الروايات التاريخية ليست تاريخا خالصا محققا يرجع إليه ويوثق به ويعقد عليه ولكنها مع ذلك تستمد مادتها من التاريخ وتؤثر بدورها فى فهمنا له وطريقتنا فى عرض حوادثه وسرد أخباره وتصوير شخصياته وأعظم الروايات التاريخية وأدلها على قوة الخيال وإجادة البحث والاستقصاء لا تعنى غناء التاريخ ولا تقوم مقامه وقد لانتناول حوادثه المأثورة إلا عرضا وقد تحاول أن تصف مواقف معينة تشبه ما ورد في التاريخ ولكنها ليست المواقف التاريخية بنصها وقصها وخيرها وشرها وقد تعرضها عرضا بلاغيا وتفسرها تفسيرا فنيا يلائم أهداف الرواية التاريخية ويوافق وضعها وجوها
والروايات التاريخية كان لها أثر محمود فى ترويج التاريخ وتقريب حوادثه إلى الأفهام وأكثر الناس يملون قراءة كتب التاريخ الجافة الملوءة بالحوادث المملة والأخبار المتشابهة الرتيبة وبخاصة لأن الكثيرين من المؤرخين قد يجيدون البحث والتحرى ويبذلون جهدا جبارا فى جمع الأخبار وحشد المعلومات ولكنهم يعرضونها عرضا مملا
يغرى الناس بالزهادة فى قراءة التاريخ والوقوف على حوادثه وأخباره وقد لحظ ذلك فى الشرق فى المؤرخ المعروف جورجى زيدان فقد وجد أن الكثيرين لا يصبرون على فهم أسلوب أمثال الطبرى والسعودى واليعقوبى وابن خلدون وغيرهم من مؤرخى الإسلام الأعلام فحفزه ذلك على كتابة رواياته التاريخية وقد وفق فيها إلى استمالة القراء لمعرفة الحوادث البارزة المشهورة فى تاريخ الإسلام وقد سار فى آثاره بعض المؤلفين وربما كان فيهم من هو أبلغ منه أسلوبا وأقوى عرضا للحوادث وأقدر على وصف المشاعر وتحليل العواطف ولكن لزيدان فضل السبق وتمهيد السبيل
وأستاذ الكتاب جميعا في هذا اللون من ألوان الأدب التاريخى ورائدهم الأول غير منازع هو الكاتب الأسكتلندى الكبير الذائع الصيت السير ولتر سكوت فهو واضع أساس الرواية التاريخية الفنية ومعظم من جاءوا بعده اهتدوا بهديه وضربوا على قالبه وكانوا من تلامذته وأتباعه سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوه وقد كان السير ولتر سكوت شاعرا مفلقا قبل أن يكون كاتبا روائيا ويروى
أنه ظل ينظم الشعر مجيدا فيه سباقا للأقران جائزا للإعجاب والتقدير حتى لمع نجم الشاعر الكبير بيرون وعلت شهرته ووجد فيه منافسا قويا فتخلى له عن الميدان وأقبل على كتابة الروايات التاريخية وأدهش معاصريه بالإسراع فى الإخراج ووفرة الإنتاج واتسع رزقه وكثرت أرباحه وعاش عيشة الأعيان المياسير والأمراء الوارثين حتى أصيب بكارثة مالية واجهها بعزم لا بلين وجاهد جهاد الأبطال فى استصلاح أحواله المالية وتفريج أزمته وقد اقتضاء ذلك تحميل نفسه ما لا يطاق من الجهد المبذول والعناء الشديد حتي اعتلت صحته واستنفدت حيويته
وقد ولد السير وتر سكوت فى القرن الثامن عشر ونشأ فيه وفى هذا القرن بدأت بوادر العناية بكتابة التاريخ وفلسفته وظهر فيه فولتير وهو مؤرخ من طراز ممتاز وكتابه عن عهد لويزا الرابع عشر يعد من طرائف الكتابات التاريخية وظهر جيبون مؤلف كتاب تدهور الدولة الرومانية وسقوطها وهو من كتب التاريخ العظيمة الخالدة وغيرهما من المؤرخين المجيدين المقتدرين وكانت كتابة التاريخ فى ذلك القرن تقوم على البحث الدقيق وغربلة الأخبار وعرضها على محك النقد ولكن كتاب التاريخ في القرن الثامن عشر برغم إجادتهم وتجديدهم فى كتابة التاريخ كان ينقصهم شئ هام وهو فهم نفسية العصور التى يصفونها ومن أقوال تعين فى نقدهم فى كتب فولتير وجيبون وروبرتسن لا نجد المعرفة الواسعة