فوجئت بالرد الذي نشره الأستاذ الرصافي وأنا بعيد عن القاهرة. وقد اتهمنا فيه (١) بأننا بدلنا أقواله (٢) ولم نكن أمناء في نقلها (٣) وبأنه استنتج من ذاك أننا لم نقرأ التعليقات قراءة مستنيرة بل مررنا بها مروراً خاطفاً، (٤) وبأن يداً خفية تحركنا (!!) (٥) وبأننا حاقدون عليه (٦) وبأننا نعرف آداب البحث والنقد والمناقشة لكننا ضربنا صفحاً عنها في تناول تعليقاته لسبب لا يعرفه (٧) وبأننا خلطنا بين آراء الفلاسفة
اليونانيين في وحدة الوجود، وآراء الزنادقة من متصوفة المشرق (٨) وبأن الغيرة الدينية هي التي أعمت بصائرنا عن الحق (٩) ثم ذكر أنه ليس متصوفاً، وطلب إلينا أن نسأل الذين يعرفونه ليثبت لنا ذلك (١٠) وأنه لا يدعو إلى شيء كما هوّلنا نحن بذلك لدى العامة (!) (١١) ثم ذكر أننا نتجنى على المتصوفة حين نتهمهم بميلهم إلى اللذائذ الجنسية الخسيسة وتحللهم من الشرائع والقوانين والآداب العامة. . . إلى آخر هذا التخبط
ونعود فنقول بأننا الآن بعيدون عن القاهرة. . . فليست أعداد الرسالة التي سفهنا فيها تعليقات الأستاذ الجليل تحت أيدينا لنرى مقدار ما شوهدنا أقواله، ما دام هو لم يجرؤ أن يقدم لنا دليلاً واحداً على هذا التشويه. وليست رسائل التعليقات تحت أيدينا كذلك، فقد أعطيناها لصديقنا الدكتور زكي مبارك
ليرى فيها رأيه (وذلك منذ شهر تقريباً) . . . ونحن نطمئن الأستاذ الرصافي على سلامة تفكير الجمهور من القراء في مصر وفي العالم العربي. . . لأنه جمهور لا يكتفي بأن يقال له إن كل ما ذكره دريني خشبة عن الأستاذ الجليل معروف الرصافي باطل ملفق ليصدق هذا القول. . . ويسرنا أن نعترف للأستاذ الرصافي بأنه صحيح أن يداً خفية تحركنا للرد عليه. لأنها يد الله التي تمحق
الباطل والمبطلين دائماً. الله الذي نتواضع في الإيمان به هذا الإيمان الفطري الساذج الذي لا يوقعنا في لغو اللاغين وتناقض المتناقضين، بعد أن بلونا من مثل ما يبلو أخونا الرصافي الآن ألواناً وألواناً. . .
إلا أنني لا أستطيع أن أسكت، حتى أعود إلى القاهرة بعد شهر أن شاء الله تعالى، دون أن أعرض على العقلاء في العالم الإسلامي كله جانباً من هذا الذي عاد الأستاذ الجليل معروف الرصافي فتحدث إلينا به في رده المتهافت، وذلك بخصوص استواء المتناقضات أمام الله لا أمام الناس:
لما كان الصوفية يقولون: كل ما وقع في هذا الكون فهو حق، وأنه لا باطل إلا المحال كما هو مذكور في رسائل التعليقات، تساوت عندهم المتضادات، فالشر كالخير، والضلال كالهدى، كلاهما حق، لأنه واقع، ولو كان باطلاً لما وقع، لأن الباطل هو المحال الممتنع الوقوع، ولكن هذا التساوي في المتضادات إنما هو بالنسبة إلى الوجود الكلي - أي إلى ذات الله - لا بالنسبة إلينا، فذات الله في رأيهم لا يصدر عنها الباطل، بل كل ما صدر عنها فهو حق، وهم يستدلون على ذلك بآيات من القرآن كما هو مذكور في رسائل التعليقات
. . . . . . . . . ولا بد أن الأستاذ خشبة قد قرأ كتاب التصوف الإسلامي للدكتور زكي مبارك واطلع على ما نقله عن الجيلي من أن الله هو الهادي وهو المضل، وأن الضال متحقق بصفة الضلال، كما أن المهتدي متحقق بصفة الضلال، وأنهما أمام الله سواء، كما هو مذكور في رسائل التعليقات أيضاً، وهذا صريح في أن تساويهما إنما يكون أمام الله، أي بالنسبة إلى الله، لا بالنسبة إلينا)
فما رأي العقلاء في العالم الإسلامي كله في هذا؟! لقد فزع الدكتور زكي مبارك (نفسه!) من الأخذ بهذا الضلال، وفزع منه على الأخلاق والقوانين والشرائع، فطمأنه الأستاذ الرصافي بأن التساوي إنما يكون أمام الله لا أمامنا نحن،
أي بالنسبة إلى الله لا بالنسبة إلينا. . . لأننا لا وجود لنا، لأن الوجود الكلي المطلق هو الله. . . إن الأستاذ الرصافي يطلب إلينا تفسير الآيات التي استشهد بها المتخبطون على لغوهم هذا، وهو يطلب إلينا ذلك ظاناً أنه يوقفنا أمام مشكل صوره له اضطرابه. ونحن نطمئنه، لأننا سوف نعود إليه،. . . ثم نسأله هل ينكر أنه ينكر البعث
كما يؤمن به المسلمون، وأنه ينكر القرآن كلام الله، بل هو كلام محمد ألقى في روعه أنه يقوله بلسان الله، وأنه لا معنى للعقاب والثواب والحساب إلا على الصور الجنونية التي زخرفها له وسواسه، وأنه ينكر الأدعية، ومنها الصلوات، لأنها لن تغير من قوانين (الوجود الكلي المطلق شيئاً) ؟!
وبعد. . . فهل صحيح أن الرصافي لم يدعنا إلى شيء؟! هل نسي ما علق به على ذلك المستشرق الإيطالي الجاهل؟ ألم يطلب إلينا أن نفيق؟! نفيق مم يا ترى؟! وإلى عود قريب إن شاء الله. . .
