كان الضي في يذرع الغرفة ذاهبا آبيا ، محدثا نفسه : - تري لم أقدمت على هذا الرهان ، وما فائدتي منه ؟ المحامي يخسر خمس عشرة سنة من حياته ، واذا اقدم مليوني دون مقابل ؛ أفهل يقنع هذا الناس بأن عقوبة الاعدام شر من السجن مدى الحياة ، أو خير منه ؟ كلا ، كلا ! فهذا كله لغو من القول وهمل باطل ، لم يكن في الامر إلا انه مخرج لهوي جامع متقلب ، يغذيه الثراء والترف . أما المحامي فقد كان يدفعه الشره العظيم لنيل المليونين
وكان يستعيد ذكري تلك الوليمة ، والحوادث التي تلتها ، فقد تقرر أن يكون سجن المحامي غرفة في جناح من منزل الصيرفي ، قريب من الحديقة ، وان يراقب مراقبة شديدة ، وتم الاتفاق علي ان يحرم اجتياز عتبتها طيلة تلك السنوات ، كما يحرم رؤية الناس وسماع اصواتهم ، وتسلم الرسائل والصحف . ولكنه سمح له بقراءة الكتب وتحرير الرسائل وشرب الخمر وتدخين التبغ ، وان يكون لديه آلة موسيقية
وهكذا كان له الحق ، بموجب العقد ، في أن يتصل بالعالم الخارجي ويخابره ، ولكن في صمت ، وذلك بواسطة نافذة صغيرة فتحت خصيصا لهذه الغاية ، يصله منها كل ما يحتاج إليه من الكتب وقطع الموسيقي والخمر ، إذا طلب ذلك في مذكرة ، وبعث بها من النافذة . وقد نص الاتفاق أيضا على جميع التفاصيل الدقيقة ، التي جعلت من سجنه عزلة تامة ، كما فرض عليه البقاء فيه خمس عشرة سنة كاملة ، من الساعة الثانية عشرة ، أي
عند منتصف ليلة اليوم الرابع عشر من شهر نوفمبر من سنة ١٨٧٠ ، إلى مثل تلك الساعة من مثل ذلك اليوم من سنة ١٨٨٥ . وقد جاء فيه ايضا ان ادني محاولة يأتي بها المحامي السجين للخروج على شروط الاتفاق ، كأن يهرب قبل الوقت المعين ، ولو بدقيقتين ، تجعل الصيرفي في حل من دفع المليونين له .
كانت المذكرات التي كان المحامى يبعث بها ، في السنة الأولى من سنتي سجنه ، موجزة تدل على عظم ما يقاسية من العزلة والكلال . وكان ينبعث من غرفته صوت البيان ليل نهار . وكان يرفض الخمر والتبغ . وقد كتب يوما في إحدي تلك المذكرات يقول : " إن الخمر تهيج الشهوة ، والشهوة ألد أعداء السجين ، ثم إنه لا شئ ادعي إلي الملل والمضايقة من أن يشرب الانسان جيد الخمر ، وهو في عزلة " كما ذكر في غيرها أن دخان التبغ يفسد الهواء في الغرفة . وكانت تصله ، أثناء تلك السنة كتب لا تكلف قراءتها كبير عناء : من قصص غرام أو خيال أو جرائم ، إلي روايات مضحكة إلى غيرها
وفي السنة الثانية انقطع صوت البيان ، ولم يطلب السجين من الكتب إلا القيمة . ثم عاد إلي الموسيقى في العام الخامس ، وصار يطلب الخمر . وقد قال مراقبوه إنه اقتصر عمله ، في تلك السنة ، على الاكل والشرب والاضطجاع فوق فراشه ، وإنه كان يتثائب كثيرا ، ويخاطب نفسه في غضب ، وإنه لم يقرا كتابا واحدا ، بل كان في بعض الليالي يقضي ساعات طوالا وهو يكتب ، حتى إذا جاء الصباح مزق ما كتب ، وإنه سمع يبكي مرات عديدة .
