الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 274الرجوع إلى "الثقافة"

الزحف الروسى وآثاره السياسية

Share

التزمت القيادة الألمانية في هذه الحرب خطة التوسع في الميادين ، فلم يرضها أن تكون أرضها وأرض أعدائها الأصليين هي ميدان القتال ؛ بل بادرت باحتلال أقطار كثيرة كانت من قبل أرضا محايدة ، وأهلها شديدو الرغبة في التزام الحياد ؛ فزجت بتلك الأقطار في جحيم هذه الحرب ، واستطاعت بذلك أن توسع الميدان الغربي بحيث يمتد من المحيط المتجمد الشمالي إلي حدود اسبانيا ، وان تطيل الميدان الشرقي بحيث يمتد أيضا من المحيط الشمالي إلى جزر البحر الأبيض المتوسط .

وقد استلزم توسيع الميادين على هذه الصورة أن تحشد ألمانيا معها في الحرب شعوبا وأقطارا عديدة . بعضها أخضعته بالعنف وتسلطت عليه بالقوة مثل هولندة وبلجيكا ودانمارك ونرويج ، وبعضها دخل إلى جانب المانيا طائعا مختارا ، مثل فلنده ؛ بل لعلها المثال الوحيد لهذا الصنف . وبعضها وقف إلي جانبها بمزيج من الإغراء والإكراه

وذلك مثل رومانيا وبلغاريا وبلاد المجر .

ونستطيع الآن أن نتساءل عن الفائدة التي جنتها المانيا من توسيع الميادين بهذه الصورة ، وحشد هذه الشعوب الكارهة إلى جانبها بهذا الشكل . وهل احتمالات النصر أجل وأعظم - بسبب هذا الحشد العظيم ، وهذا التوسع الكبير في الميادين - مما لو اقتصرت ألمانيا على الاراضى الفرنسية الالمانية في الغرب ، والاراضي الروسية الألمانية في الشرق . إننا قد سمعنا في الأسابيع الأخيرة عن الرغبة في تقصير هذا الميدان ، واختزال تلك الجبهة ، ولهذا ليس من العبث ان نتساءل عن مزايا ومنافع ذلك التوسع الهائل الذي لم تقدم عليه القيادة الالمانية العليا إلا بعد حساب دقيق ، وتقدير وتدبير ، وإمعان في النظر والتفكير .

ومع التسليم بأننا لا نستطيع أن نحصى تلك المزايا إحصاء دقيقا ، فإنه يخيل لنا ان هناك فوائد حربية .

واقتصادية جليلة للجانب الذي يسيطر على تلك الأراضي الواسعة العظيمة الثروة ، فإن توسيع الميدان يرهق قوى العدو الذي لم يتم استعداده للحرب ، أو الذي يؤخذ على غرة ، بحيث يمكن تسديد الضربات إليه من جهات عديدة لم يكن يحسب لها حسابا . ومن الممكن - وقد سلمنا بأنه أخذ على غرة - ان تحيق به الهزيمة بسرعة . ويكون العامل الاكبر في هذه الهزيمة السريعة هو تلك الضربات العديدة من جهات كثيرة في ميدان واسع عظيم .

والمزايا الاقتصادية لا تقل وضوحا عن الفوائد الحربية . فان ألمانيا - بعد أن انقطعت الصلات بينها وبين العالم الخارجي - مضطرة إلي الانتفاع بموارد أكبر مساحة ممكنة من القارة الأوربية . بحيث تستطيع أن تستولي على غسلاتها - بالشروط التي تضعها وترضاها - وأن تتصرف فيها كما تشاء . وليس هذا الأمر بمتاح لها بالوسائل التجارية المألوفة ؛ ولذلك لم يكن بد من احتلال بعض الأراضي احتلالا عسكريا ، واقحامها في هذه الحرب راغبة أو كارهة . ومن أهم الاعتبارات في هذه الناحية قطر رومانيا . فإنه يشتمل على خبرات زراعية كثيرة . ويشتمل بنوع خاص على آبار البترول الغنية التي تحتل المكان الثاني في أوربا بعد آبار القوقاز . وحاجة ألمانيا إلي البترول شديدة جدا . فإنها تستهلك في كل عام من أعوام الحرب بضعة عشر مليونا من الأطنان تحصل من مواردها الخاصة علي نحو خمسة ملايين طن من البترول الصناعي والطبيعي ، وتحصل من رومانيا علي نحو ثمانية ملايين . ومن الممكن - مع التدبير والاقتصاد الشديد - أن تكتفي ألمانيا بهذين الموردين . لهذا ، لم يكن بد - وقد قررت ألمانيا أن تغزو روسيا - أن تبادر قبل ذلك باحتلال رومانيا أو محالفتها ، وضمان مساعدتها . ولهذا رأينا ألمانيا في مفتتح عام ١٩٤١ قد أخذت توثق علاقاتها برومانيا ، وتقوم بتدريب الجيش الروماني ، وبالتدريج أصبحت لها

السيطرة التامة على جميع مرافق الحياة ووجوه النشاط في تلك الدولة ، وقد منيت رومانيا من غير شك أماني كثيرة مثل استرداد بساربيا وبوكوفينا ، وبغير ذلك من الآمال .

