إلى روح أخى الضابط الشاب المرحوم جابر إسماعيل حفى الذى أراد لألبانيا استقلالا خالصا فكان جزاؤه أن أعدم رميا بالرصاص على أيدي الفاشست الطغاة ) .
كان الجو غاية فى الاعتدال ؛ فقد كان الفصل خريفا : وكانت الليلة فى أخربات الشهر العربى . يشتد ظلامها » وتتلألاً نجومها كلما تقدم بها الوقت » ولما أرتفع صوت المؤذن فوق منارة الحرم النبوى هرع الناس من كل صوب وحدب » تليية للنداء » وإجابة للداعى » وانتظموا فى صفوف مستقيمة كاد المسجد يضيق بها على عظيم سمته » وعقب الفراغ من الصلاة توجهوا إلى الله تعالى بقلوب انطوت على الخير » يضرعون إليه أن يحفظ للاسلام مجده ويبقى رايته خفاقه بالرحمه والعدل ثم انصرف منهم من تلجئه الضروره الى الانصراف ، وجلس من بقى يستمع الى اّى الذكر الحكيم كما جرت بذلك عادتهم ولما فرغ القارئ، التف الناس حول رجل يشع ف وجهه نور العلم ، وتتلألأ منه أضواء الهداية، فأخذ يحدثهم ف أمور الدين ، ويبصرهم بما يصلحهم ف الدنيا والاّخره، ويبين لهم نهج الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - فى كل الامور . ولما انتهى الدرس تصافح الناس وتفرقوا الى بيوتهم . فأخذو مضاجعهم ينشدون الراحه، ويتأهبون لتلبيه الدعوه لصلاة الفجر ، ولم يمض كبير وقت حتى أطبق السكون ، وشمل جميع يكان المدينه ، وغط القوم ف نوم عميق ، ولم يكن هناك يقظان غير واحد أخذ يتنقل فى الشوارع والأزقه ، والحارات والدروب ، ذلك هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ، حرج - كعادته فى كل ليله - ليتفقد أحوال الرعيه ، وليستطلع أخبار هؤلاء الذين وقع عليه اختيارهم ليكون راعيا لهم . ولما كان بظاهر المدينه، والسماء صافيه الأديم ، تتلألأ فيها النجوم ليهتدى بها
الضال ، ويسترشد بها التائه، سبح به الخيال إلى عظيم قدره الله ، ووافر نعمه التى لا يدركها عقل ولايبلغ مداها فكر ، فأبعد عن العمران قليلا ، فتراءى له الصحراء نار مشتعلة ، فأخذ طريقه إليها رجاء أن يكون أصحابها فى حاجة إلى عونه ، فوصل بعد وقت ليس باليسر ؛ فإذا بخيمة قد نصبت ف الصحراء ، جلس أمامها رجل من أهل البادية يستبين فيه الرائى ما تنطوى عليه نفسه من ألم ، وما يعتلج فى قلبه من هم ، فألقى عليه عمر السلام مرة ومرة وثالثة ، ولكن الرجل لم يكن يحس بشئ مما حوله ، فلما رفع عمر بالتحية صوته فى المرة الرابعة فك الرجل حيوته ، والتفت إلى مصدر الصوت ، والشرر يتطاير من عينيه ، وقال فى صوت يكاد يختنق من شدة الغضب ، مشيرا بإحدى يديه : إليك عنى أيها الرجل ! فليس عندى ما أتصدق به عليك !!.
لم يغضب عمر لهذه الإهانة ، وتلمس للرجل المعاذير في ظنه إياه سائلا أو عابر سبيل ، وقال له في رقة ولطف : أي شئ يا أخي جعل للهم طريقه إلى قلبك ؟ فإني أطالع في وجهك سطور الألم وآيات التعذيب . فصاح الرجل بقوة : لا تزعجني ، ولا تثر غضبى ، واغرب من وجهي وإلا كان لي فيك شأن آخر . ولكن عمر لم يبرح مكانه لأنه يري ان واجبه يقضي عليه أن يتعرف الأسباب التي وصلت بهذا الأعرابي إلى هذه النتيجة المحزنة ، والحال المؤلمة . فأعاد عليه نفس السؤال . فما كان من الأعرابي إلا أن هب واقفا ودلف إلى الخيمة ، وعاد بيده سيف مصلت ، وقال وهو يهزه هزا عنيفا : إني أنذرك أيها الرجل للمرة الأخيرة إن لم تبرح هذا المكان في الحال . إني سأطيح برأسك وأريح الناس منك ومن أمثالك من قطاع الطرق الذين يقلقون الراحة ويذهبون بالأمن . . فقال عمر بصوت كله رقة وعطف : لا ! إنني يا سيدي لست من قطاع الطريق ، ولا أنا سائل ولا ابن سبيل ، إنني من سكان المدينة ، وقد كنت بظاهرها
فرأيت هذه النار فبدا لي أن أجيء إلي هنا لأسألكم إن كنتم في حاجة إلي شيء . . فقال الأعرابي في هدوء متكلف : أحقا أنت من سكان المدينة ؟ ماذا تمتهن إذا ؟
