منذ أسبوعين كتبت هنا مقالا لمت فيه القيادة الالمانية علي تشتيت قواتها في الأقطار النائية ، من أجل التشبث بكل شبر من الأرض ، بدلا من حشد الجيش الألماني للدفاع عن الوطن . كتبت تلك السطور في شئ من التردد ، وانا اخشى ان ألام على التعرض لموضوعات لا أحسنها ؛ ولذلك طالعت أمس بشئ من الارتياح ، في خطاب رئيس الحكومة البريطانية ، نقدا للخطة التي سار عليها زعيم النازيين ، في تشبثه بكل أرض وكل بلد غزاها ، وتعطيل جزء كبير من الجيش الألماني في البلقان وإيطاليا وبلاد البحر البلطي
وهكذا تتوارد الخواطر ، ويقع الحافر على الحافر .
واليوم أتجرأ مرة أخرى فأعالج موضوعا سياسيا بعيد الغور ؛ ولكني لا أظن أن الحافر سيقع هذه المرة على الحافر ، لأن المستر تشرشل قد أعلن رأيه في الموضوع ،
وبات من المعلوم أنه من أول دعاة الرفق بإيطاليا .
إن الرفق بالعدو المهزوم خلق من أنبل الأخلاق وأكرمها وخصوصا في حرب لا يسلم فيها احد الطرفين إلا بعد أن تنزل به الهزيمة الساحقة ، وحين لا يكون هنالك أي سبيل آخر سوى التسليم ؛ فلا شك ان من النبل بمكان عظيم ، ان تمد ذراعيك لعدوك المهزوم ، وقد خر صريعا تحت قدميك ، فتنهضه ، وتجلسه إلي جنبك . وتمسح عينيه بمنديلك ، وتربت على ظهره ، وتعطيه الماء ليرتوي والطعام ليشبع .
والرفق بالمهزوم من الأخلاق المتأصلة في نفوس كثير من البريطانيين ، وقد كان هذا الخلق سببا فى خلاف شديد بين فرنسا وبريطانيا حول معاملة المانيا بعد الحرب الماضية ؛ ولعله من الأسباب القوية في عدم التفاهم الذي سار حينا من الدهر بين الدولتين . وكان من جملة الأسباب
في نهضة ألمانيا النازية الحديثة .
وقد اشتهر البريطانيون بعاطفة الرفق ، فهم الذين انشأوا جمعية من أجل الرفق بالعجماوات ، فانتشر نفوذ هذه الجمعية في جميع انحاء العالم ، وعلمت الناس في مشارق الأرض ومغاربها أن يعطفوا على هذه الكائنات التي تؤدي للإنسان أجل الخدمات ، ولكنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها او الشكوي . ولا شك ان تأسيس جمعية الرفق بالحيوانات كان من أجل الأعمال الخيرية التي قام بها الإنسان .
وأرجو ألا يظن أحد في العبث حين أذكر الرفق بالحيوان ، وانا في صدد الحديث عن الرفق بإيطاليا ؛ وكل ما هنالك من وجوه الشبه بين الحالين ، هو أن العامل القوي في كليهما هو الشعب البريطاني . فلم تمض أشهر على هزيمة إيطاليا حتى سمعنا رئيس الحكومة البريطانية يعلن عطفه على الشعب الإيطالي ، ورغبته في أن يراه متبوئا مكانه اللائق به بين الشعوب . ثم قال في مناسبة أخري إنه لا يحس في قلبه بغضا للشعب الإيطالي . وفي أثناء هذا الصيف زار مستر تشرشل إيطاليا لكي يطلع على الأعمال الحربية ، التي كان من نتائجها غزو جنوب فرنسا ، كما زار الميدان الإيطالي نفسه ؛ وعند مغادرته إيطاليا وجه إلى شعبها كلمة ملؤها العطف والرعاية وشرح فيها معني الحرية والديمقراطية بعبارة تجمع بين البلاغة وصحة الأداء . فقال إن الديمقراطية هي حرية نقد الدولة ونظمها ورجالها ، وان يختار الشعب حكومته ويسقطها ، ويختار غيرها متى شاء ، وإن هذا هو النظام الذي يجب أن يسير عليه الشعب الإيطالي في حياته المستقبلة
