الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 662الرجوع إلى "الثقافة"

الروايات التاريخية

Share

الروايات التاريخية ليست تاريخا خالصا محققا يرجع إليه ويوثق به ويعقد عليه ولكنها مع ذلك تستمد مادتها من التاريخ وتؤثر بدورها فى فهمنا له وطريقتنا فى عرض حوادثه وسرد أخباره وتصوير شخصياته وأعظم الروايات التاريخية وأدلها على قوة الخيال وإجادة البحث والاستقصاء لا تعنى غناء التاريخ ولا تقوم مقامه وقد لانتناول حوادثه المأثورة إلا عرضا وقد تحاول أن تصف مواقف معينة تشبه ما ورد في التاريخ ولكنها ليست المواقف التاريخية بنصها وقصها وخيرها وشرها وقد تعرضها عرضا بلاغيا وتفسرها تفسيرا فنيا يلائم أهداف الرواية التاريخية  ويوافق وضعها وجوها

والروايات التاريخية كان لها أثر محمود فى ترويج التاريخ وتقريب حوادثه إلى الأفهام وأكثر الناس يملون قراءة كتب التاريخ الجافة الملوءة بالحوادث المملة والأخبار المتشابهة الرتيبة وبخاصة لأن الكثيرين من المؤرخين قد يجيدون البحث والتحرى ويبذلون جهدا جبارا فى جمع الأخبار وحشد المعلومات ولكنهم يعرضونها عرضا مملا

يغرى الناس بالزهادة فى قراءة التاريخ والوقوف على حوادثه وأخباره وقد لحظ ذلك فى الشرق فى المؤرخ المعروف جورجى زيدان فقد وجد أن الكثيرين لا يصبرون على فهم أسلوب أمثال الطبرى والسعودى واليعقوبى وابن خلدون وغيرهم من مؤرخى الإسلام الأعلام  فحفزه ذلك على كتابة رواياته التاريخية وقد وفق فيها إلى استمالة القراء لمعرفة الحوادث البارزة المشهورة فى تاريخ الإسلام وقد سار فى آثاره بعض المؤلفين وربما كان فيهم من هو أبلغ منه أسلوبا وأقوى عرضا للحوادث وأقدر على وصف المشاعر وتحليل العواطف ولكن لزيدان فضل السبق وتمهيد السبيل

وأستاذ الكتاب جميعا في هذا اللون من ألوان الأدب التاريخى ورائدهم الأول غير منازع هو الكاتب الأسكتلندى الكبير الذائع الصيت السير ولتر سكوت فهو واضع أساس الرواية التاريخية الفنية ومعظم من جاءوا بعده اهتدوا بهديه وضربوا على قالبه وكانوا من تلامذته وأتباعه سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوه وقد كان السير ولتر سكوت شاعرا مفلقا قبل أن يكون كاتبا روائيا ويروى

أنه ظل ينظم الشعر مجيدا فيه سباقا للأقران جائزا للإعجاب والتقدير حتى لمع نجم  الشاعر الكبير بيرون وعلت شهرته ووجد فيه منافسا قويا فتخلى له عن الميدان وأقبل على كتابة الروايات التاريخية وأدهش معاصريه بالإسراع فى الإخراج ووفرة الإنتاج واتسع رزقه وكثرت أرباحه وعاش عيشة الأعيان المياسير والأمراء الوارثين حتى أصيب بكارثة مالية واجهها بعزم لا بلين وجاهد جهاد الأبطال فى استصلاح أحواله المالية وتفريج أزمته وقد اقتضاء ذلك تحميل نفسه ما لا يطاق من الجهد المبذول والعناء الشديد حتي اعتلت صحته واستنفدت حيويته

وقد ولد السير وتر سكوت فى القرن الثامن عشر ونشأ فيه وفى هذا القرن بدأت بوادر العناية بكتابة التاريخ وفلسفته وظهر فيه فولتير وهو مؤرخ من طراز ممتاز وكتابه عن عهد لويزا الرابع عشر يعد من طرائف الكتابات التاريخية وظهر جيبون مؤلف كتاب تدهور الدولة الرومانية وسقوطها وهو من كتب التاريخ العظيمة الخالدة وغيرهما من المؤرخين المجيدين المقتدرين وكانت كتابة التاريخ فى ذلك القرن تقوم على البحث الدقيق وغربلة الأخبار وعرضها على محك النقد ولكن كتاب التاريخ في القرن الثامن عشر برغم إجادتهم وتجديدهم فى كتابة التاريخ كان ينقصهم شئ هام وهو فهم نفسية العصور التى يصفونها ومن أقوال تعين فى نقدهم فى كتب فولتير وجيبون وروبرتسن لا نجد المعرفة الواسعة والاحكام الناقدة وحدهما بل نجد كذلك وصف النظم والقوانين وصفا دقيقا صحيحا وموجز القول أننا نرى كل شئ إلا أرواح الرجال وهبة الخيال العاطف التى تمكن الكاتب من الامتزاج بمشاعر الغير قد حرم منها مؤرخو القرن الثامن عشر وهى هبة لازمة المؤرخ وبدون هذا الخيال العاطف لا يستطيع المؤرخ أن يتغلغل إلى روح العصر الذى يتصدى للكتابة عنه ولا أن يشارك الشخص الذى يحاول أن يؤرخ أعماله ومشاعره ووجهات نظره ومن أقوال النقادة الفرنسي إميل فاجبه فى نقد فولتير النقص الرئيسى فى

فولتير هو الجزء الأصيل وعدم قدرته على الخروج من حدود نفسه وهذا القص يتخلل أخلاقه ويسيطر على سلوكه وتصرفاته ويكون اراءه فى السياسة والتاريخ والفلسفة وأنحصار رأى فولتير فى أهل عصره يجعله مخطئ الحكم على بنى الإنسان

وأهم ما يؤخذ على مؤرخى القرن الثامن عشر بوجه عام هو نفص الحاسة التاريخية الذى جعلهم يعتقدون أن الإنسان فى كل العصور مثل إنسان القرن الثامن عشر وبغض النظر عهما يعرض له من التغيرات ويطرأ عليه من الأحوال المختلفة وجيبون وهو من أقدر مؤرخى ذلك القرن يأخذ عليه النقاد أن عقله المتشكك الناقد لم يستطع فهم المعارك الدينية والخلافات المذهبية التى كانت تعصف بالناس عصفا وتؤثر فى نفوسهم وحياتهم تأثيرا عميقا خلال العصور التى وصفها فى تاريخه وقد ذكر جيبون قصة هذه الخلافات الشديدة المثيرة ولكن القارئ يشعر أنه كان يتعرف على القوم الغارقين فى هذه الخلافات وترتسم على وجهه ابتسامات الاحتقار أو الإشفاق لأنه لم يستطع فهم جوهر هذه الخلافات ولذا عجز عن تفسيرها لغيره

وعدم التفات مؤرخى القرن الثامن عشر لألوان التغيرات التى استهدف لها تاريخ العالم جعل كتابة التاريخ رتيبة مملة تكاد تكون أخبارا مكررة وحوارث معادة وصورا متماثلة وقد أخل ذلك بالعنصر الفنى والمنهج الأدبى فى كتابة التاريخ وعرض حوادثه وأشخاصه وأتاح الفرصة لظهور السير ولتر سكوت والرواية التاريخية والظاهر أن العنصر الأدبى لازم فى كتابة التاريخ فإذا أبعد من ناحية احتال على الدخول من منفذ آخر والشعور بالحاجة إلى هذا العنصر الأدبى هو الذى ساعد على ميلاد الرواية التاريخية وكان من عوامل ترويخ روايات أمثال ولتر سكوت فى بريطانيا ومانزونى فى إيطاليا وسائر الكتاب الذين ترسموا خطواتهم واقتدوا بهم

وقد أظهر سكوت فى رواياته أن التغيرات التى تعتور حياة البشر لا تقتصر على الثياب ومعدات الدفاع عن النفس وأشكال المبانى والطرق ووسائل المواصلات بل تشمل كذلك العقائد والأفكار والأخلاق والآداب والطبائع والعادات

وقد استطاع بخياله القوي وعطفه الشامل أن يعرض على قرائه صورا تاريخية نابضة بالحياة ملونة باللون المحلى حتى ساد الاعتقاد بأن التاريخ الذى يتعلمه الناس من روايات السير واتر سكوت أصدق تصويرا وأصح تحقيقا وأقوى أثرا من التاريخ الذى تحتويه الكتب الجافة المملة التى يخرجها المؤرخون المتخصصون بعد الإمعان فى التحقيق والتحذلق فى عرض الموضوع وادعاء العلم الواسع والبحث العميق وفى روايات سكوت نرى النورمانديين والإنجاوساكسون والأسكتلنديين والإنجليز والصليبين والبيوربتان وقد انتقضوا من قبورهم واستردوا حياتهم القوية الصارمة وعواطفهم الجائشة الطاغية وقد استرعى ذلك نظر المؤرخين وجعلهم يعيدون النظر فى كتابتهم للتاريخ فقد استبعدوا فى كتابتهم العناية باللون المحلى وأهملوا العناية بإبراز خصائص العصور المختلفة وكان من أثر ذلك أن أصبحت كتابنهم غثة مملة جدباء خالية من الحياة فلماذا لا ينتفعون بهذا العصر الذى أدرك أهميته الروائيون وفى طليعتهم السير ولتر سكوت

