الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 192الرجوع إلى "الرسالة"

الرومانسية والكلاسية، فى الأدبين العربى والانجليزى

Share

ينشأ أدب الأمة المتبدية ساذجاً بسيطاً صريح التعبير قريب المتناول،  مطلق السجية فى الإعراب عن الشعور الإنسانى، وتظل له هذه  السمة حيناً، حتى تتحضر الأمة وينتقل الأدب من جو الطبيعة الطلق  إلى حياة المدينة. بما تشمل من وسائل الحضارة المادية وأسباب الثقافة  الذهنية، فيرتقى الأدب لذلك كله وتتسع جوانبه وتبعد أغواه،  بيد أن الحضارة المادية التى توفرها المدينة لساكنيها ولا توفرها  الطبيعة للمتبدين، ربما طغت فأفسدت على القوم حياتهم؛ وكذلك  الثقافة العقلية التى فى ظلها يرتقى الأدب رقياً عظيماً ربما زيفت على  الإنسان شعوره، وتعاونت مع تلك الحضارة المادية على إفساد  الأدب بتغليب الصنعة والتكلف فيه على الحساس الصادق، وتكبيله  بالتقاليد والأوضاع، وتضييق حدوده وسد آفاقه، وإيلاء الألفاظ  فيه المكانة الأولى دون المعانى

إذا بلغ الأدب هذا الطور الصناعى التقليدى انحط ولم يعد يسير  إلا من تدهور إلى تدهور. وصار الأدب المتبدى على سذاجته أرقى  منه واصدق، ولم يعد للأدب الذى غلبت عليه الصناعة من سبيل  للنهوض، إلا الرجوع إلى الطبيعة والاقتباس من الأدب البدوى  المرسل الطبع. والاطلاع على آداب الأمم الأخرى التى لم يرهقها  التكلف ولم تفسدها الصنعة، بهذا وحده يتأتى له معاودة الحياة وأن  يعود ترجماناً صادقاً مبيناً لها، وبغير تلك العوامل الخارجية هيهات أن  ينهض الأدب العاثر من سقطته، وإنما يزداد إمعاناً فى التكلف السمج  جيلاً بعد جيل، وإغراقاً فى اختراع كاذب الأخيلة والأحاسيس  ومزجها بألاعيب الألفاظ، والخروج بكل ذلك عن كل ما يسيغه  ذوق أو بقبله عقل

فحياة الطبيعة المطلقة فى أعنتها، وحياة المدينة ذات الحضارة  والثقافة، تتنازعان الأدب وتؤثر كل منهما فيه تأثيراً خاصاً، ولكل  منهما مزايا هى قادرة على إيداعها الأدب: تمنحه الطبيعة شتى مناظر  جمالها وصدق شعورها وبعيد آفاقها ورائع أسرارها ومخاوفها،

وتمنحه المدينة وسائل التفكير العميق والنظر الثاقب والطموح إلى  المثل العليا، وأسباب الإنشاء الأدبي الفنى والجهد الأدبى المتصل،  والتفنن فى ابتكار صور الأدب وأوضاعه، والخير كل الخير أن يأخذ  الأدب من كلتا الناحيتين بنصيب، والأدب الذى اجتمع له رحب  الطبيعة وحرارة شعورها وجمالها، إلى ثقافة المدينة ووسائل التوفر  الأدبى فيها، أدب لا شك بالغ من الرقي غاياته؛ أما الدب المتبدى  فيظل على صدقه وجماله قاصراً ساذجاً، وأما أدب المدينة الذى بلغ  فى الانغمار فى جوها وأهمل جانب الطبيعة، فسائر إلى الفساد  والانحلال لا محالة

والرومانسية هي الصفة التى ينعت بها عادة الأدب الذي يؤثر  جانب الطبيعة، ويحفل بمظاهر عبادتها والتأمل فى ظواهرها ووصف  مشاهدها والسبح فى آفاقها، يؤثر كل ذلك على اللفظ فلا يهتم بهذا  إلا بقدر ما يستخرجه فى إيضاح أغراضه. وعلى حياة المدينة فلا  تستغرق شؤون السياسة وعلاقة رجاله برجالها ورجال البلاط والحرب  كل جهده والتفاته، ولا يصرفه الحاضر عن الولوع بالماضي والتأمل  فيه وفى المستقبل، ولا ريب إن ذلك لا يعنى إهماله لجانب الحضارة  والثقافة، بل هو بهما شديد الولوع ويدرس ماضيهما ومستقبلهما  شديد الشغف؛ والكلاسية هى النعت الذى يطلق على الأدب الذى  استغرقته حياة المدينة وشغل بها عن جانب الطبيعة وانغمر فيها رجاله، فى  مجتمعها ومندياتها ومعاركها السياسية والحزبية والشخصية، وآثر التألق  في اللفظ والشكل الأدبى وكفكف العاطفة فحل محلها الذكاء والبراعة  واللباقة، وضيق مجالات القول وحدد أغراضه، وكل هاتيك صفات  ولوازم تعلق بالمجتمع المترف وتنعكس عنه فى الأدب