وفي النصف الثاني من العام السادس ، أخذ السجين
يدرس اللغات والفلسفة والتاريخ ، وأ كب على ذلك في حماس وشره ، حتى لم يعد الصيرفي يجد الوقت الكافي لموافاته بجميع ما يطلب . فقد ابتاع له نحوا من ستمائة كتاب في أربع سنوات وفي أحد الأيام تسلم منه الرسالة التالية :
" سجاني العزيز :
" أكتب إليك هذه الأسطر في ست لغات فاعرضها على الخبراء ليقرأوها ، فان وجدوها خلوا من الغلط . أرجو منك أن تأمر بإطلاق عيار ناري في الحديقة ، لأعرف أن جهدي لم يضع سدي . إن نوابغ الرجال في كل قطر وزمان ، يتكلمون لغات مختلفة ، ولكن شعلة واحدة تلتهب فيهم جميعا . كم أتمنى لو كنت تدرك مبلغ السعادة السماوية التي اشعر بها ، حين اجدني قادرا علي فهم ما يقولون : " .
تحققت رغبة السجين ، وأطلق في الحديقة عياران ناريان .
وبعد السنة العاشرة ، كان يجلس إلي الطاولة بلا حراك ، ويقرأ " العهد الجديد " ولا يقرا شيئا سواه . وكم كان يستغرب الصيرفي كيف ان الذي يستوعب ما في ستمائة مجلد من غزير العلم في اربع سنوات ، يقضي ما يقارب العام في قراءة كتاب صغير الحجم يسير الفهم . وبعد ذلك انتقل إلي دراسة تاريخ الأديان وعلم اللاهوت .
ولما كانت الليلتان الأخيرتان من مدة سجنه ، كان عظيم الانصباب على القراءة ، ولكنه كان يقرأ كيفما اتفق له ذلك ؟ فكان يعكف حينا على علوم الطبيعة . وحينا ينصرف إلي بيرون او شكسبير . وكانت ترد منه مذكرات يطلب فيها كتبا في الكيمياء والطب أو قصة أو رواية ، أو أطروحة في الفلسفة أو اللاهوت
وكان يقرأ ، وكأنه يعوم بين ما تفكك من اوصال سفينة حطمتها العواصف والأمواج ، فيمسك بالواحد منها بعد الآخر ، وكل همه ان يتخذه وسيلة إلى النجاة من الغرق
ظل الصيرفي يذرع الغرفة ، وظلت هذه الذكريات تطوف به . ثم قال في نفسه : " غدا ، عند الساعة الثانية عشرة ، يستعيد السجين حريته ، وعلى ان انقده المليونين كاملين . وإني - إن فعلت ذلك - مضيع كل مالي بلا رجعة أبدا . ثم رفع يده ، واطبق بها على رأسه بشدة ، وقال : " تبا له من رهان ؛ لم لم يمت مراهنى ؟ وبلاء ) إنه لا يزال في الأربعين من عمر ، سيأخذ مالي إلي آخر كوبيك منه ، فيتزوج وينعم باله ، وينزل
إلي ميدان التجارة فيتاجر و يقاص وانظر أنا إليه نظرة السائل الحسود ، وأسمع منه كل يوم قوله : " إني مدين لك بهذا كله . فهل لي ان امد يدا إليك ؟ " وهنا أخذت الصيرفي الحدة ، فصاح : " كلا ، إن هذا لا كثر مما ينبغي : إن هذا لن يكون ثم إنه لا مفر من الإفلاس والعار ، إلا أن يموت ذاك السجين
كانت الساعة قد دقت ثلاثا ، والصيرفي مصغ وقد نام كل من في المنزل ، ولم يكن يسمع سوى صوت الأشجار ، وقد عصفت بها الريح الباردة ، فأخذت تئن . دنا من الخزانة الحديدية . وفي اقل ما يستطاع إحداثه من الصوت ، فتحها ، واخرج منها المفتاح ، مفتاح ذلك الباب الذي ظل مقفلا خمس عشرة سنة . ثم لبس معطفه وخرج من المنزل . كانت الحديقة مظلمة باردة ، وكان المطر يساقط ، وكانت الريح الرطبة النفاذة تهب مسعولة ، فتحرم الاشجار راحة الهجوع حدق الصيرفي النظر جهده ، فلم ير الأرض أو الأشجار ، ولا التماثيل البيضاء القائمة في الحديقة ،
ولا ذاك الجناح من منزله الممتد فيها . ولما دنا . من موضع الحارس ، ناداه مرتين ، فلم يسمع جوابه ، فقال في نفسه : لابد أن يكون قد فر من وجه الطبيعة المكفهر ، ولجأ إلي المطبخ يطلب الدفء أو إلي الكوخ يريد النوم .
