بدأت تظهر سمات الروح الحديثة منذ أخذ عالم العصور الوسطى في التصدع والأنهيار ، وقد تمت هذه الروح الحديثة نموا سريعا خلال القرن الماضي . ولكنها مع ذلك ليست خلقا جديدا الجدة كلها ، ولم تستكمل بعد نواحيها المختلفة . وقد استمدت الكثير من روح العصور الوسطى ، وقد كان تقدمها بطيئا في بادي الأمر ، ولكن سرعة التغيرات التى انتابتها في العهد الأخير مما يلفت النظر .
ولم تكن العصور الوسطى عهود ظلمات بعضها فوق بعض كما يتوهم بعض الناس ، بل لعلها في إبان نضجها كانت أقل فكرا ووحشية من الحضارة الحديثة ، وإن كان المستقبل قد يجيء بحضارة أسمى تهذيبا وأرقي إنسانية من حضارة العصور الوسطى .
وما تسميه الروح الحديثة نتيجة تطورات تاريخية أسفرت عن وجود وجهات النظر السائدة في العصر الحاضر ، وهذه الروح قد تمت وتطورت منذ تهدم بنيان عالم العصور الوسطى . وقد تجلت مظاهر هذه الروح الحديثة واضحة غير متكورة
وشملت نواحي العلم جميعها ، ولكنها مع ذلك لم تقطع كل صلاتها بعالم العصور الوسطى الذي ظهرت على انقاضه واستمدت قوتها من ضعفه وانهزامه وتخاذله ، وهي لاتزال محتفظة ببقايا من العصور الوسطى عالقة بها ، ويمكن القول بأنها تحول تدريجي لروح العصور الوسطى ، ولكنه ليس تحولا كاملا شاملا ، ولذا علينا أن نوضح سمات روح العصور الوسطى وتبين المراحل المتوالية التى تنقلت فيها لتصبح بعد هذا التغير والتبديل الروح الحديثة ، ولعلنا نجد في ذلك ما يعيننا على تفهم ما يحدث حولنا من التغيرات ومعرفة العناصر التى ظلت ثابتة على حالها والعناصر التى تغيرت .
كانت العصور الوسطى في عهد اكتمال قوتها قد استكملت جوانبها الثقافية ، وعناصر الثقافة في العادة منفصل بعضها عن البعض الآخر ، بل في بعض الأحيان تتصارع عناصرها المختلفة وتتعادي ، ولكن السر في اكتمال ثقافة العصور الوسطى هو أن العناصر المختلفة المكونة لها اتحدث وتوحدت في ظلال المعتقدات الدينية السائدة ، فكان الدين
والفلسفة والفن والعلم والسياسة والأخلاق تعبر جميعها عن الروح العامة الغالية ، ولم يكن هذا يمنع وجود خلاف بين الناس في التفصيلات ، ولكن وراء تلك الخلافات كانت هناك الروح العامة الشاملة التى يستمد منها الجميع أفكارهم وتصوراتهم ، وكانت وحدة الثقافة هذه وحدة دينية ، والجانب الديني من الثقافة هو وحده الذي يستطيع توحيد الروح الإنسانية في الأفراد والجماعات ، وضعف العصر الديني في ثقافة العصر الحديث هو الذي يجعل من الصعب إيجاد الوحدة الثقافية المنشودة والتي استطاعت العصور الوسطى إيجادها في ظلال الأديان الكبيرة مثل المسيحية والإسلام .
ولا نزاع في أن أهم ما أنتجه العصر الحديث هو العلم ، والقدرة على تطبيق هذا العلم لإنماء الحضارة ، والعلم الحديث ليس من تراث الماضي ، وإنما هو انتصار باهر أحرزته العصور الحديثة ، وميزة تفوقت بها على العصور السالفة . وامتداد سيطرة العلم على أحوال الحياة الإنسانية ، وبخاصة الأحوال المادية ، هو ما نسميه تقدم الحضارة الحديثة ؛ ويحسن أن أفرق هنا بين الثقافة والحضارة ، فالثقافة تتناول حياة الإنسان والأسلوب الذي يتبعه فيها ، أما الحضارة فإنها تتناول البيئة التي يعيش فيها ، وبين الثقافة والحضارة اتصال وثيق ، فلا حضارة بغير ثقافة ولا ثقافة بغير حضارة ، ولكن الفرق بينهما ظاهر برغم ذلك ؛ فقد تكون ثقافة أمة من الأمم نامية مزدهرة في حين أن حضارتها تكاد تكون بدائية ، فاليونان مثلا لم تكن حضارتهم في المستوي السامي الذي بلغته ثفاقتهم ؛ وقد تكون حضارة أمة من الأمم نامية متقدمة وثقافتها مع ذلك بدائية ؛ ومن أمثلة ذلك الأمة الرومانية ، فقد كان نصيبها من الحضارة موفورا ولكن نصيبها من الثقافة لم يكن في مستوي حضارتها ؛ وأوربا الحديثة قد قطعت حضارتها أشواطا بعيدة في سبيل التقدم ، ولكن ثقاقتها مع ذلك متخلفة عن حضارتها ، أي أن قدرتها على السيطرة على أحوال الحياة قد بلغت مبلغا لم تصل إليه الحضارات السابقة ، ولكن قدرتها على أن تحيا حياة جميلة مقبولة حتى في هذه الظروف المواتية لا تزال ضعيفة ؛ ومعنى هذا أن جوانب الحياة الداخلية لم تتوحد ، والسبب في ذلك عدم وجود العامل الهام في توحيد عناصر الثقافة المختلفة وهو المعتقد الديني .
والعامل الهام في تقدم الحضارة الحديثة هو العلم ، فتقدم العلم هو ميزة الروح الحديثة البارزة الملموسة ، ولذلك كان تقدم العالم الحديث تقدما حضاريا قبل كل شئ ، فهو تقدم في زيادة السيطرة على قوي الطبيعة وتذليلها وإخضاعها وتسخيرها إلى حد كبير لمشيئة الإنسان ، وهو ليس تقدما في الثقافة أو في القدرة على أن نعيش عيشة إنسانية صادقة سامية مهذبة .
وإذا نظرنا إلي الجانب الثقافي نظرة عامة وجسدنا أن تقدم الروح الحديثة يكاد يكون من جميع الوجوه قصة تهدم البناء العالي الذي خلفته ثقافة العصور الوسطى ، فقد خلفت تلك العصور ثروة روحية ضخمة ، ولكن تقدم العلم لم يترفق بهذا التراث العظيم ، وعمل بالتدريج علي تبديده وإنقاضه ، وقد ظل العالم الحديث يعيش على هذا التراث دون أن يزيد عليه شيئا ، وليس معنى ذلك أنه لم تقم حركات ثقافية منذ العصور الوسطى . فإن الأمر على نقيض ذلك ، ولكن الواقع أن الحياة الثقافية في العالم كانت على الدوام في موقف المدافع الذي يظهر بطولته في الدفاع ولكنه يخرج مع ذلك من كل معركة مدحورا مهزوما في سبيل الدفاع عن تراث تتناثر أجزاؤه شيئا فشيئا ؛ وكانت الحضارة الحديثة القائمة على العلم تحرز الانتصارات المتوالية ، وقد أرغمت الثقافة على ترك قلاعها الحصينة قلعة بعد قلعة حتى أصبحت في النهاية على مقربة من الهزيمة الساحقة . وتقدم الحضارة وانهزام الثقافة مظهران من مظاهر تقدم الروح الحديثة ، فتحلل الثقافة وتقدم الحضارة هما نتيجة محتومة لتقدم العلم ، لأن العلم من شأنه أن يوهن الثقافة ويقضي عليها دائما ، لأن العلم الحديث هدم الأسس التى قامت عليها ثقافة العصور الوسطى الموروثة .
والسبب في ذلك واضح ؟ وذلك أن العلم مختص بالحقائق الواقعة ، والثقافة توجه عنايتها إلى القيم ، ونحن حينما نعنى بمعرفة الحقائق عن شئ من الأشياء تعمل على مقاومة ميولنا وعواطفنا لنجيد المعرفة ، واهتمام الروح الحديثة بإنماء العلم معناه أنها صرفت جهودها عن مسألة التقويم وحاولت أن تعرف الأشياء معرفة موضوعية خالصة غير متأثرة بالأهواء والميول ، فالعالم في العصر الحديث إذا يعيش على ثقافة لم يشترك في إقامة أسسها ، ويأخذ بأذناب حضارة قائمة على العلم الذي وفق في ميدانه توفيقا غير مسبوق وأتى فيه بما لم تأت به الأوائل .
ولكن الحقيقة وتقويمها لا يمكن أن يظلا منفصلين انفصالا تاما ، والقيم التى نود أن نعيش عليها هي القيم التى نستمدها من الدنيا التي نعرفها ونألفها . وقد كانت ثقافة العصور الوسطى مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمعتقدات التي كانت سائدة حين ذاك عن طبيعة الكون . وقد أظهر لنا تقدم العلم الحديث أن الكثير من هذه المعتقدات عن طبيعة الكون مصدرها الوهم والخطأ والخلط ، وهذه المعتقدات نفسها التي كشف العلم بطلانها هي الأسس التي قامت عليها الثقافة الموروثة عن العصور الوسطى ؛ والصورة العلمية التي كونها مفكرو العصر الحديث تختلف عن الصورة العلمية للدنيا التي قامت عليها ثقافة العصور الوسطى ، ولذا يلاحظ أن القيم الثقافية الموروثة عن العصور الوسطى قد انفصلت عن الأسس التي قامت عليها ، وليس معنى ذلك أنها أصبحت باطلة زائفة ، وإنما معناه أنها لا علاقة لها بالدنيا كما كشفها لنا العلم الحديث ولا صلة لها بالظروف والأحوال التي نعانيها في العصر الحديث ، فهي كأشياء سابحة في الهواء لا مستقر لها ولا أساس .
ومنذ نهاية العصور الوسطي اطرد تقدم العلم ، وصحبته زيادة السيطرة على أحوال الحياة . وتطبيق هذه المعرفة النامية التدريجي كان معناه تقدم الحضارة المستمر ، وهذا هو الجانب الإيجابي في الروح الحديثة . أما الجانب الثاني في الصورة فهو الجانب السلبي ، وذلك أن التصور الحديث للدنيا قد هدم شيئا فشيئا أساس الثقافة الموروثة ، وقد قلل هذا بطبيعة الحال من قيمتها وأنقص قدرها . وقد بذلت محاولات جبارة لإنقاذها وإنهاضها على أسس جديدة . ولكن العصر الحديث لم يخلق بعد ثقافة جديدة ملائمة لحضارته العلمية . ولذا كانت محاولة إنقاذ الثقافة الموروثة محاولة غير مجدية ، وبالرغم من كل ما بذل فإن الثقافة الموروثة عن العصور الوسطى في أزمات مستمرة وهزائم متوالية ، وانهيار جوانب الثقافة الموروثة هو الجانب السلبي في الروح الحديثة .
وقد مرت هذه الحركة ، حركة ظهور الروح الحديثة ، في ثلاث مراحل : مرحلة تقدم العلوم الطبيعية ، ومرحلة تقدم علوم الحياة ، ومرحلة تقدم العلوم النفسية ، والمرحلة الثالثة ما تزال في البداية ، وفي كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث كان الجانب الإيجابي في تقدم ، والجانب السلبي في تأخر ، والصلة بين تقدم الحضارة وتأخر الثقافة نتيجة التوتر بين الجانبين ، فالثقافة كانت دائما تقاوم الهجوم على تصور الدنيا
الذي يكون الأساس الذي قامت عليه واستمدت منه قيمها ؛ ولذا حاولت إقامة العراقيل في طريق البحث العلمى ، ولما أعجزها ذلك حاولت أن تحدد ميدانه وتحصر نطاقه . ومما يلاحظ أن بعض مناطق المعرفة من وجهة النظر الثقافية أهم من المناطق الأخرى ، والثقافة تعنى بالقيم التي نعيش عليها ، وهذه القيم متصلة بعواطفنا وميولنا اتصالا وثيقا إلى حد أننا يمكن أن نعرف ثقافة أى مجتمع بأنها " تنظيم حياته العاطفية " والإنسان قوي الشعور بأشياء ولا يكاد يشعر بأشياء أخرى ، وهذه الفروق البارزة في نظرة الأقوام العاطفية تظل ثابتة إلى حد ما في كل مجتمع من المجتمعات البشرية بالرغم من أنها قد تتباين تباينا كبيرا في المجتمعات المختلفة أو في الأزمنة المختلفة ؛ ويمكن أن يقال بوجه عام إن عواطفنا تتأثر تأثرا أقوي بالأشياء التي تمس حياتنا الشخصية والبحث العلمي يتطلب النظرة المجردة غير المتأثرة بالعاطفة أو الهوي ، ومن ثم فإن البحث العلمي كلما تناول ناحية من نواحي البحث بعيدة عن مجال عواطفنا لقي مقاومة أقل ، وكلما اقترب من منطقة حياتنا الشخصية اشتدت المقاومة ، لذلك كانت العلوم الطبيعية أسبق في التقدم وحركة التطور العلمي من العلوم التي تتناول الحياة ، وكانت كذلك علوم الحياة أسبق من العلوم الاجتماعية والنفسية ، وما تزال العلوم النفسية تلقي من المقاومة ما يعرقل سيرها ويعطل نموها ، وذلك لأنها أقرب إلى عواطفنا وأسس بحياتنا الثقافية ، والكثيرون حينما يفكرون في علم النفس لا يستطيعون الاحتفاظ بهدوئهم العلمي لأن نتائج هذا العلم تمسهم من قريب ، وتجعل عقلهم يفقد القدرة على التزام الحياد العلمي ؛ وقد يحملنا ذلك على الاعتقاد بأن بين العلم والثقافة شيئا من الخلاف والنزاع ، وبأن العلم لا يتقدم إلا إذا قاوم الثقافة وقهرها في المعركة الناشبة بينهما ، ولكن هذا التفسير غير صحيح ، فالعلم الحديث إنما يقاوم الثقافة الموروثة لأنها قائمة على أسس قد زعزع أركانها وهدم جوانبها ، وحينما تنمو ثقافة جديدة على الأسس العلمية الحديثة يبطل هذا النزاع وينتهي عهد الصراع ، ويتعاون العلم والثقافة على تنظيم حياة الإنسان الداخلية والخارجية أو الثقافية والحضارية ، وأحسب الإنسانية سائرة في سبيل هذه الملاءمة المنشودة بين العلم والمعتقدات ، أو بين الحضارة والثقافة .