إنني أكسب عيشي من عملي للاخرين- ومملوك من أنت الآن؟ - . إنني مملوك المسلمين جميعا ، أعمل لسعادتهم - .وتهيئة أسباب الراحة لهم
ولماذا جئت إلي هنا في هذا الوقت من هذا الليل ؟- وماذا تريد مني الآن ؟
جئت إلي هنا لأني أعرف أن مثلك في مثل هذا- الفقر شديد الحاجة إلى من يساعده . . . وأريد أن تخبرني ، ماذا استطيع أن أقدمه لك ليخف عنك ما تعانيه من هم ...وما تحسه من ألم
وقبل أن يتم عمر قوله انبعث من جوف الخيمة صياح :وأنين موجع ، فعلم عمر أن في الأمر شيئا . فقال لصاحبه من مصدر هذا الصوت ؟ وماذا يشكو ؟- ، مصدره زوجي ؛ إنها تمخض وليس معها أحد- ولست أملك ما استقدم به قابلة من المدينة تعاونها في حالها تلك ، وإني أرجو أن تضم صوتك إلى صوتي لنسأل الله ،تعالى ان يخفف عنها ألم الوضع في هذه البرية الموحشة .وأن يكتب لها السلامة
هون عليك يا أخي ، ولا تنزعج ، فإنى عائد إلى- ،المدينة ، وعما قليل ستكون بجانب زوجك قابلة ماهرة .. طيبة النفس ، رحيمة القلب ثم التفت صوب المدينة وهم بالسير ، لكن الأعرابي :استوقفه وقال له
انتظر ! انتظر لسنا نريد قابلة ، لأنه ليس لدينا- .ما نعطيه لها لا تشغل بذلك بالك يا أخي ، فإن القابلة التي- ... استقدمها تقوم بعملها دون مقابل
كان الوقت قبيل منتصف الليل حين رجع عمر إلي بيته ووجد زوجه يقظي تنتظر أوبته ، فلما رأته بادي الهم : ابتدرته بالسؤال عما وراءه ، فقص عليها ما رأى وقال لها هل لك في مساعدة هذين المحتاجين ؟ فقالت له : ليس أحب إلي من ذلك ، إني على أتم استعداد فهيا بنا . فقال لها : عليك إذا أن تحملي كل ما تحتاج إليه المرأة في مثل ...هذه الحال ، وأن تأخذى شيئا من الطعام معك . وسأعد الراحلة لتحملنا وتحمل ما معنا من متاع
فقالت له : إن كل ما لدينا هو طعام العشاء ، وهو يتألف من قليل من الدقيق وبعض الزيت وشئ من ..لبن الماعز ، وإن نحن حملناه معنا بتنا على الطوي هلا يوجد عندك غيره ؟ فقد لا يفي هذا- .بحاجتهما
ليس والله في البيت شئ يؤكل بعد ذلك . فهلا- تتناول منه ما تتبلغ به فإنك لم تأكل شيئا ؟ ولن آكل ؟ فأعدى جميع ما عندنا ، فإني أعتقد- أنهما لم يتناولا شيئا منذ رحلا في صباح يومهما الباكر إذا فاشرب اللبن- لا ! فقد تحتاج إليه المرأة المسكينة . أسرعي في- تجهيز المتاع ، وخذي معك قنديلا صغيرا ، وقدرا من الماء ..
تحرك الركب صوب الخيمة مسرعا ، ولم يمض إلا قليل من الوقت حتى بلغ غايته ، فحيا عمر صاحبه واستأذنه إن :يسمح لزوجه بدخول بيته لتساعد ربته . فقال له البدوي اتستسمحني في ذلك ، وبيتي تشرف بزيارتها ، وزوجي في مسيس الحاجة إلى معاونتها ؟ إن عملك هذا يا صاح جدير بالتقدير ، خليق بالشكر ، وإني عاجز عن مكافأتك الأمر يا أخي أقل من أن يشكر عليه- ثم وضع أمامه شيئا من الزاد وطلب إليه أن يتناول عشاءه
وكانت حاجة الرجل إلي الطعام شديدة ، فدعا عمر إلي .مشاركته فلما اعتذر التهمة في نهم وشهية شديدين
أما زائر الليل فقد هيأ موقدا ، وأشعل النار ووضع ،القدر فوقها ، وصب فيها بعض الماء وشيئا من الزيت ووضع عليهما الدقيق . وأخذ يحركها ، ولما فرغ الرجل من طعامه دنا من مجلسه أمام النار وأخذا يتسامران، وقد
:بدأ البدوي الحديث قائلا أمن مواليد المدينة أنت ؟- . لا . إن مكة المكرمة مسقط رأس - ومتى تركت مكة ؟ ولماذا ؟- تركتها منذ زمن بعيد ، وجئت إلي المدينة- .مع سيدي
وما زات في حوزة سيدك ؟ أم تركك حرا ؟- إنه عهد إلي خدمة جميع المسلمين ، وتركني حرا- وهل شهدت الرسول الكريم ؟- نعم . كان لي هذا الشرف ، وإني أحمد الله تعالى- .على ذلك
أوقد صحبته ؟- . نعم صحبته زمنا ليس باليسير - يا لها من صحبة سعيدة . إنك تستطيع إذا أن- ،تحدثني كيف كان يعيش النبي صلوات الله وسلامه عليه .وبماذا كان يوصي