تأمل الصيرفي قليلا ثم قال في نفسه : إذا كان لي من الشجاعة ما احقق به هذه الرغبة ، وقدر لعزمي هذا ان ينفذ ، فالحارس أول من تقع عليه الشبهة في الامر ! ثم سار وأخذ يتحسس الدرجات والباب تحت جنح الظلام . واجتاز قاعة ذلك الحناح إلي باب الغرفة التي فيها السجين . وهناك أشعل عودا من الثقاب ، فرأي اختام الشمع على حالها لم تفض . وعندما انطفا العود ، استرق الصيرفي النظر من النافذة الصغيرة ، وكان يرتعش من شدة انفعاله ، فرأي في الغرفة شمعة تتقد ، فينبعث منها ضوء خافت ، ورأي السجين جالسا إلى الطاولة . ولكنه لم يستطع أن يتبين منه سوي الظهر وشعر الرأس واليدين أما الكتب فقد كانت مفتوحة مبعثر على الطاولة والكرسيين والبساط
مرت دقائق خمس ، والسجين لا يأتي حراكا . فقد علمته عزلة خمس عشرة سنة كيف يجلس دون حراك . نقر الصيرفي بإصبعه على النافذة ، ولكن السجين لم يجب بحركة . ثم انصرف إلى اختام الباب ، ففضها في حيطة وحذر ، وأولج المفتاح ، ولما اداره صدر عن المزلاج الصدىء صوت كالأنين الابح . ثم كان لحركة الباب صرير وكان يتوقع انه سرعان ما يسمع صرخة الدهشة . او وقع الخطي . ولكن مرت دقائق ثلاث ، والهدوء شامل أرجاء الغرفة ، كما كان يشملها من قبل ولذلك عقد الصيرفي النية على الدخول .
دخل الغرفة ، فرأي قبالة الطاولة رجلا ليس كالعادى من بني الانسان . كان المحامي السجين هيكل عظام التصق
بها الجلد مشدودا ، وعلى رأسه شعر طويل ملتف كشعر النساء ، وكانت لحيته كثة ، ووجهه اصفر مشوبا بلون الرماد ، وخداه غائرين ، وظهره كثير الاستطالة . كان جالسا ، ورأسه الأشعر يستند إلي يده الهزيلة العجفاء التي تبعث الألم في نفس رائيها . وكان شعره قد أخذ يخيطه الشيب ، وكان في وجهه من هزال الشيخوخة ما لا يسمح لأحد بأن يصدق أنه لم يجاوز الأربعين سنة .
دنا الصيرفي من سجينه ، فرأي على الطاولة امامه ، وتحت رأسه المحني ، ورقة عليها كتابة بحروف دقيقة نظر إليه ، وقال في نفسه هذا هو الشيطان المسكين . إنه نائم ،ولعله يري مليوني في نومه . ليس على إلا ان احمله ، وهو شبه ميت على هذه الحال ، فاطرحه على الفراش ، واخنقه بالوسادة في مثل لمح البصر . ومهما دق الفحص بعد ذلك فلن يسفر عن أمر سوى أن الموت كان طبيعيا . ولكن قبل تنفيذ العمل ، دعني اقرا ما خطه في هذه الورقة .
