سبق لكاتب هذا المقال ان تحدث ، في بعض المقامات ، عن ( الحرب في الاسلام ) ، وابان أمها ، في مجموعها ، حرب دفاعية لا نبي فيها ولا عدوان . ولا محل لإعادة شئ من هذا الآن . على أن هناك قصة صغيرة وقعت في ذلك الحديث لا نرى بدا من الاشارة إليها هنا لاتصالها اتصالا وثيقا مما يساق له هذا المقال :
وهذه القصة الصغيرة أن أبا بكر الصديق , رضي الله عنه ، حين خرج يتبع اسامة بن زيد ، قائد أحد جيوشه في بعض المغازي ، جعل يوصيه وصحبه بما يأخذون وما يدعون في حربهم للأعداء ؛ فكان مما اوصاهم به الا يمثلوا ، ولا يخربوا عامرا ، ولا يعقروا شاة ولا بعيرا ، ولا يحرقوا شجرة مثمرة ، ولا يتبعوا موليا ، ولا ينالوا بالأذي طفلا ولا امرأة ولا شيخا ولا مترعبا تجرد في عبادة الله . ولا يستصفوا من المال إلا ما هيأ العدو لحربهم!
وما كان خليفة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ليوصي أمراء جنده ، وهم على شرف الحرب ، إلا بحكم الاسلام ، وما كان لياخذهم ، وهم مقبلون على الحرب ، إلا بأدب الاسلام .
واليوم لقد أوفى لي القدر الكريم أن أرسل النطر في بعض كتب الأدب ، حتى اعترنى على كتاب من امير المؤمنين عمر بن الخطاب إلي سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنهما ، وقد ولا ء إمارة الجبش في حرب فارس .
ولقد يكون هذا الكتاب قد وقع لي من قبل ؛ ولكنه لم يبلغ مني ما بلغ اليوم وليس عجبا ان يقع للمرء
ذلك في الشئ الواحد ، فان اختلاف الظروف والملابسات وجدة الأحداث ، مما يغير النظر إلى الأشياء ، ويبدل الحكم عليها ، وقد يغلي من قدرها ، ويقدر لها من القيمة ما لم يكن يخطر للمرء من قبل على بال !
ولست أورد هذا الكتاب كله ، فهو طويل لا يتسع له هذا المقال ولكن اورد منه ما هو بموضوعنا الصق ، وبالغرض منه أشكل
وقد جاء في صدر الكتاب : " أما بعد ، فاني أمرك ومن معك من الاجناد بتقوى الله على كل حال ، فان تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب . وأمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فان ذنوب الجيش اخوف عليهم من عدوهم . وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة ، لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فان استوينا في المعصية ، كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا تنصر عليهم بفضلنا لم تغلبهم بقوتنا " .
هكذا يبدأ امير المؤمنين وصائه لعسكره المقاتلين ، بالأمر بتقوى الله تعالى ولزوم طاعته . ولاريب في أن من طاعة الله اجتناب ما نهي عنه من التمثيل بالعدو ، وتخريب دورهم ، وعدم الرفق بأطفالهم ونسائهم وشيوخهم ، وتقتيل دابتهم ، وطلب هاربهم لقتله أو لاسره ، وغير ذلك مما مر عليك من وصاة الصديق عليه السلام .
اليس من اعجب العجب ، وخاصة في زماننا هذا ، ان تصدر هذه الوصايا إلى جيش لا شك في انه يلقى عدوا
يؤمن اشد الايمان بأن من ابلغ العوامل في نصره وقهر عدوه ، هو اجتهاده في كل هذا الذي نهى عنه خليفة الاسلام ؟ !
أليست الحرب نارا تصلى ، ودماء تسفح ، وأموالا تغنم ، وبلادا تدوخ ، وأرضا تملك ، وأوطانا إما أن يجلو عنها أبناؤها أو يعيشوا في ظل الاستكانة والهوان ؟ إذا فلتغلظ الكبود ، ولنفس القلوب ، فلن نجد الرحمة إليها السبيل ، ولو لإضعاف الروح المعنوي في الشعوب كما يظنون ؛ .