ومنذ بضعة ايام عاد مستر تشرشل من زيارته لرئيس الولايات المتحدة ، وأعلن للعالم الخطة التى تنوي حكومتا الدولتين أن تنهجاها نحو إيطاليا ، وخلاصتها أن من
الواجب المبادرة ببذل كل مساعدة ممكنة لكي تنهض إيطاليا سياسيا واقتصاديا في أقرب فرصة . ومما ساعد علي انتهاج خطة الرفق بإيطاليا ، أن الألمان سلكوا خطة عدم الرفق بها ، فأنشأوا فيها ميدانا للحرب ، تعرضت فيه بلادها وقراها للتخريب والتدمير ؛ وكلما ارتحلوا عن مكان أخذوا معهم كل شئ قد يستفيد منه عدوهم ، وما لا يستطيعون أخذه أحرقوه أو دمروه . وهكذا رأت إيطاليا أن حليفتها بالأمس قد أصبحت ألد عدو لها اليوم ، فلم يكن لها مندوحة من أن تعلن الحرب على ألمانيا ، وأن تحشد البقية الباقية من جيشها لمحاربة العدو المشترك ، وأن يقف رجالها مع جيوش الحلفاء جنبا لجنب . ولا بد لنا أن نفترض أن قيادة الحلفاء اليوم تزود الإيطاليين بالذخيرة والعدة ، وقد أصبح الجنود الإيطاليون " رفقاء في السلاح " للبريطانين والأمريكين والبولنديين واليونان إلي آخر المجموعة المنوعة التي تحارب في إيطاليا اليوم . أما القلة الصغيرة من الإيطاليين التي ارتدت إلي الشمال مع الجيش الألماني ، وفضلت أن تتبع الزعيم موسوليني علي اتباع ملك إيطاليا وحكومتها الشرعية ، فان هؤلاء متبر ما هم فيه ، وباطل ما كانوا يعملون ؛ ويري الحلفاء أن أمرهم من التفاهة بحيث لا يؤثر في خطة الرفق التي لا بد من انتهاجها نحو إيطاليا اليوم .
كذلك قد ساعد على الرفق بإيطاليا أن قد تولت الحكومة فيها جماعات من الأحرار ، بعضهم كان منفيا مشردا عن وطنه ، وبعضهم كان اسيرا معتقلا في داره او في سجن من السجون الإيطالية ، قضى فيه اعواما طوالا ، لا لسبب سوى انه عدو للنظام الفاشستي ، اي انه كان عدوا للفاشية قبل ان تعاديها دول الحلفاء ، وأشهر عليها الحرب بسنان قلمه أو بلسانه قبل ان يفكر الحلفاء . في محاربتها ، بل لعل الحلفاء ، كانوا في ذلك الوقت منهمكين في مسالمتها ومداراتها . ولهذا السبب يعد كثير من اعضاء
الحكومة الإيطالية اليوم من جملة الحلفاء . ومن أجل هذا لا نجد غرابة في أن حكومة روسيا بادرت بالاعتراف بحكومة روما ، وارسلت مندوبا سوفياتيا فوق العادة إلى هناك
وهكذا نري أن عوامل كثيرة قد اشتركت في إملاء سياسة الرفق بإيطاليا ؛ وليس اقل هذه العوامل شأنا ان الشعبين البريطاني والإيطالي تربطهما صداقة قديمة ، وان كثيرا من البريطانيين بعد إيطاليا وطنه الثاني ، حيث ينعم بالهواء الجميل الذي لا يجد له نظيرا في بلده ، والترحيب الحار ، والنبيذ الجيد في جميع ساعات الليل والنهار وكذلك الفرنسيون يعطفون على إيطاليا ويحبونها ، وعلى الرغم من بغض الفرنسي لمغادرة فرنسا ، فإنه مع ذلك إذا اغترب ، طلبا للنزهة او لقضاء شهر العسل ، قلما يقصد بلدا غير إيطاليا . فلا بدع إذن من ان يكون الرفق بإيطاليا رائد الحلفاء في خطتهم بعد أن انتهت الحرب بالتسليم " بلا قيد ولا شرط " ، وبعد ان اصبحت إيطاليا رفيقة ؟ في القتال بعد أن كانت عدوة
ظاهرة العطف على إيطاليا إذن ظاهرة مفهومة إلي حد بعيد ! وحاشا لنا نحن المصريين ان نقدح في تلك السياسة ، على الرغم من ان القنابل الإيطالية الطائشة قد ألقيت على مدننا وقرانا ، ففتكت بالأبرياء الذين لا ناقة لهم في الحرب ولا جمل ، وشردت عددا كبيرا من سكان المدن ، وخربت مئات من المساكن . وقد لا يكون هذا كله أمرا ذا خطر ، ولكننا مع ذلك يحق لنا أن نصغي لما يقوله الفريق الآخر ، الذي يري ان خطة الرفق قد تذهب إلي مدى ابعد مما ترمي إليه ، أو قد تقصر عن بلوغ الهدف تقصيرا اليما ، ويري ان من الصعب ، بعد نيف وعشرين عاما من الحكم الفاشي العنيف ان تمحي آثاره من النفوس بين عشية وضحاها ، لا بمعجزة من المعجزات ، بل فقط باستعمال الرفق
لقد أعلن موسوليني غير مرة أن لديه ثمانية ملايين من الحراب يوجهها إلي تحقيق أي مأرب تطمح إليه الفاشية . وسواء أكانت هذه الملايين من الحراب ثمانية أو أكثر أو أقل ، فإنه لاشك في أن شطرا كبيرا منها قد نشأ في حجر الفاشية ، وتغذي بلبانها ، وتشرب روحها . وإذا كانت سبعة أعوام من الحكم النازي قد قلبت ألمانيا رأسا على عقب ، فإن عشرين عاما من الحكم الفاشي قد أثرت من غير شك تأثيرا بليغا في نفسية الشعب الإيطالي . لقد كان زعيمهم يقف أمام تلك الحراب - أو أمام جزء منها ويصيح لمن الأرض أيها الأبطال ؟ فيجيء الرد كالرعد القاصف : " للفاشستي " ! ولمن البحار ؟ ولمن الهواء ؟ كل هذا للفاشستي ! ذلك هو نوع الغذاء الذي كان يتغذي به الشباب الإيطالي عشرين عاما كاملة ، في الأندية والمجتمعات ، وفي المحافل ومعاهد العلم ؛ ولم تكن هذه الصيحات مجرد أنفاس تتصاعد في الهواء ، وتظل في الهواء ، بل كثيرا ما تحولت إلى طغيان وعدوان . فهي التي تمثلت في احتلال جزيرة كورفو في أول العهد الفاشستي ؛ وهي التي دقت أول مسمار في نعش عصبة الأمم ؛ وهي التي ألقت بالشيخ الفاني عمر المختار من الطائرة لكي يستشهد على هذه الطريقة المبتكرة ؛ وهي التي بعثت الجيوش للقضاء على استقلال الحبشة وأمطرتها وابلا من الغازات السامة ؛ وهي التي سطت على ألبانيا في يوم الجمعة المقدسة ، لكي تبدي سخريتها بالديانة المسيحية وتعاليمها .
وفي النهاية لم تهدأ هذه الروح الفاشستية حتى اشتركت مع ألمانيا فيما سموه " المحور " . ثم زجت بالشعب الإيطالي في حرب ضروس تحرق الأخضر واليابس ، وتضرم في النفوس روح البغضاء والعدوان . فهل يزول هذا كله لمجرد سلوك خطة الرفق ؟ إن الذين يجيبون بنعم قد يحسنون صنعا لو ذكروا أن " المحور " - وفيه
إيطاليا - لم يكن بينه وبين الفوز سوى قيد شعرة أو شعرتين كما اوضحنا في المقال الماضي ؛ فأي مصير كان يساق إليه العالم ؟ وأي رفق يرجوه من المحور لو انه تم له النصر في العلمين وفي ستالينجراد ؟
لسنا بحاجة لأن نتعمق في الرد على هذا السؤال ، ولكنا نذكر أن إيطاليا قد دخلت هذه الحرب فأطالت امدها ، ووسعت أفقها ، ومكنت الألمان من ان يبسطوا سلطانهم فترة من الزمن على البحر المتوسط ؛ وكان بحرا يسوده الأمن والسلام حتى دخلت إيطاليا الحرب ، وحتي اخذ ابناؤها يشنون الغارات في ليبيا وفي البلقان ، ويسفكون الدماء .