وقد كانت الصبغة الرومانسية هى الغالبة على الأدب الإغريقى  فى عهد عظمته، لأنه ترعرع فى مجتمع قريب من البداوة، وفي حياة  شديدة النشاط مطردة الحركة، تجيش بالمغامرة والجلاد، وفى حرية  في الفكر والسياسة. أما الأدب اللاتينى فكان اكثر اصطباغاً  بالكلاسية لأنه لم يبلغ ذروته إلا فى ظل الملكية المطلقة والإمبراطورية  الموطدة المستقرة. فكان أدب مدينة وثقافة متانقة، واشتهر أعلامه  كفرجيل بإحكام الأسلوب والتشبث بمبادئ وتقاليد أدبية خاصة،  وما زالت إلياذة هومير وأنياد فرجيل موضوع مقابلة من هذه الناحية.  وكان أدباء الإنكليزية اكثر احتفالاً باللانينيير وإقتداء بهم فى العصر  الكلاسى فى الأدب الإنكليزى، كما كانوا فى عهده الرومانسى أميل  إلى اليونان واكثر تغنياً بآثارهم، وبعدم اطلاع الأدب العربى  على الأدب اليونانى فقد هذا العصر الرومانسى الذى اصبح فى

حاجة إليه، حين انتقل إلى المدينة وشغل بآثار الحضارة والثقافة

وقد كانت الرومانسية هي الصفة الغالبة على الأدب الإنكليزى  فى العصر الإليزابيثى؛ ففى ذلك العهد كانت البساطة والخشونة تسودان  المجتمع والبلاط؛ والحركة والنشاط والتطلع تتجلى فى شتى نواحى  الحياة: فى العلم والأدب والكشف والمخاطرة والحرب. كان عهد  نهضة تتحفز وتستشرف إلى الجديد وترمى إلى التوسع، لا تقنع  بالقليل الحاضر ولا تقبل القيود والحدود؛ وزمن شباب يولع بالقوة  والجلاد ويبرم بالأنيار والأقياد، فهو لا يرضاها فى الأدب؛  ومن ثم جاء أدب ذلك العصر غزير المادة متلاطم العباب مترامى  الأفاق، جياشاً بشتى العواطف والمعانى، حافلاً بمختلف الأوضاع  الأدبية والمذاهب الفنية، لم يتقيد رجاله بتقاليد فنية غير معقولة:  فعلى حين تقيد أدباء الفرنسية بالوحدات الثلاث التى أثرت عن الدرامة  الإغريقية، انتفع الأدب الإنكليزي بخير ما فى تلك الدرامة وضرب  بتلك الوحدات عرض الحائط؛ ولم يتقيد بألفاظ خاصة فى الشعر،  مما اصبح فيما بعد يسمى   (الألفاظ الشعرية)  بل زاد على استعمال  كل ما فى لغة الكتب أن اقتبس من لغة العامة واصطنع بعض ألفاظ  اللغات الأجنبية، واشتق ما راقه من ألفاظ. واخرج هذا العصر  الحافل كبير شعراء الإنكليزية شكسبير، وانجب بجانبه أحد كبراء  شعرائها سبنسر، وامتد هذا العصر حتى انتهى بظهور علم ثالث من  أعلامها هو ملتون

تصرم ذلك العهد المملوء بالحرية والنشاط والجرأة والفتوة،  وتلاه عصر كلاسى طويل، بين أواخر القرن السابع عشر وأواخر  القرن الذي يليه، خمدت فيه روح المغامرة والتطلع التى كانت متنبهة  فى عصر إليزابيث، واستراح الناس إلى حياة المدينة ومنتدياتها،  وانغمر الأدباء فى المعارك الأدبية فيما بينهم، فكان نزاع بين كل من  دريدن وأديسون وستيل وديفو وسويفت ومعاصريهم، محتدم حيناً  ومترفق حيناً، ومعلن تارة ومستتر أخرى؛ وانغمروا كذلك فى  المشادات السياسية وانضووا تحت ألوية الأحزاب، وشجعهم رجال  تلك الأحزاب على الانخراط فى سلوكهم والذود عن مبادئهم بأقلامهم،  فكان سويفت فى صف المحافظين، وادسون فى جانب الأحرار،  وكان ستيل يختلف من هؤلاء إلى أولئك. وخلا أدب ذلك العصر  أو كاد من ذكر الطبيعة ومجاليها، وحتى أولئك الأدباء الذين كانوا  يرحلون إلى الأقطار الأجنبية، لم تكن تحرك نفوسهم مناظرها  الجديدة، فكانوا يتناولون فى رسائلهم إلى أصدقائهم فى الوطن شتى

المواضيع ماعداها. واهتم أدباء ذلك العهد باللفظ كل اهتمام وقدموه  صراحة على المعنى، وجعلوا للشعر ألفاظاً لا يتعداها ومواضيع  لا يتخطاها، واتخذوا للشعر وزناً واحداً مزدوج القافية لم يكد أحد  ينظم فى سواه، وقلدوا الأقدمين من أدباء الإغريقية واللاتينية  ونقادهما. وانصاعوا لمبادئهم انصياعاً أعمى؛ وبهذا كله ضاقت حدود  الأدب ضيقاً شديداً، وأرهقه التكلف وفدحته القيود، فسار إلى  الانحلال

وزعيم هذا المذهب الكلاسي الذي بلغ اوجه على يديه هو بوب  الذى نال الغاية من إحكام اللفظ، وقد قال عنه بعض مترجميه إن  شعره ليس إلا نثراً جيد النظم، وذلك حق: فهو يتناول فى شعره  مواضيع هي أقرب إلى النثر وأبعد عن الخيال والشاعرية؛ وكان  يسمي بعض قصائده   (مقالات)  ومنها مقالته فى النقد التى نظم فيها  مبادئ المذهب الكلاسى فى الأدب ونقده، فظلت مرجعاً لمن تلاه  من شعراء المذهب، ومنها يقول:   (تعلم إذن التقدير الحق لمبادئ  الأقدمين، فمحاكاتها هى محاكاة للطبيعة، فتلك المبادئ القديمة - التى  إنما اكتشفت ولم تخترع - إن هى إلا الطبيعة؛ غير أنها الطبيعة  منظمة مهذبة) ، وقد ترجم بوب إلياذة هوميروس ترجمة قدسها  معاصروه، ولكنها قلما تذكر الآن أو يعتمد عليها أو تعد صورة  صحيحة لشعر هوميروس، إذ كان من المستحيل على أديب مشبع  بالروح الكلاسى أن يخلص إلى روح الشاعر الإغريقى الرومانسى؛ ثم  دبت فى المجتمع الإنجليزي روح جديدة، وانتعش الأدب الإنجليزى  من خموله باطلاعه على آداب الأمم الأخرى الناهضة كالأدب الألمانى،  والعودة إلى صدر الطبيعة الرحب الحافل بالأسرار والحياة والوحى.  تمخض كل ذلك فى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل الذى يليه عن  نهضة رومانسية جديدة فكت الأدب من عقاله ونبهت الشعر من  غفوته، ورحبت آفاقه وبسطت جوانبه، وسبحت به فى آماد الكون  والطبيعة والإنسانية، وأنجبت هذه النهضة جمهرة أخرى من أفذاذ  الأدب الإنجليزي؛ أنجبت وردزورث وبليك وكولردج، ثم بيرون  وشلى وكيتس، ثم تنيسوت وبراوننج، عدا من أخرجت من أفذاذ  النثر الذين جاء نثرهم حافلاً بمظاهر النهضة الجديدة؛ ولا غرو: ففى  العهود الرومانسية يتجلى الروح الشعرى حتى فى النثر، وفى العصور  الكلاسية يفيض الروح الشعرى حتى فى النظم؛ وما تزال تلك النزعة  الرومانسية ملحوظة فى الأدب الإنجليزى، على ما داخله من نزعة  واقعية. وإقبال على درس مسائل المجتمع كافة