إذن لم يكن بد من أن تدخل الحدود الرومانية في جملة الجبهة الشرقية وقت الهجوم على روسيا السوفياتية ، وقد استتبع هذا الامر ضرورة إقحام المجر ايضا في هذه الحرب . وسبب ذلك ان روسيا بعد ان احتلت بكوفينا وبسارابيا ، اصبحت ولها حدود متاخمة لحدود المجر . فلو ظلت دولة المجر على الحياد ، لكان هنالك مساحة في وسط الميدان الشرقي ، بمثابة فجوة محايدة في وسط جبهة الحرب . وهي تتعرض من غير شك لأن يغير منها احد الفريقين . وعلي كل حال لم يكن من المعقول أن تترك القيادة الألمانية هذه المساحة على الحياد بعد أن اتسع الميدان وامتد من نهر الطونة إلى المحيط المتجمد الشمالي .

ولكي ترضي المجر بتضحية حيادها ، وتساعد - ولو بدرجة طفيفة - في الحملة على روسيا ، لم يكن بد من اتخاذ وسيلة الإغراء ؛ لأن القهر والبطش يكلفان نفقات باهظة . لذلك لم تقدم المجر المعاونة المطلوبة إلا بعد ان منحت النصف الشمالي من ارض ترانسلفانيا . وبذلك كانت رومانيا هي التي دفعت ثمن المعاونة المجرية . وهذا يرينا مبلغ تسلط المانيا علي رومانيا بحيث استطاعت ان تكلفها حشد الجيوش الرومانية للاشتراك في الحملة الروسية من جهة ، ودفع ثمن المساعدة المجرية من جهة أخري

وهكذا نري ان هنالك فوائد اقتصادية وحربية عظيمة للسياسة التى قررتها القيادة الالمانية بتوسيع الجبهات واحتلال الاقطار المحايدة ، والتسلط على مواردها والتحكم فيها بجميع الوسائل الممكنة . ولكن تلك الفوائد يقابلها من الناحية الأخرى بعض المضار ؛ فإن القلعة الأوربية الضخمة التي تسيطر عليها المانيا ، قد احتاجت إلى جيوش جرارة لحمايتها والدفاع عنها ، وإخضاع أهلها وفرض

النفوذ الألماني فيها . وقد كان يلجأ إلى الطليان من قبل أحيانا لأداء مثل هذه الأعمال . أما اليوم فلابد لألمانيا من الاضطلاع بالشطر الأعظم من هذا العبء ، الباهظ ، وقد ازداد خطبه واستفحل بسبب تهديد السواحل الغربية بالغزو .

وصفوة القول أن خطة التوسع التي توختها القيادة الألمانية لها نواح من النفع ومن الضرر . ولكن جانب المنفعة يرجح إذا أريد بها أن تكون خطة لحرب هجومية فجائية سريعة تشن على عدو لم يتم استعداده ولم يستكمل أهبته . وذلك ما قدرته القيادة الألمانية ، وقد اعترفت بعد ذلك بخطئها في بعض الأمور التي قدرتها . وخصوصا في أمر استعداد حكومة السوفيات . فقد افترت ألمانيا بحوادث الحرب الفنلندية ، وبنت على ذلك الافتراض خطة هجوم سريع لا تلبث أن تقضي على المقاومة الروسية في حملة واحدة من حملات الحرب . ولئن كان هذا الأمر لم يتحقق فعلا ، فيجب ألا ننسى أنه كان يبدو أحيانا وشيك التحقيق جدا . ولقد توغل الألمان في القوقاز عام ١٩٤٢ حتى دخلوا ستالينجراد ، واستولوا علي بعض آبار البترول . ولم يكن بينهم وبين الوصول إلي بحر قزوين سوي خطوات يسيرة ، وبذلك يتمكنون من شطر الجيش الروسي شطرين ، وحرمان روسيا موارد القوقاز الثمينة . وكانت هذه الثمرة وشيكة السقوط في حجر النازيين . حتى كان الناس يطالعون انباء روسيا بشيء غير قليل من التلهف والقلق.