وسينادي أصحاب خطة الرفق بأن ذلك كان من عمل الحكومة الفاشية وزعيمها الطاغية . ولكن من الإنصاف أيضا أن نذكر أن الشعب الإيطالي كان يطيع زعيمه طاعة عمياء ؛ بل يقتضينا الإنصاف أيضا أن نقرر أن الكثرة العظمي من الشعب الإيطالي كانت تحب زعيمها حبا يقرب من العبادة . وكلنا قد أحس هذا الحب للزعيم ولمذهبه في كل مناسبة جمعتنا بالإيطاليين في مصر أو إيطاليا أو في غيرهما من الأقطار . ولعل السبب الأكبر في حب الشعب الإيطالي لزعيمه أن الحكم الفاشي لم يكن شرا كله ، بل كان مزيجا من الخير والشر . وقد أمكنه أن يجتذب الجماهير بما أثاره من الضوضاء ، وكذلك بما قام به من أعمال في الإصلاح والتعمير لا سبيل إلي جحودها ولو أن إيطاليا أصغت إلي صوت العقل ولم تشترك في الحرب ، لكانت دعائم الحكم الفاشستي اليوم أقوي وأثبت مما كانت في أي وقت من الأوقات . ولكان أنصاره في الشعب الإيطالي أكثر عددا وأجل خطرا . غير أن الحكومة الفاشية دخلت الحرب ، وباءت بالهزيمة والفشل . ومن الصعب أن نتوهم ان الهزيمة وحدها كفيلة بمحو روح العدوان والبغي التي غرست في النفوس من قبل .
نادي بعض الوزراء الإيطاليين في الحكومة الجديدة بأن من الواجب أن ترد إلى إيطاليا مستعمراتها كاملة غير منقوصة ؛ وتواضع البعض الآخر فنادي برد المستعمرات ماعدا بلاد الحبشة وجزر بحر اليونان ، التى يجوز ان ترد إلى اصحابها . أما ليبيا التي شنت منها الحرب على مصر ، والتي اريد منها ان تكون طريقا لغزو الشرق الأوسط والهند ، واما ارتريا وبلاد الصومال والبانيا فيجب ان ترد إلي إيطاليا
ونحن لا نريد أن نتعرض لبحث أمر المستعمرات الإيطالية السابقة ، وكيف يتصرف في أمرها على احسن الوجوه وأفضلها ، ولكننا نلاحظ أن العقلية الاستعمارية متأصلة في قلوب الأحرار الإيطاليين ، كما كانت متأصلة في قلوب الفاشستيين ؛ وان الهزيمة التامة التي منيت بها الجيوش الإيطالية لم تمح تلك الشهوات من النفوس . ولم يستطع قادة إيطاليا الجديدة أن يدركوا أن في العالم روحا جديدة تبغض التملك والاستعمار ، وأن فكرة إخضاع شعب لشعب آخر من الأفكار العتيقة البالية ، وأن من الظلم أن يسمح للشعب الإيطالي بأن يحتل بلادا عربية أو حبشية ، وأن يحشد فيها الزراع والصناع الإيطاليين لينتفعوا بخيراتها دون أصحاب البلاد الأصلين . لقد أدرك قادة الرأي في الأمم الكبيرة أن من العبث أن يحاولوا نشر العدل في أوربا والظلم في آسيا وإفريقية ، وان تكون سياسة الدول الكبرى مبنية على الفضيلة في القارة الأوربية والأمريكية وعلى الرذيلة في غيرها من القارات ! فهل يدرك قادة إيطاليا هذه الروح ، وهل يستطيعون أن يبثوها في نفوسهم ونفوس أبناء وطنهم ؟
إن خطة " الرفق " خطة حميدة من غير شك في جملتها ؟ وقد عرضنا من وجوه النظر ما لها وما عليها ، وجدير ممن ينفذون تلك الخطة ان يدركوا انها ليست خالية تماما من التعقيدات والملابسات