على أن الإسلام ، مع هذا ، يأبي إلا الأخد بالرحمة ، والمبالغة في الرقة لغير الصائلين المناجزين فإن تسألني عن العاقبة ، عاقبة تلك الحرب التي تلقى فيها جند المسلمين هذا الكتاب ، أو علي التعبير الأدق هذه الأوامر من امير المؤمنين ، فان موقعة القادسية تنبيك بأصدق الجواب . فان انتصار الجيش الاسلامي فيها كان حاسما . وكان من اثاره ان دخلت في ملك الاسلام تلك الامبراطورية التى ظلت مبسوطة السلطان على شرق الأرض الاف السنين . والعاقبة للمتقين . صدق الله العظيم!
وبعد ، فلا يتعاظمنك ان يكون من ابلغ أسباب ذلك الفتح المبين ، هو ما ينضح به الاسلام من الرحمة قلوب المؤمنين ! .
ثم انظر ، ياسيدي القارئ كيف يقول امير المؤمنين في هذا الكتاب . وإن ما يقول لحقيق بأن مجرد له اقصي ما عندك من تدأر وتفكير !
يقول بعد كلام في مكابد الحرب وما إلى ذلك " وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة ، حتى تكون لهم راحة يحبون فيها انفسهم ، ويرمون اسلحتهم وامتعهم ، ومع منازلهم عن قري أهل الصلح والذمة ، فلا يدخلها
من أصحابك إلا من تثق بدينه ، ولا برزأ أحدا من أهلها
شيئا ، فان لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها ، فما صبروا لكم فتولوهم خيرا " .
اسمعوا . اسمعوا كيف يقول أمير المؤمنين أيضا : " ولا تستنصروا علي أهل الحرب بظالم أهل الصلح "
وتالله ، ما سمع بأعدل من هذا ولا أحكم ، ولا أرفق ولا ارحم ! بأمر خليفة الاسلام جنده في مسيرهم للقاء العدو بأن تكون منازلهم بمعزل عن القري التي ليس لأهلها شأن بالحرب ، حتى لا ينالهم ضيق ولا رهق بمنزلهم فيهم وحلولهم بينهم بل إنه ليأمر بألا يؤذن لأحد من العسكر بدخول هذه القري إلا لمن يكون موثوقا بدينه ، فلا تمتد يده إلى ما ليس له بحق ، ولا ينحدر بصره إلى ما ليس له محل . وهذه هي الذمة التي عقدت في عنق السلم لا يحله منها إلا الوفاء ، والتجافي عن البغى والاعتداء ، مهما يكن جنس القوم ومسلتهم ، ومهما يكن دينهم ونحلتهم وكذلك يؤمر المسلم بالعفة والرفق ، ولو كان في طريقه إلى هدم البنية وسفك الدم .
وأما الآخر فأنقي وأورع ، وأعظم وأروع : " ولا تستنصروا علي أهل الحرب ، بظلم اهل الصلح " .
لست أظن ، يا سيدي القارئ ، أنك شهدت فيما شهدت ، أو سمعت فيما سمعت ، أو قرأت فيما قرأت ، أن عفة وصلت إلي هذا الحد ، وان نزاهة بلغت هذا المدي ، وأن كرما طاول هذا الكرم. أما التضحية في هذا الذي يأمر به خليفة المسلمين جنده المحاربين ، فما لم يسمع بمثله الأولون ولا الآخرون ؛
الحرب للأمم مسألة حياة أو موت ، وغنى أو فقر ، وعن وفخار ، أو ذل وطار . واستمكان من السلطان ، أو خروج من الأوطان ، وإلا ضربت المسكنة وحق الهوان .
الهم إن الحرب هي كل أولئك ، وهي أكثر من كل أولئك ومع ذلك يأنف الإسلام أن يظفر فيها إذا كان من وسائل هذا الظفر ظلم من لم يكونوا من جنانها ، والسعى على من لا يريدون بأهله شرا ، ولا يضمرون لهم العدوان
اذا فالحرب في حكم الاسلام , ككل شئ , لا تبتغى
هذا هو ادب الإسلام في حروبه ، وهذه هي قوانينه وتقاليده . فهل اطلع احد في العالم على مثل هذه الأداب ؟ او جازت بسمعه في رواية او بنظره في كتاب ؟ إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب .
