الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 300الرجوع إلى "الثقافة"

الريف المصرى ومتناقضاته، والأمل في إصلاحه

Share

ما اعجب الريف في مصر ! إنه مستودع المتناقضات . ففي المكان الواحد نجد الغني الذي يلعب بالمال لكثرة مكاسبه ونمو ثروته يوما بعد يوم ، وإلى جانبه الفقير المدفع الذي لا يجد الكفاف لنفسه ولزوجه وبنية ، والذي كلما طلع عليه يوم جديد فاجأه بارتفاع جديد في اثمان حاجياته الضرورية ، واضطره لان يقنع بما لا يسد جوعا ولا يستر عوره

وفي المكان الواحد تجد الأسرة التي تعيش عيشة صحية فتأكل اطيب المأكولات وأكثرها غذاء ، وتشرب الماء المصفي المعقم ، وتسكن الدور التي حصنت ضد الذباب والبعوض ، وتركب الإنعام والسيارات التي تقرب البعيد وتقتصد في الوقت وتريح الجسم ؛ وإلى جانب هذه الأسرة تعيش اخري عيشة بؤس وشقاء وفناء تدريجي ، فلا تجد من المأكل ما يحوي العناصر الغذائية اللازمة لنمو الجسم والاحتفاظ بقوته وقدرته المقاومة ، ولا تجد من الماء إلا العكر الزاخر بالميكروبات ، وإذا آوت إلي دارها هاجمتها جيوش الذباب والبعوض والقمل والبراغيث التي تنقل إليها عدوي مختلف الامراض ، وتمتص من دماء افرادها معظم ما تبقى في تلك الأجسام المنهوكة من الجوع والمرض والتعب!

وفي المكان الواحد تجد الرجل المتعلم الذي يفهم الحياة ، ويدرك اسرار الطبيعة ، ويطلع على ما يجري في العالم ، ويعرف كيف يستغل الصناعة والمدنية ، ويقدر العلم والفن والأدب ، ويفهم قواعد السلوك ، وطبائع البشر ، وقوانين المجتمع ، وأمور الدين ، وأسس الفضائل الخلقية ؛ وإلى جانبه تجد الرجل الذي لا يختلف عن الحيوان إلا قليلا ،

فلا يعرف من أمور الدنيا إلا قواعد العمل البسيطة التي ورثها عن أبيه وجد ، ولا يفقه شيئا في العلم ولا في منتجات الصناعة والمدنية ، ولا في مقتضيات السلوك والتعاون مع الجماعة ، ولا يطلع على شيء مما يجري في العالم بل ولا في بلاده ، كما انه يجهل أمور دينه وواجباته الخلقية ، اللهم إلا ما ألفى والديه وكبار أسرته يمارسونه .

وفي المكان الواحد تجد الرجل الذي يعرف ربه ، ويعرف ان الدين المعاملة ، ويصدق إذا قال ، ويوفي إذا وعد ، وينجد إذا استغيث به ، ويؤدي الأمانة ، وله على نفسه من ضميره رقيب فيما يقول وما يفعل ؛ وإلى جانب هذا تجد الرجل الذي لا خلاق له ، والذي يعبد القرش من دون الله ، فمعاملته كلها رياء وخداع وغش ، وكلامه كذب ونفاق ودس ، فلا يقول صدقا ولا يوفى بوعد ، ولا يرعي ذمة ولا يؤدي أمانة ، ولا يخشى ضميرا ، ولا يراقب ربه في أي عمل من أعماله .

هذه الفروق الهائلة ترجع إلى امور ، منها ان الثروة غير موزعة توزيعا عادلا معقولا في الريف . فالناس هناك إما من كبار الأغنياء وهم قليل ، وندر منهم من يسكن بالفعل في الريف ذاته ، وإنما يترددون عليه من آن لأخر ، وإما من جيش الإجراء أو العمال الزراعيين ، وهم الأغلبية الساحقة ، الذين لا يملكون شيئا وإنما يكسبون قوت يومهم من الشغل عند كبار المزارعين ، ومن تفليح قطع صغيرة من أراضي كبار الملاك . وأما متوسطو الحال فعددهم قليل ايضا ، وهم مبعثرون هنا وهناك ، فمنهم الذين يملكون قليلا من الأفدنة يعيشون من زراعتها ؛ ومنهم التجار الصغار ؟ ومنهم الموظفون الذين يقع مقر عملهم في صميم الريف فيضطرون للسكنى فيه ، ويختلفون إلى المدن من آن لآخر ولا سيما في فترات إجازاتهم السنوية .

ومن الأسباب المؤدية إلى تلك الفروق العظيمة وذلك التناقض الملحوظ الاختلاف الكبير في الثقافة : فالأغنياء معظمهم قد اتموا تعليمهم في المدارس ؛ والفقراء أميون لم يذهبوا إلى المدارس ولم يذوقوا للتعليم طعما ؛ ومتوسطو الحال قد اصابوا قدرا من التعليم لا بأس به في المدارس التي أتاحت لهم ظروفهم دخولها ، ومن المجتمع يحكم اختلاطهم بمن هم أوسع منهم ثقافة وأكثر اطلاعا .

