الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 343الرجوع إلى "الثقافة"

الزحف الروسى، نحو الشرق الأوسط

Share

في أواخر مارس الماضي أخطرت روسيا السوفيتية تركيا ، بأنها لا ترغب في تجديد معاهدة الصداقة التي كانت معقودة بينهما منذ سنة ١٩٢٥ لمدة عشرين عاما ، وذلك لأن هذه المعاهدة لم تعد تلائم الأوضاع الدولية الحاضرة لما طرأ عليها من تغيرات كبيرة أحدثتها الحرب العالمية الثانية.

وكان من الواضح يومئذ ، ولا سيما من لهجة المذكرة الروسية ، وتعليقات الصحف السوفيتية ، ان هذه الخطوة التي تتخذها روسيا ، والحرب تدنو من نهايتها ، وقد لاحت تباشر النصر ساطعة قوية ، إنما هي تمهيد لخطوات أخري أشد خطورة وأبعد أثرا .

ولم تمض على اختتام الحرب بضعة أسابيع حتى اتخذت

روسيا بالفعل خطوتها الحاسمة في سبيل تحديد موقفها من تركيا ، وذلك بأن وجهت إليها مذكرة بالمطالب الأتية :

أولا - استرداد منطقتي فارص واردهان .

ثانيا - وضع المضايق التركية ( البوسفور والدردنيل ) تحت الأشراف الروسي ، ومنح روسيا قواعد في هذه المنطقة تمكنها من الدفاع عن المضايق مع تركيا وتعديل معاهدة مونترو تبعا لذلك .

ثالثا -قبول تركيا لبعض تعديلات جغرافية في حدودها الأوربية لصالح بعض الدول البلقانية ( بلغاريا )

رابعا - أن تقوم في أنقرة حكومة صديقة لروسيا كباقى حكومات الدول المتاخمة للبحر الأسود .

وهذه مطالب واضحة الخطورة ، لا بالنسبة لتركيا

فقط ، إذ هي أشد ما يكون مساسا باستغلالها وكيانها القومي ، ولكن بالنسبة لاتجاة السياسة الروسية في المستقبل وبالنسبة لتطورات السياسة الدولية بوجه عام .

على أن هذه المطالب الروسية على ما يطبعها من جرأة وخطورة - ليست في الواقع حدثا جديدا في السياسة الدولية . ومن الخطأ أن نعتقد ان روسيا السوفيتية ترسم لنفسها بانتهاج هذه الخطة سياسة جديدة .

والحقيقة أن الدبلوماسية السوفيتية ، حسبما كشفت عنها نتائج الحرب الحاضرة ، لم تكن في جوهرها إلا تطبيقا لمبادئ الدبلوماسية الروسية التقليدية ، او بعبارة اخري لم تكن إلا صورة جديدة للسياسة القيصرية القديمة التي وضعت اصولها منذ عصور ، وأضحت دستورا قوميا ثابتا ؟ ولم تجانب روسيا البلشفية هذه السياسة إلا مرغمة والفترة قصيرة فقط ايام اضطرابها وضعفها . أما اليوم وقد خرجت روسيا من الحرب مكللة بغار الظفر الباهر ، وغدت اعظم قوة في القارة ، ففي وسعها ان تعمل دون خوف ولا حرج على تحقيق أهداف السياسة القومية الكبرى.

وقد كان من نتائج هذا النصر ، وظفر الجنس السلافى بسحق الجنس الجرماني منافسه الخطر ، ان عاد الاندفاع الروسي القديم نحو الغرب والجنوب ، واستطاعت روسيا الأم السلافية الكبرى أن تبسط حمايتها السياسية والأدبية على الأمم السلافية في أواسط اوربا وفي البلقان ، وان تحيط نفسها بسياج من الامم الصديقة الخاضعة لوحيها ، وان تعود فتعمل على تحقيق حلمها القديم الذي ارتبط مدى عصور( بالمسألة الشرقية )، اعظم ارتباط ، وهو الخروج من بحرها المغلق ( البحر الأسود ) إلي الفضاء الواسع عبر المضايق التركية التي تخنقها عسكريا واقتصاديا منذ عصور . وهي تتجه اليوم ببصرها إلى هذه المضايق ، وقد لمست

خلال الحرب الحاضرة فداحة الأخطار التي تتعرض لها من جراء إغلاقها في وجهها ؛ ففي الفترة العصيبة التي سيطر فيها الغزاة الالمان على شواطئ البحر الأسود ، عاني الأسطول الروسي اعظم مشقة في القيام بدوره ، ورفضت تركيا كل تسهيل أريد له ، تمسكا منها بمبدا" الحياد" الذي تستظل ونصوص معاهدة مونترو .