والاحكام الناقدة وحدهما بل نجد كذلك وصف النظم والقوانين وصفا دقيقا صحيحا وموجز القول أننا نرى كل شئ إلا أرواح الرجال وهبة الخيال العاطف التى تمكن الكاتب من الامتزاج بمشاعر الغير قد حرم منها مؤرخو القرن الثامن عشر وهى هبة لازمة المؤرخ وبدون هذا الخيال العاطف لا يستطيع المؤرخ أن يتغلغل إلى روح العصر الذى يتصدى للكتابة عنه ولا أن يشارك الشخص الذى يحاول أن يؤرخ أعماله ومشاعره ووجهات نظره ومن أقوال النقادة الفرنسي إميل فاجبه فى نقد فولتير النقص الرئيسى فى
فولتير هو الجزء الأصيل وعدم قدرته على الخروج من حدود نفسه وهذا القص يتخلل أخلاقه ويسيطر على سلوكه وتصرفاته ويكون اراءه فى السياسة والتاريخ والفلسفة وأنحصار رأى فولتير فى أهل عصره يجعله مخطئ الحكم على بنى الإنسان
وأهم ما يؤخذ على مؤرخى القرن الثامن عشر بوجه عام هو نفص الحاسة التاريخية الذى جعلهم يعتقدون أن الإنسان فى كل العصور مثل إنسان القرن الثامن عشر وبغض النظر عهما يعرض له من التغيرات ويطرأ عليه من الأحوال المختلفة وجيبون وهو من أقدر مؤرخى ذلك القرن يأخذ عليه النقاد أن عقله المتشكك الناقد لم يستطع فهم المعارك الدينية والخلافات المذهبية التى كانت تعصف بالناس عصفا وتؤثر فى نفوسهم وحياتهم تأثيرا عميقا خلال العصور التى وصفها فى تاريخه وقد ذكر جيبون قصة هذه الخلافات الشديدة المثيرة ولكن القارئ يشعر أنه كان يتعرف على القوم الغارقين فى هذه الخلافات وترتسم على وجهه ابتسامات الاحتقار أو الإشفاق لأنه لم يستطع فهم جوهر هذه الخلافات ولذا عجز عن تفسيرها لغيره
وعدم التفات مؤرخى القرن الثامن عشر لألوان التغيرات التى استهدف لها تاريخ العالم جعل كتابة التاريخ رتيبة مملة تكاد تكون أخبارا مكررة وحوارث معادة وصورا متماثلة وقد أخل ذلك بالعنصر الفنى والمنهج الأدبى فى كتابة التاريخ وعرض حوادثه وأشخاصه وأتاح الفرصة لظهور السير ولتر سكوت والرواية التاريخية والظاهر أن العنصر الأدبى لازم فى كتابة التاريخ فإذا أبعد من ناحية احتال على الدخول من منفذ آخر والشعور بالحاجة إلى هذا العنصر الأدبى هو الذى ساعد على ميلاد الرواية التاريخية وكان من عوامل ترويخ روايات أمثال ولتر سكوت فى بريطانيا ومانزونى فى إيطاليا وسائر الكتاب الذين ترسموا خطواتهم واقتدوا بهم
وقد أظهر سكوت فى رواياته أن التغيرات التى تعتور حياة البشر لا تقتصر على الثياب ومعدات الدفاع عن النفس وأشكال المبانى والطرق ووسائل المواصلات بل تشمل كذلك العقائد والأفكار والأخلاق والآداب والطبائع والعادات
وقد استطاع بخياله القوي وعطفه الشامل أن يعرض على قرائه صورا تاريخية نابضة بالحياة ملونة باللون المحلى حتى ساد الاعتقاد بأن التاريخ الذى يتعلمه الناس من روايات السير واتر سكوت أصدق تصويرا وأصح تحقيقا وأقوى أثرا من التاريخ الذى تحتويه الكتب الجافة المملة التى يخرجها المؤرخون المتخصصون بعد الإمعان فى التحقيق والتحذلق فى عرض الموضوع وادعاء العلم الواسع والبحث العميق وفى روايات سكوت نرى النورمانديين والإنجاوساكسون والأسكتلنديين والإنجليز والصليبين والبيوربتان وقد انتقضوا من قبورهم واستردوا حياتهم القوية الصارمة وعواطفهم الجائشة الطاغية وقد استرعى ذلك نظر المؤرخين وجعلهم يعيدون النظر فى كتابتهم للتاريخ فقد استبعدوا فى كتابتهم العناية باللون المحلى وأهملوا العناية بإبراز خصائص العصور المختلفة وكان من أثر ذلك أن أصبحت كتابنهم غثة مملة جدباء خالية من الحياة فلماذا لا ينتفعون بهذا العصر الذى أدرك أهميته الروائيون وفى طليعتهم السير ولتر سكوت
ففى أوائل القرن التاسع عشر تناول هذه المشكلة المؤرخ الفرنسى أوجستين نبرى وقد كان فى ذلك الوقت حزينا موجع القلب لما أصاب فرنسا من اكتساح الجيوش الأجنبية لأراضها وبعث عن موضوع تاريخى يبث فيه آلامه ويعبر خلاله عن آرائه السياسية وظن أن هذا الموضوع الملائم هو غزو النورمانديين لأنجلترا وهو يقول فى ذلك فأقبلت على تناول هذا الموضوع بإهتمام شديد ولكن بعد محاولات استبان لى أننى أزيف التاريخ وذلك لأنى كنت أستعمل نفس القواعد لصور مختلفة ولما كانت أفكارى السياسية قد غلبتنى على أمرى وسيطرت على لذلك كنت أحاول كتابة التاريخ على طريقة فلاسفة القرن الثامن عشر ومعنى ذلك أنى كنت أستخلص من الحوادث التى أرويها صفوفا منظمة من البراهين تثبت معتقدانى بدلا من أن أقدم تقارير مسهية فضفاضة وبعثت فيه البحوث التى أجراها فى موضوعه المختار حماسة واهتماما حتى أصبح لا يقنع باتباع الأسلوب القديم فى تناول التاريخ وحار حينا من الزمن فى التماس الأسلوب المناسب وفى ذلك الوقت وقعت
فى بدء روايات السيرولتر سكوت فأخرجته من حيرته وكانت له بمثابة الكشف والإلهام فقد وجد فيها سرد الحوادث النابض بالحياة للغير فى أجل بيان عن الفروق بين مختلف الشعوب ومتباين العصور وتراءى له أن خيال ولتر سكوت القوى قد استطاع أن يبعث الناس من القبور وجعلهم يستردون الحياة ويتحركون إزاء عين القارئ وقد عبر تبرى من هذا الشعور بقوله وارتفع إعجابى العظيم بهذا الكاتب إلى درجة أسمى حينما وازلت بين معرفته الواسعة الغزيرة للصور القديمة وبين اطلاع أشهر مؤرخينا المحدثين العديم اللون ومن ثم رحبت بظهور طرفته الفنية للسماء إيقانهو بحماسة قوية فى هذا الكتاب استطاع سكوت بعينه النسرية أن ينفى ضوءا على العصر الذى شغلت به ثلاث سنوات وقد أرانا بجرأة العبقرية كيف أن النورمانديين والسكسون غزاة ومنهزمين قد وقفا وجها لوجه على اثرى الإنجليزى وذلك بعد الغزو بمائة وعشرين سنة وقد رسم بألوان شعرية فترة من فترات هذه الدراما الطويلة التى كنت أحاول أن اكتب عنها بقلم الؤرخ الكادح وقد شد ذلك من عزم تبرى وجعله يعلن الحرب على المؤرخين العاطلين من الخيال الذين لا يستطيعون أن يصوروا الماضى ويعيدوا بناءه
وهذا الطريق الذى اتبعه تبرى فى كتابه عن الفتح النورماندى مسترشدا بطريقة السير ولتر سكوت فى رواياته التاريخية هو نفسه الطريق الذى سار فيه المؤرخون الذين نبغوا فى أوائل القرن التاسع عشر مثل مبسموندى وبرسكوت وماكولى وقون رانك وكارلايل وغيرهم
ونرى من ذلك أن نفس العنصر الفنى فى كتابة التاريخ أدى إلى ظهور الرواية التاريخية ولما كان من الطبيعي وقد عاد هذا العصر إلى كتابة التاريخ على يد أعلام المورخين فى القرن التاسع عشر أن يقبل بعد ذلك الإقبال على الروايات التاريخية فقد استطاع المؤرخون أن يسدوا هذا العجز ويستوفوا هذا النقص وينفخوا من روحهم حياة فى كتابة التاريخ ويظهروا العصور فى جوها الملائم ولونها المناسب وأخذ الشك يتسرب إلى نفوس الناس من ناحية صدق الروايات التاريخية