فعلى المرء قبل أن يتناول الخطة الألمانية بالتجريح والتسفيه - أن يذكر أن فشلها لم يكن نتيجة لخطئها بل لظروف توشك أن تعد في حكم المعجزات

ويمكننا أن نلخص ما قيل في أسباب فشل الهجوم الألماني بالأمور الآتية :

١ - بدأ الألمان هجومهم في موعد متأخر : في

٢٢ يونيه سنة ١٩٤١ - بعد أن انقضي من موسم القتال في ذلك الميدان بضعة أسابيع ، فأضاعوا وقتا ثمينا في إبان تلك الحملة الأولى التي كانوا يريدون منها ان تقرر مصير الحرب الروسية

٢ - جاء الشتاء مبكرا عام ١٩٤١ ، والآلمان على أبواب موسكو والقوقاز ، والجيوش الروسية بعد في أول عهدها بالحرب . وقد ضاعت بذلك أسابيع اخري ثمينة . كما قال لنا الزعيم الألماني مرارا .

الفصل ٣ - كانت ألمانيا تؤمل أن تكتسب عطف أو رضي الدول الغربية بهجومها على دولة روسيا . ولهذا ارسلت مبعوثها رودلف هس إلي بلاد الإنجليز ، وقد خابت ظنونها ، وأعلنت بريطانيا تضامنها وتحالفها مع روسيا وأخذت تبذل لها كل مساعدة ممكنة .

٤ - أساءت ألمانيا تقدير استعداد الروس الحربي ، وأخطأت بوجه خاص في تقدير القوة الروحية للشعب الروسي ، وشدة تماسكه حين يتعرض وطنه لمحنة قاسية . ولا شك أن هذا العامل الأخير كان له الاثر الفاصل في هذا النزاع العنيف الذي لا يعرف التاريخ له نظيرا

وهكذا فشل الهجوم الخاطف الذي اعد له الألمان عدته . ولم يتحقق ذلك النصر السريع الحاسم ، وهو وحده الذي يبرر خطة توسيع الميدان وحشد هذه الدول الصغيرة إلى جانب المانيا . واليوم وقد انقلب الهجوم إلى دفاع ، ظهرت عيوب ذلك الميدان بوضوح ، وأخذت المانيا تسعى في تقصير الجبهة بعد ان كانت تسعى في إطالتها . ولكن زمام الامر لم يعد كله في ايدي الألمان . ولهذا نري الميدان اليوم لا يقل اتساعا عما كان عليه في أي وقت من الأوقات .

ولا حاجة بنا هنا لأن نصف الزحف الروسي ، الذي اضطر ألمانيا لأن تلزم خطة الدفاع بعد الهجوم، وحسبنا أن

نشير إلى أن هذا الزحف قد بدأ في ستالينجراد وفي بلاد القوقاز في أواخر شهر نوفمبر سنة ١٩٤٢ . ثم لم يزل مستمرا لا يعتريه فتور ولا هوادة منذ ذلك التاريخ إلى وقتنا هذا وقد اتسع ميدانه بحيث اصبح يشمل الجبهة الروسية كلها وكان الزحف الروسي من قبل يستمر في الشتاء ، ثم يتلوه تقهقر في الصيف . ولكننا في هذه المرة نري الزحف الروسي يصل الشتاء بالصيف ، دون ان يتأثر بتقلب الفصول ودورة الأرض حول الشمس .

وقد كان من نتائجه أن الجيوش السوفياتية قد تجاوزت في بعض المواقع الحدود الروسية الغربية والجنوبية في العهد السابق للحرب . فأصبحت روسيا اليوم وهي تطرق أبواب تلك الدول ، التى انضمت - راغبة أو كارهة - إلي ألمانيا ، وربطت مصيرها بمصير عدوة روسيا. أحست هذه الدول اقتراب القوات الروسية ، حين دنا لهيب نار الحرب من ديارها وأوطانها . فلقد استطاع الروس في الشمال أن يفكوا الحصار عن ليننجراد ، وان يفصلوا الميدان الفنلندي عن الميدان الروسي . وان يتقدموا حتى يتجاوزوا حدود إستونيا . وأخذت فلنده تحس أوار نار الحرب يلفحها . وقد عزل ميدانها ، فلا يمكن أن يأتيها إمداد من الجهات الجنوبية . كذلك توغلت الجيوش الروسية في بولنده الجنوبية حتى دنت من لفوف ) أولمبرج ( ولاحت قمم جبال الكربات ومن ورائها بلاد المجر . ونجح الروس فوق هذا في تقدم سريع جريء في جنوب أوكرانيا ، واستطاعوا أن يخترفوا نهر الدنيستر ، وان يستولوا على جزء من أرض بسارابيا .