ففى أوائل القرن التاسع عشر تناول هذه المشكلة  المؤرخ الفرنسى أوجستين نبرى وقد كان فى ذلك الوقت حزينا موجع القلب لما أصاب فرنسا من اكتساح الجيوش الأجنبية لأراضها وبعث عن موضوع تاريخى يبث فيه آلامه ويعبر خلاله عن آرائه السياسية وظن أن هذا الموضوع الملائم هو غزو النورمانديين لأنجلترا وهو يقول فى ذلك  فأقبلت على تناول هذا الموضوع بإهتمام شديد ولكن بعد محاولات استبان لى أننى أزيف التاريخ وذلك لأنى كنت أستعمل نفس القواعد لصور مختلفة ولما كانت أفكارى السياسية قد غلبتنى على أمرى وسيطرت على لذلك كنت أحاول كتابة التاريخ على طريقة فلاسفة القرن الثامن عشر ومعنى ذلك أنى كنت أستخلص من الحوادث التى أرويها صفوفا منظمة من البراهين تثبت معتقدانى بدلا من أن أقدم تقارير مسهية فضفاضة وبعثت فيه البحوث التى أجراها فى موضوعه المختار حماسة واهتماما حتى أصبح لا يقنع باتباع الأسلوب القديم فى تناول التاريخ وحار حينا من الزمن فى التماس الأسلوب المناسب وفى ذلك الوقت وقعت

فى بدء روايات السيرولتر سكوت فأخرجته من حيرته وكانت له بمثابة الكشف والإلهام فقد وجد فيها سرد الحوادث النابض بالحياة للغير فى أجل بيان عن الفروق بين مختلف الشعوب ومتباين العصور وتراءى له أن خيال ولتر سكوت القوى قد استطاع أن يبعث الناس من القبور وجعلهم يستردون الحياة ويتحركون إزاء عين القارئ وقد عبر تبرى من هذا الشعور بقوله وارتفع إعجابى العظيم بهذا الكاتب إلى درجة أسمى حينما وازلت بين معرفته الواسعة الغزيرة للصور القديمة وبين اطلاع أشهر مؤرخينا المحدثين العديم اللون ومن ثم رحبت بظهور طرفته الفنية للسماء  إيقانهو بحماسة قوية فى هذا الكتاب استطاع سكوت بعينه النسرية أن ينفى ضوءا على العصر الذى شغلت به ثلاث سنوات وقد أرانا بجرأة العبقرية كيف أن النورمانديين والسكسون غزاة ومنهزمين قد وقفا وجها لوجه على اثرى الإنجليزى وذلك بعد الغزو بمائة وعشرين سنة وقد رسم بألوان شعرية فترة من فترات هذه الدراما الطويلة التى كنت أحاول أن اكتب عنها بقلم الؤرخ الكادح وقد شد ذلك من عزم تبرى وجعله يعلن الحرب على المؤرخين العاطلين من الخيال الذين لا يستطيعون أن يصوروا الماضى ويعيدوا بناءه

وهذا الطريق الذى اتبعه تبرى فى كتابه عن الفتح النورماندى مسترشدا بطريقة السير ولتر سكوت فى رواياته التاريخية هو نفسه الطريق الذى سار فيه المؤرخون الذين نبغوا فى أوائل القرن التاسع عشر مثل مبسموندى وبرسكوت وماكولى وقون رانك وكارلايل وغيرهم

ونرى من ذلك أن نفس العنصر الفنى فى كتابة التاريخ أدى إلى ظهور الرواية التاريخية ولما كان من الطبيعي وقد عاد هذا العصر إلى كتابة التاريخ على يد أعلام المورخين فى القرن التاسع عشر أن يقبل بعد ذلك الإقبال على الروايات التاريخية فقد استطاع المؤرخون أن يسدوا هذا العجز ويستوفوا هذا النقص وينفخوا من روحهم حياة فى كتابة التاريخ ويظهروا العصور فى جوها الملائم ولونها المناسب وأخذ الشك يتسرب إلى نفوس الناس من ناحية صدق الروايات التاريخية

والروائى المؤرخ تلزمه صفتان عقلية تاريخية تستطيع أن تستخلص الصور من سجلات الماضى وتكون الأفكار عن حقيقته وقوة الخيال الحالق الذى يستطيع استحضار الأحاسيس والمشاعر التى ألمت بنفوس أهل تلك العصور الغابرة وكثير من كتاب الرواية التاريخية قد أفادوا من كتب المؤرخين وسلطوا خيالهم على العلوم المستمدة من المراجع التاريخية والمعروف عن دكنز مثلا أنه أطال النظر في كتاب كارلايل الممتع عن الثورة الفرنسية قبل أن يشرع فى كتابة قصة المدينتين التى تتناول عصر الثورة والروائى التاريخى الناجح يوفق فى استحضار الألوان الزاهية الحية لتفصيلات العصر الذى يتناوله الاجتماعية والسياسية والأدبية ومن الخطأ أن يجعل بواعث أشخاصه ودوافعهم عصرية وإن كان بعض المؤرخين الروائيين يضطر إلى ذلك بسبب نقص المادة التاريخية عن العصر الذى يحاول إحياءه وتمثيل حوادثه وأشخاصه ولا نزاع فى أن الطبيعة البشرية واحدة فى كل العصور ولكنها برغم ذلك ليست متشابهة التشابه كله ورواية الحرب والسلم التى كتبها الكاتب العظيم تولستوى تعد أعظم الروايات التاريخية لأن تولستوى عرف تاريخ الأسرتتين اللتين تناولت تاريخهما الرواية معرفة صميمة ودرس غزو نابليون لروسيا دراسة مستوفاة وكان له من تجاربة في ميادين القتال وقوة خياله وإحساسه ما مكنه من خلق هذه الطرفة الفنية النادرة

والروايات التاريخية تستعين بالبحث التاريخي وقوة الخيال ولكن هناك روايات تاريخية من نوع آخر وهى ما يصح أن نسميها روايات تاريخية معاصرة وهذا اللون من الروايات يصف العادات المعاصرة والمشكلات الراهنة وهى تكتسب أهمية وقيمة تاريخية بمرور الزمن وأمثال هذه الروايات لا تصف حوادث معينة وإنما تصف العادات والأفكار والتقاليد السائدة

وللروايات التاريخية ناحية امتياز على الكتب التاريخية  وذلك أن التاريخ معظمه يدور حول الحوادث البارزة الكبرى والشخصيات الممتازة النيفة أما الروايات التاريخية فقد تتناول حياة ما يسمى فى عرف الباحثين المعاصرين

الرجل الصغير والمقصود به الرجل من عمار الشعب  وحياة مثل هذا الرجل الصغير قد يهملها التاريخ الذى لا يكاد يبصره أو يسمع صوته ولكن الروائى بخياله الصادق وشعوره العاطف يستطيع أن يصف لنا حياة هذا الإنسان الصغير باماله وأحلامه ومسراته وهمومه ويطلعنا بذلك على جوانب هامة من حياة الناس العاديين فى عصره وهم الكثرة الكاثرة

وقد عاب المؤرخ النقادة تين على السير ولترسكوت إسراعه فى الإخراج وعد ذلك دليلا على قلة تحريه للحقائق وقال فى نقده كل هذه الصور من الماضى البعيد التى يعرضها صور زائفة وليس فيها صحيح سوى الملابس والمناظر والمظاهر الخارجية والأعمال والأقوال والمشاعر وما إلى ذلك كله متحق متحضر مصبوب فى القوالب المحدثة وحينما نتأمل أخلاق المؤلف وحياته يساورنا الشك فماذا يريد وماذا يطلب ضيوفه  وهل هو من طلاب الحق كما هو سواء كان قبيحا أو متوحشا قاسيا وهل هو باحث منقب لا يبالى بالثناء ولا يعبأ إلا بالبحث عما يطرأ على الطبيعة الحية من تغيرات كلا  إنه لا يعبأ بذلك كله وليس عنده وقت ليصل إلى أغوار النفوس التى يصفها فهو يحصر اهتمامه فى المظهر الخارجى ويرى الصور والخارجيات ويصفها ويطيل فى ذلك أكثر مما يصف للمشاعر الداخلية وعلى هذا النمط استرسل تين فى نقد السير ولترسكوت وواضح أنه يأخذ عليه قلة توفره على بحث العصور التى تصدى لوصفها فى رواياته وإسراعه فى الإخراج الذى حال بينه وبين الإجادة فى رأى تين وقد أفاد كتاب الرواية التاريخية من نقد تين الشديد لروايات السير ولترسكوت فتحروا الدقة وبالغوا فى الاستقصاء وجاءت بعض طرفهم الأدبية آيات فنية عظيمة تجمع بين دقة البحث وقوة الخيال وبراعة العرض ويتجلى ذلك فى روايات أمثال فلوبير الفرنسى ومرزكوفسكى الروسى وخاصة روايتيه العظيمتين عن ١ موت الآلهة والرائدين ٢

اشترك في نشرتنا البريدية