الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 341الرجوع إلى "الثقافة"

الريحانى يحل فرقته

Share

ولو أنى مبتعد عن المسرح والسينما منذ سنوات ، غير أنه قد ساءنى ما قرأت من أن الأستاذ نجيب الريحانى قد حل فرقته . .

ومع أنه يقول إنه قد بدأ يؤلف فرقة جديدة ، فإن قوله هذا لا يحد من اسفى ولا من أسف الكثيرين الذين يحبون الريحانى ويحبون فرقته .

فالحق أن الريحانى وفرقته وحدة لا تتجزأ ، ولا يصح أن تتجزأ ، فإنها إذا تجزأت فقدت الكثير من قوتها ، وروعتها ، وبهائها .

والمسئول عن هذا ، أو صاحب الفضل فى هذا ، هو الأستاذ نجيب نفسه . فهو منذ بدأ عمله من جيلين فاتا ، درج فى عمله على طريقة كانت من أقوى أسباب نجاحه ،

كما كانت من أقوى أسباب المجد الفنى الذى يتمتع به أفراد فرقة الريحاىي اليوم . وتلك الطريقة هى أنه بعمد اثناء كتابة الرواية مع زميله الأستاذ بديع خيرى الى تفصيل الأدوار على الممثلين ؛ فهو يوزع أدوار الرواية قبل أن يكتبها ، ثم يكتبها بعد ذلك وهو يعلم من من الممثلين سيقوم بهذا الدور ، ومن منهم سيقوم بذاك ،  وكيف سيقوم هذا الممثل بهذا الدور ، وكيف سيقوم ذاك بذاك

وبهذه الطريقة ربى الريحانى ممثليه ؛ حتى إن كلا منهم أصبح مختصا بنوع خاص من الأدوار وإن كان يستطيع تمثيل غيره . فالأستاذ بشارة واكيم هو الشامى كلما كان فى روايات الريحاني شامى ، وإن كان يعهد إليه بأدوار غير هذا ، وإن كان يؤدى أدواره جميعا خير الأداء ، وكذلك الاستاذ محمد كمال المصرى ، فهو عسكرى الريحانى ، أو هو الموظف العتيق ، والأستاذ عبد الفتاح القصرى هو

(( البلدى)) والأستاذ حسن فابق هو (( العصبى )) ، والأستاذة مارى منيب (( الرداحة )) ، والاستاذة ميمى شكيب (( الشقية )) وهكذا .

وقد قلت إن هذه الطريقة كان من أثرها أنها رسخت أقدام الممثلين فى أدوارهم ، ومكنتهم من إجادتها تمكينا كبيرا ؛ وأكسبتهم المجد والشهرة ، ولذلك فانى أعتبرهم إلى حد بعيد مدينين للريحانى بتفوقهم .

وثمة شئ آخر يلاحظ على ممثلى الريحانى ؛ ذلك أن بعضهم كثيرا مايهجر فرقة الريحانى إلى فرق أخرى ، أو كثيرا ما يعمل بعضهم فى روايات السينما وتسند إليه ادوار من النوع نفسه الذى يسند إليه عند الريحانى . ولكن يحدث دائما أن ممثل الريحانى يكون عنده أسطع وألمع مما يكون عند غيره ، وذلك يعود فى الواقع إلى البراعة التى اكتسبها بديع خيرى فى دراسة أشخاص الممثلين أنفسهم ؛ فهو يعرف أصواتهم ومقاماتها ، ودرجة خفة كل منهم فى الحركة ، والإشارة ، ومقدرة كل منهم فى فهم دوره وفى التعبير عنه بتلوين الصوت ، وغير ذلك مما يجعله يحبك العبارات التى يهديها إلى هؤلاء الممثلين حبكة نستطيع بها أن نقول إن بديع خيرى يمثل الرواية كلها تمثيلا نموذجيا أثناء ما يكتبها ويعد أدوارها .

وليس أفراد الفرقة وحدهم هم الذين دربوا هذا التدريب ، فكبيرهم الريحانى نفسه ظل زمنا طويلا وهو يمثل دورا واحدا هو دور (( كشكش بك )) العمدة المصرى الغنى الذى يجب الحياة فى القاهرة ليتبذل فيها .

وهذا هو الدور الذى خلد نجيباً وإن كان نجيب قد هجره اليوم .

وصحيح أن نجيبا نجح نجاحا ما بعده مزيد فى رواياته الأخيرة وفى كل الأدوار التى قام بها علي اختلاف ألوانها ، ولكنه صحيح أيضا أن (( كتكش بك )) لا يزال هو الدور

الذى يصل فيه نجيب قمة القمة . والسبب فى هذا هو أن نجيب الريحانى نفسه ليس إلا عمدة يجب الحياة فى القاهرة وفى غير القاهرة ليفعل ما يفعله العمدة (( البحبوح )) ، فهو يتمتع بكل شئ ، وينفق كل شئ ، ويعانى من أولاد الحرام المتساقطين عليه من كل جانب كل ما يعانيه رجل طيب القلب صغير المكر وإن كان شديد الذكاء .  .  .

نحن نرى هذا الرأى وإن كنا نعلم أن الريحانى قد بدأ منذ سنوات يعتبر روايات (( كشكش )) التى كتبها هو وارتفع بها شيئا يجئ فى الدرجة الثانية بعد رواياته الجديدة . وقد يكون هذا حقا ، ولكنه لا يعيب شخصية (( كشكش ))  نفسها . فهى شخصية ما تزال حية ، وما تزال متجددة وما تزال قوية جدا ، ولا تزال منجما من مناجم الفن التى لا تنقذ . . . وما دام فى مصر عمدة فلابد أن يكون على مسرحها (( كشكش ))  .

ولكشكش أن يتطور كما تطور العمدة . .

كان العمدة فيما مضى يجب القاهرة ، ويحب التبذل ، وكان غنيا ، وكان مبهورا بالمدنية الجديدة ، وكان مشوقا إلى الانغماس فى أسباب الترف والعبث والفرنجة . ، كان هذا بالأمس أيام اقتبس الريحانى شخصية كشكش . ولكن الحال تغير اليوم . . فالعمدة اليوم غارق فى الدين ، غارق فى الحيرة والضلال ، تعلم ولكن إلى حد ، وتفريج حتى منتصف الطريق ، واشتغل بأمور لم يكن العمدة فيها مضى ليعلم عنها شيئا . . من ذلك السياسة الخارجية والسياسية الداخلية ، والشئون الاجتماعية ، والإصلاحات الداخلية وبرامج الأحزاب ، والانتخابات ، والديمقراطية والشيوعية ، وسائر هذه الشماعات الفكرية التى تمتد من بعيد إلى حياة العمدة المصرى فتضيئها بأضوائها المختلفة التى يشتد بعضها ويضعف بعضها .

لذلك فإنى لا أعتبرها رجعية مني ، إذا أنا طالبت

الريحانى بأن يعاود النظر من جديد فى حياة العمدة المصرى ليستخرج منها روايات جديدة فيها الألوان المصرية الجديدة التى طرأت علي حياة العمدة .

وكذلك فإنى لا اعتبره فضولا ولا تطفلا منى أن يعيد النظر فى قرار حل فرقته هذا الذى أسفنا له كثيرا . فليس من السهل أن يربى الريحانى فرقة جديدة يفهمة أفرادها ويفهمهم ، ويرتاح إليهم ويرتاحون إليه كهؤلاء . وأنا لا أشك فى أن الخلاف الذى نشأ بين الريحانى

وأفراد فرقته خلاف مادى ، فلعلهم لما يرون من نجاح الفرقة يطمعون فى مزيد من الأجر ، ولعله هو يحسب هذا الطمع افتتانا عليه يقترفه أولئك الممثلون على سبيل الفرعنة لأن الله قد فتح عليهم بالعمل فى السينما . .

افرض هذا حقا يا أستاذنا نجيب وكن عند حسن ظنهم فى كرمك ، وليكن على حسابك انت يا أبا الفن أن تتمتع مصر بك وبفرقتك كاملة . . .

اشترك في نشرتنا البريدية