وهكذا نري روسيا للمرة الأولى في هذه الحرب لا تقترب من حدودها الغربية فحسب ، بل تتجاوزها في بضعة اماكن ذات شأن خطير . وليس بمستغرب والحالة هذه ان تلك الدول الصغيرة التي عاونت المانيا - وهي مؤمنة بأن النصر سيكون من غير أدنى شك حليف الألمان -

قد استولى عليها شئ من الذهول والقلق ، وأخذت تحاسب نفسها على الخطة التي سلكتها من قبل ، وتحاول ان تجد مخلصا من هذا المأرق الذي انساقت او سيقت إليه

وهنا يظهر لنا بجلاء نقطة الضعف في خطة التوسع التي اختارتها القيادة الالمانية ، فلقد سارت الامور في مجراها المطرد ، ما دامت الجيوش الألمانية مظفرة ، أو على الأقل متقدمة . والميدان بعيد متوغل في الأراضي الروسية . أما اليوم وألمانيا تتراجع بانتظام أحيانا ، وبالتضحية بشيء غير قليل من رجالها وعدتها احيانا ، وقد ابدت عجزها بوضوح عن الاحتفاظ ببعض الخطوط الهامة ، وبعض الحصون التي لا يسهل التسليم بها ، فإن ولاء تلك الدول الصغيرة لا يمكن أن يعتمد عليه بل سيصبح مصدر ضعف للقيادة الألمانية بعد أن كان مصدر قوة.

إن لألمانيا في كل من رومانيا وهنجاريا وسلوفاكيا وفنلنده انصارا او اجراء لا شك في انهم سيعضدونها دائما ، ويسيرون إلي جانبها ، ويأتمرون بأمرها إلى النهاية . ولكن لالمانيا النازية من غير شك أيضا أعداء الداء في جميع هذه الدول وفي شبه جزيرة البلقان ودول البحر البلطي ، وهؤلاء قد التزموا خطة الهدوء والسكون والإنزواء يوم كانت كفة المانيا هي الراجحة ، وجيوشها متقدمة . واليوم استطاعت هذه العناصر ان ترفع صوتها او على الاقل ان تزيد نشاطها ، وان تنهض للعمل لخطة جديدة من أجل سلامة الوطن ، وإنقاذه مما تورط فيه من متابعة السياسة النازية

فنحن نشهد اليوم في كل من ثلاث دول على الأقل - وهي فتلنده ورومانيا والمجر - نشاطا عظيما . وأحداثا سياسية خطيرة ، كنتيجة مباشرة للزحف الروسي . ولم تكن مظاهر هذا النشاط واحدة في الأقطار الثلاثة . فإن حزب الموالين لالمانيا قوي جدا في فنلنده ، فرفضت حكومتها شروط الصلح التى عرضت عليها برغم تأييدها

من شخصية محترمة مثل ملك السويد ، ويرغم ما قاله القائد مانرهايم من ان الجيش الفنلندي لن يستطيع الثبات لهجوم روسي . وبرغم ما ابداه الروس من التسامح . ولعل العقل يتغلب في النهاية ، وتظفر فتلنده بالصلح والسلم . أما رومانيا فان قبضة المانيا على أمورها وشئونها من القوة بحيث لا تستطيع حكومتها ان تحرك ساكنا . اما بلاد المجر فلعلها أول دولة احست فشل الهجوم الألماني في روسيا ؛ وقيل إنها سحبت جيوشها من الميدان الروسي منذ زمن غير قصير . وتقدمت بالأمس ألمانيا تطلب منها معاونة أجدى واعظم في الحرب ، فرفضت الحكومة المجرية هذه المطالب . فبادرت ألمانيا بالقبض

على رجال الحكم واحتلال الدولة المجرية ، وإنشاء حكومة من أنصارها وأشياعها .

ولئن كانت الإجراءات التي اتبعتها ألمانيا في المجر عنيفة ، فإنها لم يكن عنها مندوحة ، لان فقدان واحدة من الدول الثلاثة : فنلنده ورومانيا والمجر ، سيكون له عواقب خطيرة في نتيجة الحرب ؛ فضياع فتلنده يفسح الطريق إلي نروج ، وضياع رومانيا ، يفقدها البترول الثمين ، ويهدد بفقد البلقان . وفقدان المجر يشق القلعة النازية شطرين ، ويهددها بالأنهيار السريع ، من أجل هذا كان للزحف الروسي السريع كل هذه النتائج السياسية الخطيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية