذ ظهر أبو محمد الحريري بمقاماته ، وهي تصلح لأن تكون معجما لغريب الجمل قبل أن تكون تقييدا ) ١ ( لخيالي الرحل . ولما استفحل الخيال في هذا الفن من صناعة الكلام والأقلام ، هبت الحقيقة بل الواقع فشفن الخيال البغيض المقيت ، وانفض إليه رأسه ، ثم واثبه وساوره بمثل سلاحه - أعني السجع المصنوع المتكلف ، وإن كان محككا بعض التحكيك وهنالك نشأ " فن الزحل " في الآداب العربية ، وهي القصص
السجع الواقعي
إن إمام هذا الفن الطريف الجديد ، هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي الخوارزمي الأديب الملقب بالكامل المعروف أيضا بالزاوطاني نسبه إلي بلدة " زاوطا ( من
بطائح واسط ؛ كان والده محمد من أهل خوارزم " فقدم العراق وسكن تلك الناحية من البطائح ، وولد له ابنه هذا عبد الله بها ، ثم قرأ الأدب على أبيه وغيره ، وطلب العلم وسمع الحديث النبوي الشريف من أبيه وأبي سعد أحمد ابن على بن الموصلي وغيرهما ؟ وروي بواسط في سنة خمسمائة للهجرة ، وقدم بغداد في سنة " ٥١٠ " وروي بها شيئا ، وقرئ عليه بها شئ آخر من شعره وتصانيفه ، منها كتاب " الرحل " وهو جمع رحلة أي قصة واقعية ، وصف بهذه الرحل أخبار نفسه وسفراته والأحداث التي أصابته أو أصابت والده ، وعاد من بغداد إلي بلدته زاوطا فتوفي بها ، ولم تقف على تاريخ وفاته ، إلا أن في شعره ما يدل علي أنه عاش أكثر من سبعين سنة ، وكأنه على كونه معاصرا للحريري ومن أضرابه أهل الفضل الشائع ، أراد أن يصدم حياله بواقعه ، ويعارضه في سجعه وترجيعه . ونحن لم نر أحدا من المعاصرين الذين عنوا بتاريخ الآداب العربية ، تكلم على هذا الفن أو كتب فيه ، قال عماد الدين الأصفهاني في نعت الكامل أبي القاسم عبد الله : " وهو ذو الفضل الشائع والمنطق الرائع ، وكما للحريري المقامات فله الرحل بني كل رحلة منها على حادثة تمت ، أو نادرة اتفقت له أو لوالده ، وأودعها من غرائب الاستعارات ويديع الألفاظ وأبكار المعاني كل ما رق وراق ، وشاق القلوب وفاق ، وله " الفصول البديعة " التي أنشأها مواعظ فصيحة الألفاظ جزلة الكلام ، جزيلة الجدوي . وله رسائل غريبة ، ومصنفات عجيبة ، وسأورد منها ؛ فمن منظومه ما أنشدنيه أبو نصر بن حامد الزكوى ) ١ ( :
أطاع الهوي فاستعبدته المطامع
ومالت به نحو الحبيب النوازع
وكان تمادي البعد أنساه وجده
فهيج ذكراه الحمام السواجع
نوائح يبكي شجوها كل سامع
لهن وإن لم تجر منها المدامع
كتمت الهوى ما استطعت فازداد كثرة بقلبي حتي لم تسعه الأضالع
وهيهات ما عهد الصبا لي راجع
فقلبي في طبع الصبابة يافع
وتبني علي حالاتهن الطبائع
فوا كبدي ما لي أحن إلي الصبا
بغير مر الدهر أجسام أهله
قال العماد : " وأهدي إلي صدقة بن الحجاج مقدم زاوطا كتاب " الرحل " و " الفصول بخط الكامل الخوارزمي ، فطالعتهما وانتخبت من خطه ما أوردت منه
نبذة من رحلة من كتاب الرحل
" حفزني الاضطرار ، وأسلمني الاصطبار ، لأمر يجمع فرضين مفترضين ، وعرضين معترضين ، في حال يتمثل الاستحقاق مع سرعة اللحاق ، ويتصور الإخفاق في جنبات الاعتياق ، ووافق القدر ، اربعاء لا يدور في صفر ، المكروه للسفر ، والقمر عند انقضاء دوله ، قد برك بين القلب والشوله ، فقلت : العقرب النحس الأقرب ، وبعده القوس المبلد وللتعقيد مولد ، فقسمت وفكرت ، وقدمت وأخرت ، ثم مضيت واستخرت ، فوافقي صديق واخ شقيق ، فأنكر طيتي ، وأكبر خطبتي ، وقال : ولا تخاف السفر المعطبا ؟ مالك لا تلوي علي زاجر
بعلمه في الحكم أو جربا ؟
أمسى يحل القمر العقربا
آخر شهر حان أن يذهبا
أما سمعت القوم ممن قضي
ونهيه عن سفر الماء إن
لا سيما في أربعاء أتي
غير أبي أريد رجلا حالت جوائله ، واستقلت به رواحله ، وتخلت عنه شواغله ، وفارق واديه ، واخلى ناديه ، ومتى جنحت إلى الإقامة ، وقعت في الندامة ؛ فلما اعيته مصمما ، وتوجهت ميمما ، واصررت على العزيمة متمما ، اوسعنى وداعا ، وشيعني دماعا " . إلى ان يقول : " فلم ازل افري من الليل إهابه ، واقطع من النهار سحابه ، حتى تبدلت من ظهر الأورق ، بطن الزورق ، واعتضت عن ميثرة السرج ، مفترش المرج ) كذا ( ، وعن حكة الاخفاف سكة المجداف في بطيحة بعيدة ) الأطراف ( والجباب ، فسيحة الرحاب " . ثم يصف ضرب الحرامية - أي قطاع الطريق - له : " فإذا أنا بذئاب فاغرة ، وكلاب داغرة ، قد أحدقوا بي دون الرفقة ، واستداروا على استدارة الحلقة ، فقعدت قعود المحصوب ، والهدف المنصوب ، فما أقلعوا عني إلا وأنا غربال الإهاب ، معصفر الجلباب ، متصاعد الانفاس ، فاتر الحواس ، من طعنة تفور ، ودم يمور ، وعظم مكسور وجلد مقشور . .
قال : ومن نثره ما يجري مجري الأمثال : " أطوع من شأمي ، واصنع من رومي ، وأكل من خوارزمي ، واحيا كذا ( من نبطي ، واحسب من قبطي ، واجهل من هندي ، واطفي من صفدي ، واذكى من عربي ، وابخل من مغربي ، وأحلم من قرشي ، واعلم من حبشي ، والام من زنجي ، وأفتك من زيجي ، وأقبح من يمنى ، وأفطن من مدني
ووصف أصناف الحجاج فقال : " أقبلت أفواج الحجاج من الفجاج ، وقدمت وفود الرفاق من الآفاق :
المصري : إذا حدث أتحف ، وإذا سأل ألحف ، وإذا أخذ أجحف ، وإن خاطبك اسهاك ، وإن عاملك
داعاك . لا يزيدك في الدرة على الذرة ، ولا يبذل لك في الحسبة أكثر من الحبة
والمغربي : يملأ وعاءه ، ويخلي معاءه ، ويحفظ ذهبه . ويطيل سفيه
وتروقك من الشأمي قامته وتروعك عامته
وتعجبك عمامته ، وإذا سمته حبة قامت قيامته ، لا يستنكف ذو العقل ان يماحك في شري البغل ، ولا يأنف الشريف أن يستزيد الطاقة على الباقه .
قلت : ورحله وإن كانت مسجعة ، فيها كثير من الفوائد الأدبية والاعتبارات الاجتماعية ، ألا تري أن وصفه للحجاج نادر المثال في الآداب العربية ، على كونه قول إنسان واحد فلا يكون قولا فاصلا ، ولا حكما قاطعا ؟ !
) بغداد (