ثم تناول الورقة ، فإذا فيها : غدا ، في الساعة الثانية عشرة ، عند منتصف الليل ، سأنال حريتي ، ويكون لي حق الاختلاط بالناس ولكني أري ان من الضروري ، قبل مغادرتي هذه الغرفة ، وقبل ان اري الشمس ، ان أكتب إليك بضع كلمات إني أصرح لك ، مقسما بضميري ، أمام الله ، انني احتقر الحرية والحياة والصحة ، وجميع الأشياء التي تدعوها كتبك بركات الدنيا
" لقد درست الحياة الدنيا في جسد ومثابرة ، طيلة خمس عشرة سنة . نعم ، إنني لم ار الأرض ولا بني البشر عليها ، ولكني شربت من كتبك خمرا عطرة ، وغنيت فيها الأناشيد ، وطاردت الظباء . وفي كتبك احببت النساء ، وزارتني منهن الجميلات ليلا ، وكأنهن سحب الأثير ، إذ خلقهن سحر نوابغ الشعراء ، فهمسن في أذني
اقاصيص عجيبة جعلت راسي مثقلا ، مثل فعل الخمر . وفي كتبك صعدت إلي ذري البرز والجبل الأبيض ، فرأيت منها كيف تشرق الشمس في الصباح ، وتخضب السماء والمحيط والروابي بذوب من الذهب عند الأصيل ، وكيف تلمع البروق وتخطف ، فتنشق لها دكناء الغيوم . ورايت الغابات الخضر ، والحقول والأنهار ، والبحيرات والمدن . وفي كتبك أصغيت إلي عرائس البحر يغنين ، وسمعت صوت مزامير كبير الآلهة ، ولمست أجنحة جميلة رفرفت بها حولي ملائكة الحجيم ، وهي تحدثني عن الله وفي كتبك ألقيت بنفسي في هوي سحيقة ليس لها قرار وانيت بالمعجزات ، واحرقت المدن حتى غدت أثرا بعد عين . وفيها بشرت بأديان جديدة ، وخضعت ممالك لسلطاني
" كتبك أعطتني الحكمة . وكل ما أبدعه الفكر البشري الكدود ، على مر العصور ، قد اجتمع لي في كتلة صغيرة قد احتوتها هذه الجمجمة التي يحملها كتفاي . اني لأعرف انني اعلم منكم جميعا . غير أني أحتقر كتبكم وما تدعوه بركات الحياة الدنيا . كل شئ باطل واهن ، وهي غرار كالسراب . وإنكم ، على رغم زهوكم وحكمتكم وجمالكم ، ليمحونكم الموت من على وجه الأرض ، كما تمحي تحته الجرذان . أما خلقكم وتاريخكم وخلود نوابغكم ، فأمور اشبه ما تكون بالنفايات ، وستأكلها النيران وتفني . إنكم حمقى ضالون ، تحسبون الباطل حقا والقبح جمالا ، يامن اسأتم المبادلة فأخذتم الأرض وأعطيتم السماء . إنني لا أريد أن أفهمكم .
" وإني ، رغبة مني في أن تدركوا كيف أحتقر ذلك الذي به تحبون ، اتخلي عن المليونين اللذين كانا لي ، في وقت مضي ، قبلة الأحلام وفردوس المني ، بعد أن غدوت انظر إليهما محتقرا مشمئزا . وإني ، عملا على تأمين
حرماني من الحق فيهما ، سأخل بشرط من شروط الاتفاق ، فأخرج من هنا قبل نهاية المدة بخمس دقائق
ولما فرغ الصيرفي من قراءة هذه الورقة ، أعادها إلى الطاولة ، وقبل رأس سجينه ، وأخذ يبكى . وبعد قليل خرج من ذلك الجناح ، وهو يشعر بأنه يحتقر نفسه ، شعورا لم يسبق له أن عرفه أبدا . ولما عاد إلي منزله واضطجع في فراشه ، استحال شعوره عصفا ، وأنهمرت دموعه سخينة ، فحال ذلك دون نومه طويلا
وفي الصباح التالي ، أتاه الحارس المسكين يجري ، وأخبره أنه رأي سجين الجناح يخرج من النافذة إلي الحديقة ، ثم يسير إلي بابها ، فيخرج منه ، ثم يختفي في ظلمة الليل .