ومما يؤسف له أن أثر المتعلمين تعليما راقيا في الجهلاء تافه لا يكاد يحس ، وذلك يرجع من جهة إلى قلة عدد هؤلاء المتعلمين كما قدمنا ، ومن جهة اخري إلي عدم اختلاطهم بالآخرين كلية ، أو اختلاطهم بهم اختلاطا يسيرا ، وفي حذر ، بحيث لا يتيح للجهلاء فرصة التأثر بهم تأثرا اجتماعيا وثقافيا يرفع من مستواهم ، ويبصرهم بالعالم المتمدن ، ويهذب من نفوسهم واخلاقهم وهذه الظاهرة يختص بها الريف ، أما في المدن فإنه وإن عز اختلاط الأغنياء بالفقراء فاختلاط الأخيرين بمتوسطي الحال ومتوسطى التعليم ميسور ودائم ، وله اثره الملحوظ في النهوض بفقراء المدن ، وفي توسيع افقهم الفكري والاجتماعي

هذه الحال من المفارقات التى وصفناها في الريف سبة في جبين الأمة ، ومؤلمة لكل محب لبلاده ، ومعطلة للتقدم العمراني ، ولابد من تغييرها ، بأقرب ما يمكن ونريد الآن ان نبحث فيما اذا كانت الأمور سائرة في هذا الاتجاه ، بحيث تجعلنا نؤمل ان يتحسن الحال في القريب العاجل ، أم انه يخشى أن تظل الفروق قائمة جيلا آخر غير الأجيال السابقة.

هناك جهود تبذل في الوقت الحاضر لتحسين حال الريف المصري . فوزارة الاشغال دائبة على تحسين الري والصرف ، وتدبير المياه اللازمة للأرض المزروعة ، أو التي تستصلح في جميع انحاء البلاد ، وتوفير المصارف الضرورية

لإطراد تحسن الأراضي ؛ ووزارة الصحة مهتمة أكبر اهتمام بالمشاريع الصحية التي تقضي علي الافات المهلكة للصحة ، وبالمشاريع التي ترمي إلى توفير وسائل الوقاية من الأمراض وعلاجها ، وجعل ذلك كله في متناول الفلاح في كل جزء من أجزاء القطر المصري .

وبوزارة الزراعة لا تألو جهدا في البحث عن وسائل تحسين التربة ، وتحسين البذور ، وتحسين نسل الحيوان ، وتوفير السماد ، وتوفير اسباب مقاومة الحشرات ، وتسهيل حصول الملاك علي الآلات الزراعية الحديثة ، واتخاذ العدة لنشر دعاية واسعة النطاق لا تحريرية فحسب ، بل عن طريق الاتصال الشخصي ، وذلك بما تزعمه من نشر رجالها وبثهم في جميع المراكز ، بل والقري علي نطاق واسع ثم يسبق له مثيل.

كل ذلك حسن وجميل ، ولكنه يتوقف على حسن استجابة الفلاح ، وعلى استعداده للاستفادة من هذه الجهود ، وذلك لا يكون إلا بتحسين عقليته ورفع مستواه الثقافي وتوسيع افقه الفكري والاجتماعي . وهذا هو ما نرجو ان تقوم به وزارة الشئون الاجتماعية في خلال تنفيذها لمشروع مكافحة الأمية ؛ فما ينبغي ان تقصر جهودها على امر ( فك الخط ) اي تعليم القراءة والكتابة ، وإنما ينبغي ، كما سبق ان قلنا وقال غيرنا ، ان يكون همها الأول النهوض بالفلاح نهضة شاملة من جميع النواحي ، تجعله مستعدا للاستفادة من كل الجهود التي تبذل من أجله في طول البلاد وعرضها ، وفي جميع نواحي النشاط الحكومي والأهلي.

وبعد ، فهل هذه الجهود الحكومية التي ذكرنا أمثلة منها كافية لحل المشكلة وتحقيق الأغراض وإنعاش الآمال ؟ أظن لا . فالحملة في هذا السبيل يجب ، كما قلنا من قبل على صفحات هذه المجلة ، ان يشترك فيها الاهلون بكل ما اوتوا من قوة ، وبحماسة وإخلاص . فكل فرد

يجب ان يستشعر ان عليه واجبا خاصا من هذه الناحية يتحتم عليه تأديته ؛ فالعلماء على اختلاف انواعهم يجب ان يساهموا في  إنارة السبيل لوضع الخطط وفي تمهيده ليكون التنفيذ على الوجه الاكمل وشباب الأمة الذين ستستخدمهم الحكومة وغيرها من الهيئات في تنفيذ المشروعات العمرانية الإصلاحية ، يجب ان يقبلوا على عملهم بقوة وإخلاص وروح تمليها الإرادة ، حتى نضمن اداء العمل على الوجه الذي يحقق الأغراض ويرتاح إليه الجميع

والآن فلنضرب بعض أمثلة للتعاون المنتظر :

ولنبدأ بالإشارة إلي الناحية الاقتصادية التي نظنها معقدة كل التعقيد . فقد نادى الناس فيما مضي بأن علي ذوي الشأن واولي الامر واجبا ان يضعوا حدا ادني لاجور العمال ، ولكن نبين الآن ان هذا العلاج ليس له أثر محسوس ، فقد ارتفعت أجور العمال الزراعيين بالفعل ارتفاعا كبيرا ، ومع ذلك لم يجدهم ذلك نفعا ، ولم يهون عليهم امور الحياة ؛ وذلك لأن ارتفاع الأجور قد صحبه ولازمه ارتفاع في اثمان الحاجيات بنسب اعلي بكثير من نسب ارتفاع الأجور ، بل إن هذه الأجور تنقص احيانا دون ان يصحب نقصانها اي هبوط في اسعار الحاجيات . فعلى رجال المال وعلماء الاقتصاد إذن أن يدلوا الأمة على طريق حل هذه المشكلة !

أما الناحية الاجتماعية فقد يكون فيها رجاء ، فالناس بدأوا يدركون ان نظام الطبقات نظام فاسد ، وان الديمقراطية التي ينادي بها الغربيون ، ويدافع فريق منهم عنها الآن دفاعا مجيدا ، وروح الاخاء والتعاون الذي أوصى به الإسلام وحض عليه وجعله خير عنوان للدعوة الإسلامية ، هذان الاعتباران يقضيان بأن ترتفع الحواجز بين الأغنياء والفقراء ، وبين المتعلمين والجهلاء.

هذا إلى أن كبار المزارعين وملاك الأراضي ، ولا سيما المتعلمين منهم ، قد اخذوا يقدرون الريف ويطمئنون إلي السكني فيه وينعمون بجماله ، ويشتركون اشتراكا فعليا في حسن استغلاله ، والإكثار من إنتاجه ومن خبراته ، وقد اقتضى ذلك ان أخذوا ينزحون إليه ، ويعمرونه ، ويتصلون بأهله .

فذلك كله سيؤدي إلي زيادة الاختلاط بين مختلف الأنواع ، اختلاطا سيكون له فيما تري اعمق الأثر ، وأجل الفوائد من النواحي التي نحن بصددها إذا صحبه عطف من جانب المحظوظين نحو إخوانهم المحرومين ، ورغبة أكيدة من الأولين في المساهمة في تحسين حال الآخرين .

وأما الناحية الخلقية فلعلها أصعب المسائل التي أمامنا ، وأعقد المشاكل التي تواجهنا ؛ فهناك موجة من الإباحية اجتاحت العالم بعد الحرب الكبرى الماضية ، ولم نسلم منها ، بل تأثرنا بها نحن هنا في مصر تأثرا سيئا . وقد زادت عليها بعض عوامل محلية اخرى ضاعفت ذلك الاثر وزادته سوءا ، وأصبح الفرد لا يهمه إلا مصلحته الذاتية ، فيقصر سعيه على ما فيه منفعته الشخصية ، و يحيل لنفسه في سبيلها ان يقترف ما يتنافي مع حسن السلوك وقواعد الأخلاق الفاضلة ، لا فرق في ذلك كله بين غني وفقير ، وعالم وجاهل ، و كبير وصغير ، وعظيم وحقير.

وقد كنت أظن أن هذا التدهور قاصر على سكان المدن وحدهم ، وكنت انوهم ان أهل الريف قد نجوا من هذه السيئات ، لأنهم على الفطرة يعيشون عيشة بسيطة ويحافظون على قواعد الدين ويتمسكون بأوامره ، ويتحاشون نواهيه، كنت اتخيل ذلك ، ولكني لما اتصلت بالريف عن قرب ، وتعاملت مع أهله وخبرت حالهم ، أدركت أنهم لم يسلموا من هذه الشرور ، بل لعل حالهم من هذه الناحية صار اسوأ من غيرهم ، لأن السواد الأعظم منهم جهلاء لا يفقهون القواعد الاجتماعية ولا النظريات الخلقية ، ولا المثل العليا التي

تؤثر في تصرفات الفرد إذا فقد الوازع الديني فقد كان هذا الوازع بالنسبة لهم هو الأمل الوحيد في عصمتهم من تلك المهالك الخلقية .

ومن ذلك يتبين أن علاج هذه الناحية سيشقي على المصلحين وسيتطلب منهم جهودا جبارة . وهذه ناحية لا يتسني لهيئة حكومية ان تخدمها ، وإنما يخدمها الأفراد المستقيمون المخلصون في الدعوة إلى الإصلاح ، فالأخلاق تعلم بالمثل والتقليد والإيحاء .فهل لنا ان نأمل خيرا ، ونتطلع إلى ظهور كتيبة الخير ، التي دعا إليها الأستاذ محمد فريد أبو حديد ، لتتولى هذه الناحية الصعبة من الجهاد الاجتماعي للنهوض بأهل الريف خلقيا ، كما يتولى غيرهم النهوض بهم اقتصاديا وزراعيا وصحيا واجتماعيا !

اشترك في نشرتنا البريدية