وتري روسيا من جهة أخري أن مطالبتها بإعادة قارص واردهان امر طبيعي ؛ فالمعروف ان ولاية قارص التي تضم هاتين المنطقتين هي جزء من ارمينية ؛ وقد كانت تركية قبل معاهدة برلين ( ١٨٧٨ ) ثم غدت روسية بمقتضي هذه المعاهدة . ثم تنازلت عنها روسيا البلشفية لتركيا في أواخر الحرب الكبرى . ومعظم سكان هذه الولاية ، وهم نحو نصف مليون ، من الارمن والكرد والروس . ومنهم اقلية تركية . ولقارص اهمية استراتيجية تاريخية . فروسيا تطالب اليوم بإسترداد ما كان جزءا من اراضيها ، وارغمت على تركه في ظروف غير ملائمة .

وأما عن رغبة روسيا في قيام حكومة صديقة في أنقرة ، فقد صرح الرفيق مولوتوف ، قومسير الشئون الخارجية الروسية غيرة مرة ، بأن روسيا تحارب القاشستية اينما وجدت ، وموسكو تعتبر نظام تركيا ، الديمقراطي في مظهره ، ستارا لدكتاتورية عسكرية سافرة طال قيامها ، وترمي إلي استبداله بنظام ديمقراطي حقيقي .

ومن الطبيعي أن تجد تركيا في مطالب روسيا اعتداء واضحا على استقلالها وسيادتها ، وهي ترفضها بكل قوة ، وتأتي حتى أن تجعلها قاعدة لأية تسوية او مفاوضة خاصة .

ووجهة النظر التركية فيما يتعلق بمسألة المضايق ، وهي فيما يبدو أخطر المسائل ، هو ان نظام المضايق تقرر باتفاق مونترو المعقود في سنة ١٩٣٦ ، وكانت روسيا بين موقعيه

إلي جانب انجلترا وفرنسا ورومانيا واليونان ، وهو ينص على حق تركيا في تحصين المضايق وتنظيم الملاحة فيها وإغلاقها اثناء الحرب أو خطر الحرب في وجه السفن من اي نوع بالنسبة لسائر الدول إلا في احوال استثنائية نص عليها . ولما كان نظام المضايق مسألة دولية محضة فليس من حق روسيا ان تتفرد بآثارتها او تسويتها ، ولا بد لتغييره من اتفاق دولي جديد تشترك فيه الدول ذات الشأن إلى جانب تركيا وروسيا . وتركيا تعلق اهمية خاصة على موقف إنجلترا في هذا النزاع ، إذ هو يرتبط اشد الارتباط بمركزها وسيادتها في شرقي البحر الأبيض المتوسط.

وأما عن ولاية قارص فقد تخلت روسيا عنها لتركيا بمحض إرادتها ، وقد كانت تركية قبل ان تستولي عليها روسيا . وأما نظام الحكم في تركيا فهو مسألة داخلية لأنهم سوى تركيا ، وليس لروسيا شأن بها ؛ وإذا كان ثمة نظام طغيان أو نظام فاشستي فهو النظام الروسي لا النظام التركى .

تلك هي وجهة النظر التركية وأسانيدها ؛ على انه من الواضح أن الأسانيد الجدلية أو الفقهية لا تكفي وحدها لدحض مطالب تعتبرها روسيا في مقدمة اهدافها القومية الكبرى .

ولامراء في ان روسيا تعتمد من جهة اخري في تمضيد مطالبها على موقف تركيا وسلوكها خلال الحرب الحاضرة ، وهو سلوك لم يكن دائما في صالح الأمم المتحدة : فقبل نشوب الحرب بقليل استطاعت تركيا ان تقنع فرنسا المتوجسة المضطربة بأن تقتطع لها جزءا من سوريا ، هو سنجق الإسكندرية وانطاكية ، وكان المفهوم أن الاستيلاء على هذه الأرض العربية ، وما تلاه من انضمام تركيا إلى ميثاق التحالف الانجليزي الفرنسي بشأن شرفي البحر الأبيض المتوسط ، بكسب الحلفاء عون تركيا في الوقت المناسب .

ولكن تركيا لبثت خلال الحرب متمسكة بأهداب "الحياد " . وقد كان حيادا عجيبا مليئا بالفرص الطيبة ، تتقاضى فيه تركيا من كل فريق ما استطاعت ؛ ومع انها كانت تؤثر الجانب الألماني يعطفها ، فقد كانت تميل تارة إلي هذا الجانب أو ذاك تبعا لطوالع القوة والنصر ، وتبعا لأهمية البذل والوعود المقطوعة . واستمرت تركيا علي هذا النحو في انتهاز الفرص ، وهي ترفض للامم المتحدة كل مطلب لتسهيل مشاريع الغزو او اتحاد روسيا ، حتى لاح الإعياء على جيوش " الريخ " وتأكدت طوالع الهزيمة على المانيا ، فأعانت عليها الحرب قبل النهاية بأشهر قلائل

على أنه بالرغم من هذه الصورة القائمة للحياد التركي خلال الحرب ، وما سببته للأمم المتحدة من المتاعب والالام فان تركيا تعتمد أشد الاعتماد على تعضيد السياسة البريطانية وعلى ما تؤمله من معارضتها القوية فهذا الأندفاع الروسي نحو الشرق الأدنى .

والواقع أن هذا الاندفاع الروسي نحو الجنوب يتصل بأعظم المسائل الحيوية التي تهم بريطانيا ، وتعني سلامة مركزها في الشرق الأدنى ، وسلامة مواصلاتها الأمبراطورية ؛ وتبدو خطورة هذا الاندفاع الروسي واضحة متي ذكرنا ان روسيا تتجه في نفس الوقت نحو إيران ، وتمهد لاستيقاء احتلالها بحجة الفوضى السائدة فيها ، وتحفز العناصر الرجعية الفاشستية إلي انتزاع مقاليد الحكم ؛ وهذه محاولة لها مغزاها وخطورتها

وقد كانت روسيا القيصرية تحتل بعض مناطق إيران الشمالية وفقا للمعاهدة الروسية الإنجليزية التي عقدت سنة ١٩٠٧ ، وحددت بها مناطق النفوذ الروسية والبريطانية في إيران ، ثم تنازلت عنها روسيا البلشفية سنة ١٩٢٢ . أما اليوم فان موسكو ترمي علي ما يلوح إلي استئناف السياسة

القيصرية في هذه المنطقة ، استكمالا لحلقات الزحف الروسي نحو الشرق الأوسط .

وإلقاء نظرة إلى الخريطة توضح لما اهداف الزحف الروسي الذي يمتد من الدردنيل حتى شمالي إيران في خط وهمي يتلاقي مع حدور النفوذ البريطانى في بحر إيجه وآبار الموصل وخليح فارس وجنوبي إيران حتي افغانستان وحدود الهند

على أنه من الخطأ أن نعتقد أن هذا الأندفاع الروسي نحو الجنوب مفاجأة للسياسة البريطانية ؛ فمن المحقق ان مسألة تركيا والمضايق كانت إلي جانب شئون الباقان من المسائل التي بحثت في مؤتمر يالتا في فبراير الماضي . ومن المرجح أن بريطانيا لم تجد بأسا من تأييد نظرية روسيا في اعتبار تركيا داخلة في منطقة السلامة الروسية.

والمفهوم أن مسألة المضايق وما يتصل بها من تحديد مناطق النفوذ الإقليمية في شرفي البحر الأبيض المتوسط وكذلك مسألة إيران وغيرها مما يتصل بالمسائل الأمبراطورية ستكون ضمن ما يبحثه مؤتمر الأقطاب الثلاثة المنعقد الآن في بوتسدام

وإذا لم يكن ثمة محل للتكهن فانه يلوح لنا أن السياسية البريطانية قد أعدت عدتها للقاء موسكو في منتصف الطريق ، وأن موسكو لابد أن تظافر بتحقيق الكثير من مطالبها في مسألة المضايق وولاية قارص وغيرها . والسياسة البريطانية تحرص قبل كل شئ على سلامة المواصلات الإمبراطورية وسلامة الهند ، ولن نترد في قبول بعض التضحيات المحلية لتحقيق هذه الغاية الكبرى .

اشترك في نشرتنا البريدية