، كان صلى الله عليه وسلم يحيا حياة الدعة والبساطة - يلبس مما يلبس عامة الناس ، ويأكل مما يأكلون ، مع شدة عنايته بالنظافة ، و كثر ما كان يباشر عمله بيبده ، فكان يقم البيت ، ويخصف النعل ، ويرفع الثوب ، ويحلب الشاة والماعز ، ويسقى الناضح . وكان يعلمنا أن خير الناس وأشرفهم من يأكل من كسب يده ، ويوصينا أن نساعد المحتاج والضعيف ، وأن نعطف على الفقراء والعوزين . كان دائم ،الرضا طلق المحيا . لم يعرف التشاؤم سبيله إلي قلبه
ولا العبوس طريقه إلى وجهه . . كان يقول الناس أمام الله سواء ، " لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأسود على .."أحمر إلا بالتقوي " . " إن أكرمكم عند الله أتقاكم لم نلمس فيه - على طول عهدنا به - أنفة الحاكم ، ولا شموخ الرئيس . كان بيننا كأحدنا ، لم يستأثر برأي ، ولم ينفرد بأمر ، يشاورنا في الصغير والكبير ، والحليل والحقير ، وقد يأخذ برأي أدنانا . كان صلى الله عليه وسلم مثلا حيا للتواضع ، لما دنا أجله ، وحانت وفاته أعلن في الناس : أن من كان له عليه دين ، أو له عنده قصاص فإنه على استعداد لقضاء الدين ، وتحمل القصاص . . وأنت تري الآن أن حياته كانت خالية من التكلف ، وأن أعماله كانت تشريعا ينهج الناس نهجها
، لكنك لم تحدثني عما كان يقوم به من عبادة- .وما يؤديه من فروض
إنه كان يقول : " قرة عيني في الصلاة " ، وكان- ،يعلمنا أن العبادة كلها ، تطهير للنفس ، وتنقية للروح وتصفية للقلب ، لا خير فيها إذا لم يخرج منها الإنسان دقيق القلب ، عطوفا على اليتامى ، رحيما بالضعفاء ، محبا :للخير ، نافرا من الشر . كما كان يعلمنا أن الدين معناه ..حب الله ، وخدمة الناس
وفي تلك اللحظة اشتد الصياح والآنين داخل الخيمة وكان قد لفها السكون ، وشملها الهدود ، منذ قدوم- -القابلة ، فانتصب البدوي قائما ، وأخذ بقطع المسافة أمام الخيمة - ذهوبا وجيئة ، ثم خفت الصوت بعد قليل ،وعاد الرجل إلى مجلسه بجانب الطارق الغريب امام النار :واستأنف الحديث قائلا إنك لا بد تعرف عمر أيضا . إنهم يقولون إنه- فظ غليظ القلب . .نعم إنني أعرفه . وتلك صفات معيبة - إنني في حيرة من الأمر ! لا استطيع أن أفسر-
اجتماع المسلمين على اختياره لهم أميرا ، وهم يعرفون فيه .تلك الأخلاق
. قد يكون ذلك لأنهم لم يجدوا خيرا منه خادما لهم - كيف تقول إنه خادم لهم ؟ وماذا تريد بهذا ؟ إن في يد الأمير حياة الجميع . أليست في يديه خزائن أموال .المسلمين
في هذا الوقت نادت القابلة - ولم تكن سوى زوج .عمر - يا أمير المؤمنين ! بشر صاحبك بغلام ارتفاع الرجل عندما سمع كلمة يا أمير المؤمنين ، واستولت عليه الدهشة وتولته الحيرة عندما علم أنه بين يدى عمر الفظ .الغليظ القلب الذي كان يستنكر آنفا تأمره على الناس فقال له والخوف يكاد يعقل لسانه : اعذرني يا أمير المؤمنين .فإني لم أتأدب في معاملتكم ، وأسأت لقاءكم لا عليك يا صديقي ، أقر الله بالمولود عينيك إنما-
نحن سواسية . ليس أمام الله حاكم ولا محكوم ، ولا أمير ولا حقير . وإن الله يحب من يحب خلائقه . على أني لم أقم إلا ببعض ما يجب لمن اختاروني لهم أميرا ، ونصبوني عليهم خليفة وإن الإسلام لا يعرف إلا ان يكون الأمير ...خادما للأمة ، راعيا لشئونها -ثم حمل القدر بين يديه - وكان الطعام قد تم نضجه :ووضعه أمام الخيمة ونادي زوجه إليه وقال لها أطعميها قبل أن يبرد فهي في حاجة إلى الطعام- .الآن
ثم رجع إلي مكانه بجوار الرجل يسامره حتى أطعمت ..زوجه المرأة وهيأت لها أسباب الراحة ،ثم إن عمر ودع الرجل وودعت زوجه بدورها المرأة وقفلا راجعين إلي المدينة قبلناها والمؤذن ينادي لصلاة الفجر