والروائى المؤرخ تلزمه صفتان عقلية تاريخية تستطيع أن تستخلص الصور من سجلات الماضى وتكون الأفكار عن حقيقته وقوة الخيال الحالق الذى يستطيع استحضار الأحاسيس والمشاعر التى ألمت بنفوس أهل تلك العصور الغابرة وكثير من كتاب الرواية التاريخية قد أفادوا من كتب المؤرخين وسلطوا خيالهم على العلوم المستمدة من المراجع التاريخية والمعروف عن دكنز مثلا أنه أطال النظر في كتاب كارلايل الممتع عن الثورة الفرنسية قبل أن يشرع فى كتابة قصة المدينتين التى تتناول عصر الثورة والروائى التاريخى الناجح يوفق فى استحضار الألوان الزاهية الحية لتفصيلات العصر الذى يتناوله الاجتماعية والسياسية والأدبية ومن الخطأ أن يجعل بواعث أشخاصه ودوافعهم عصرية وإن كان بعض المؤرخين الروائيين يضطر إلى ذلك بسبب نقص المادة التاريخية عن العصر الذى يحاول إحياءه وتمثيل حوادثه وأشخاصه ولا نزاع فى أن الطبيعة البشرية واحدة فى كل العصور ولكنها برغم ذلك ليست متشابهة التشابه كله ورواية الحرب والسلم التى كتبها الكاتب العظيم تولستوى تعد أعظم الروايات التاريخية لأن تولستوى عرف تاريخ الأسرتتين اللتين تناولت تاريخهما الرواية معرفة صميمة ودرس غزو نابليون لروسيا دراسة مستوفاة وكان له من تجاربة في ميادين القتال وقوة خياله وإحساسه ما مكنه من خلق هذه الطرفة الفنية النادرة
والروايات التاريخية تستعين بالبحث التاريخي وقوة الخيال ولكن هناك روايات تاريخية من نوع آخر وهى ما يصح أن نسميها روايات تاريخية معاصرة وهذا اللون من الروايات يصف العادات المعاصرة والمشكلات الراهنة وهى تكتسب أهمية وقيمة تاريخية بمرور الزمن وأمثال هذه الروايات لا تصف حوادث معينة وإنما تصف العادات والأفكار والتقاليد السائدة
وللروايات التاريخية ناحية امتياز على الكتب التاريخية وذلك أن التاريخ معظمه يدور حول الحوادث البارزة الكبرى والشخصيات الممتازة النيفة أما الروايات التاريخية فقد تتناول حياة ما يسمى فى عرف الباحثين المعاصرين
الرجل الصغير والمقصود به الرجل من عمار الشعب وحياة مثل هذا الرجل الصغير قد يهملها التاريخ الذى لا يكاد يبصره أو يسمع صوته ولكن الروائى بخياله الصادق وشعوره العاطف يستطيع أن يصف لنا حياة هذا الإنسان الصغير باماله وأحلامه ومسراته وهمومه ويطلعنا بذلك على جوانب هامة من حياة الناس العاديين فى عصره وهم الكثرة الكاثرة
وقد عاب المؤرخ النقادة تين على السير ولترسكوت إسراعه فى الإخراج وعد ذلك دليلا على قلة تحريه للحقائق وقال فى نقده كل هذه الصور من الماضى البعيد التى يعرضها صور زائفة وليس فيها صحيح سوى الملابس والمناظر والمظاهر الخارجية والأعمال والأقوال والمشاعر وما إلى ذلك كله متحق متحضر مصبوب فى القوالب المحدثة وحينما نتأمل أخلاق المؤلف وحياته يساورنا الشك فماذا يريد وماذا يطلب ضيوفه وهل هو من طلاب الحق كما هو سواء كان قبيحا أو متوحشا قاسيا وهل هو باحث منقب لا يبالى بالثناء ولا يعبأ إلا بالبحث عما يطرأ على الطبيعة الحية من تغيرات كلا إنه لا يعبأ بذلك كله وليس عنده وقت ليصل إلى أغوار النفوس التى يصفها فهو يحصر اهتمامه فى المظهر الخارجى ويرى الصور والخارجيات ويصفها ويطيل فى ذلك أكثر مما يصف للمشاعر الداخلية وعلى هذا النمط استرسل تين فى نقد السير ولترسكوت وواضح أنه يأخذ عليه قلة توفره على بحث العصور التى تصدى لوصفها فى رواياته وإسراعه فى الإخراج الذى حال بينه وبين الإجادة فى رأى تين وقد أفاد كتاب الرواية التاريخية من نقد تين الشديد لروايات السير ولترسكوت فتحروا الدقة وبالغوا فى الاستقصاء وجاءت بعض طرفهم الأدبية آيات فنية عظيمة تجمع بين دقة البحث وقوة الخيال وبراعة العرض ويتجلى ذلك فى روايات أمثال فلوبير الفرنسى ومرزكوفسكى الروسى وخاصة روايتيه العظيمتين عن ١ موت الآلهة والرائدين ٢