والعصر الرومانسى فى الأدب العربى هو ولا شك عصر الجاهلية

والعهد الراشدى وصدر العصر الأموى: فى تلك العهود وكان المجتمع  العربي أدنى إلى البساطة والتبدي، وكان الأدب مرسل السجية صادق  التعبير عن خلجات النفوس: من حزن وطرب ولذة وألم، وحب  وبغض وحماسة ووصف، خالياً فى أكثر نواحيه من مظاهر التكلف  اللفظي أو التعمل فى المعنى أو التصنع فى الموضوع. وما تزال لحكم  بعض الأعراب والأعرابيات ومراثيهم، وحماسيات قطرى بن الفجاءة  وغزليات جميل وقيس، روعة فى النفوس وغبطة شاملة، لصدورها  عن طبع سليم وشعور صميم؛ هذا على رغم بساطة ذلك الأدب وخلوه  من مظاهر التثقف والتعمق فى التفكير

تجرم ذلك العصر بطول عهد العرب بالحضارة والثقافة،

ومهدت حضارة المدينة وثقافتها من أسباب القول ودواعى النظم

ووسائل التفنن الأدبى ما لم يتوفر فى البادية، فنشأ من ذلك أدب

جديد يفوق أدب العصر السالف تعدد مواضع وعمق نظرة ووفرة

محصول، وتجلى ذلك فى خير آثار ابن الرومى والطائى والمتنبى

والمعرى، والجاحظ والبديع والجرجاني وأضرابهم. على أن الأدب

في طوره هذا انغمر فى جو المدينة انغماراً تاماً، فكان هذا عهداً

كلاسياً صميماً: فيه تزايد ولوع الأدباء تدريجاً باللفظ. واحتفاؤهم

به، ثم استعبادهم أنفسهم له وللأوضاع والمبادئ الموروثة عن

المتقدمين. وضاقت مواضيع القول رويداً رويداً وكبلها التكلف

والإغراب، وتجمع الأدباء حول موائد الأمراء ورجال السياسة

والحكم والحرب، وخاضوا غمار مشاحناتهم، وتشاحنوا هم أنفسهم

فيما بينهم، وهي مشاحنات تذكرنا بحملات سويفت ودريدن على

الوزراء والقواد فى عصرهما، وحملاتهما على غيرهما من الأدباء، فمن

هجاء الوزراء قول دعبل فى وزير المأمون:

أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبره أبو عباد

يسطو على جلاسه بدواته ... فمضمخ بدم ونضح مداد

ومن تهاجى الشعراء قول ابن الرومى فى البحترى :

أف لأشياء يأتى البحترى بها ... من شعره الغث بعد الكد والتعب

البحترى ذنوب الوجه نعرفه ... وما عهدنا ذنوب الوجه ذا أدب

وقول المتنبى فى معاصريه :

أفى كل يوم تحت ضبنى شويعر ... ضعيف يقاوينى، قصير يطاول؟

وكم جاهل بى وهو يجهل جهله ... ويجهل علمى أنه بى جاهل

وفى ذلك العصر الكلاسى الطويل أعرض الشعراء إعراضاً يكاد  يكون تاماً عن الطبيعة وحديثها ومجاليها، وأقبلوا على حياة المدينة  أى إقبال. وما منهم من له عمل أبعد من أن ينال النجاح فيما تهيئه

لأبنائها من أسباب اللذة والمتعة والشهرة، فكان منهم طامح إلى  الملك كالمتنبى والشريف الرضى، وحريص على الوزارة كالصاحب  وابن العميد، وراغب فى الولاية حظى بها كالطائى وقصر عنها كابن  الرومي، ومغتبط بالحظرة والمنادمة كأبى العتاهية والبحترى، وغير  هؤلاء وأولئك ممن سعوا سعيهم ولم ينالوا مثل شهرتهم؛ وممن طمحوا  فيما هو دون ذلك من متعات الحياة. ونظير ذلك كله تراه فى العصر  الكلاسى الإنجليزى سالف الذكر: فقد تقلب دريدن بين الأحزاب  وحرص على الحظوة فى البلاط. وتدرج أديسون فى المناصب حتى  صار وزيراً للخارجية، ولم يقنع سويفت بما تولى من مناصب فى  الكنسية، وكان إخفاقه فى مطامعه البعيدة أحد أسباب نقمته وتشاؤمه وتجلت هذه الصفة الكلاسية فى الأدب ذاته: حددت مواضيعه  وقصرت على ما اتصل بالحاضر القريب من شؤون الحياة فى المدينة،  وأهملت المواضع الرومانسية الصبغة، كالالتفات إلى الماضى  واستعراض حوادثه الطريفة واتخاذها مادة للنظم والنثر، ومعالجة  خرافاته واستلهامها ما بها من معانى الجمال والعظمة والبطولة، وأهملت  أحاديث الرحلات وأوصاف البلاد البعيدة والأصقاع المجهولة،  ما وجد منها فى الحقيقة وما يتخيله الشاعر، وكفكف الخيال  ونبذت آثاره من عالم الأدب.

خلا الأدب العربى فى ذلك العهد من كل هذه المواضيع، وهى من صميم الشعر ولباب الفن وجوهر الأدب إذا ما تحضر أهلوه وانتفعوا  بالثقافة، وإنما تركت هذه المواضيع الجليلة للأدب العامى، فظل  الأدب الفصيح أدباً كلاسياً وصار الأدب العامي هو الممثل للرومانسية دام ذلك العصر الكلاسى الطويل فى الأدب العربى طوال عهد  ارتقاء الأدب، أي زهاء ثلاثة قرون، ثم طوال عهد انحطاطه أى  إلى العصر الحديث، لم تعقبه خلال تلك الأجيال المتوالية نهضة  رومانسية تخفف من غلوائه وتصلح من فساده، وتقيم ما اعوج من  مبادئه الأدبية، وتعود به إلى الطبيعة التى هجرها واستغرق فى النوم  فى أحضان المدينة: لم تنبعث فيه تلك النهضة التى انبعثت فى الأدب  الإنجليزى فى أعقاب القرن الثامن عشر، حين بلغ العهد الكلاسى  مداه من التحكم فى أساليب الأدب. وبلغ الأدب الدرك من الإسفاف  والأمحال؛ ذلك لأن الأدب العربي كانت تعوزه تلك العوامل  التي تساعد على النهضة وتعاون على الرجوع إلى الطبيعة وتنبت الميل  الرومانسي، فكان استمرار النزعة الكلاسية المحتدمة فى الأدب  اكبر أسباب تدهوره الطويل.

فالأدب العربى لم يكن على اتصال بآداب أجنبية فيأخذ عنها حب الطبيعة وإيثار البساطة , ويلتفت باطلاعه عليها إلى حقائق الحياة

الكثيرة التى أهملها، وهو لم يكن يتنازل فيتصل بآداب العامة وأقاصيص  الزراع والرعاة، التى تنسم فيها نسائم الطبيعة والبساطة والشعور  الصميم، وهو لم يكن يرجع إلى ماضيه الرومانسى الذى سبقت  الإشارة إليه، فينظر فيه نظرة حرة مميزة، تستخلص اللباب وتنظر  من خلاله إلى حقائق الحياة، إنما يرجع إليه طلباً للأسلوب واللفظ،  دون المعنى والموضوع، كان يعده كنز لغة فصيحة الأساليب والألفاظ  لا كنز حقائق منتزعة من الحياة الصميمة. فإذا نظر إلى المعانى حاول  حكايتها وتقليدها تقليداً كاملاً على ما هى عليه، أى حاول الأديب  أن يحيا فى أدبه حياة البدو ويشعرهم بشعورهم كله، وكان الأجدر  أن ينبذ ذلك جميعاً، ولا يهتم إلا بصدق تعبير أولئك المتقدمين عن  شعورهم، ووجوب صدقه فى تعبيره عن شعوره الصحيح، فى عصره  وحياته المخالفين لما كان قبله

ظل هذا المذهب الكلاسي التقليدي سائداً الأدب العربى، يقلد  المتأخر المتقدم ويزيد عليه تقييداً وتضييقاً فى مجالات القول وأوضاعه،  مادام الأدب محجوباً عن غيره من الآداب بعيداً عما جهله أو تجاهله  من حقائق الحياة والأدب، حتى أتيح له الاتصال بالآداب الغربية  في العصر الحديث، فصحا من غفوته ونفض عنه تدريجاً غبار التقليد  والتقييد اللفظى والمعنوى، وفتن بحقائق الكون ومحاسن الطبيعة  التي كان عنها فى شغل، وتناول شتى المواضيع التى كان حرمها على  نفسه، وبالجملة تقشع عنه عصره الكلاسى الطويل، وأشرق عليه فجر  نهضة رومانسية جديدة

اشترك في نشرتنا البريدية