لما دخل الجيش الروسي شرقي بولونيا فجأة في ١٧ سبتمبر الماضي ، بينما كان الجيش الألمانى منهمكا في غزوها وتدميرها من الغرب ، اختلفت الآراء في شأن هذه الحركة ومداها ، فرأى البعض أنها ليست إلا أثراً من آثار الميثاق الذي عقد قبيل نشوب الحرب بين روسيا وألمانيا ،
ورأى البعض الآخر أنها بالعكس حركة فجائية لا علاقة لها بالميثاق السوفيتي الألمانى ، وأن روسيا قامت بها حينما هالها توغل الألمان بتلك السرعة في بولونيا ، وخشيت أن يمتد زحف الجيش الألماني إلى المناطق التي تسكنها الأقليات الروسية في شرق بولونيا وجنوبها ، فبادرت
باحتلال هذه المناطق ، معتمدة على الأمر الواقع ، واثقة بأن ألمانيا في ظروفها الحالية لا يمكن أن تبدى أية مقاومة أو اعتراض رغباتها .
وقد أيدت الحوادث التالية هذا الرأى الأخير فاضطرت ألمانيا ، نزولا على حكم الأمر الواقع أن تسعى إلى تحديد موقفها إزاء روسيا في بولونيا وفي شرق أوربا ، وعقدت مع روسيا ميثاقاً جديداً بتقسيم بولونيا ، فازت فيه روسيا بنصفها الشرقي ، وقبلت فيه ألمانيا أن تطلق يد روسيا في شرق البلطيق، نظير معاونة روسيا الاقتصادية لها ، ونظير الوعد بتأييدها في مساعيها لانهاء الحرب وعقد صلح تطمئن به على استبقاء فتوحها الجديدة.
ولم تلبث روسيا السوفيتية أن كشفت القناع عن طرف من خططها ومراميها، فبادرت بتهديد لتونيا لانافيا، ثم أستونيا، ثم لتوانيا، وهي دول البلطيق الشرقية، واستطاعت أن تفرض عليها الواحدة بعد الأخرى "مواثيق بعدم الاعتداء"، وهي في الواقع حمايات مقنعة، إذ حصلت روسيا بمقتضاها على أن تضع حاميات عسكرية، وأن تقيم مطارات في قلب كل من الدول الثلاث ، وفي شواطئها وثغورها.
ثم جاء دور فنلندة وهي رابعة دول البلطيق التي سلخت من روسيا في الحرب الكبرى ، فدعتها حكومة موسكو لتفرض عليها نفس المطالب التي فرضها على زميلاتها : ولكن فنلندة تتصل في الواقع بدولتي الشمال ، السويد والترويج صلة وثيقة ، وهى على استعداد للدفاع عن استقلالها ؛ ومن ثم فان المفاوضات التى بدأت بينها وبين موسكو لم تنته بعد إلى نتيجة ، وقد اهتمت أمريكا لقضيتها ، فبعث الرئيس روزفلت رسالة شخصية إلى كاليتين رئيس حكومة السوفييت يوصى فيه بعدم الضغط على فنلندة ؛ ودعت السويد إلى عقد مؤتمر من الدول الشمالية للبحث في هذه المسألة وما يتصل بها .
ومن جهة أخرى، فقد حصلت روسيا بحلولها في جنوب شرقي بولونيا ، واتصالها بذلك بحدود المجر وحدود رومانيا الشمالية، على مراكز للضغط فى أوربا الوسطى، وظهر أثر هذا الضغط سريعاً إذ بادرت المجر التي لم تكن قد اعترفت بعد بالحكومة السوفيتية إلى الاعتراف بها ؛ واتخذ الضغط الروسي في اتجاه البلقان شكلا واضحاً ؛ وفي قطع المفاوضات الروسية التركية التي كانت تجرى في موسكو منذ حين وفى البيانات الرسمية التي صدرت في أنقرة عن هذه المفاوضات، ما يدل على أهمية الاتجاه الجديد الذى تنوى أن تتجه إليه روسيا السوفيتية ، فهى تسعى إلى إغلاق مضايق البحر الأسود (الدردنيل والبوسفور) إغلاقاً تاماً وجعل البحر الأسود بحيرة روسية ، لا تدنو من شواطئه أو تجوز إلى مياهه أية دولة أجنبية ، وإلى استئناف نفوذها التقليدى في بلاد البلقان ، باعتبارها حامية الأمم السلامية .
وإذا كانت سياسة السوفييت الخارجية تدخل بذلك في طور جديد ، فانها مع ذلك لم تتغير في جوهرها عما كانت عليه سياسة القياصرة. ولقد شغل لينين وخلفاؤه البلاشفة مدى حين بغايتهم الكبرى، ومنتهى مثلهم العليا ، أعنى الثورة العالمية ؛ وكانت جهود الدولة الشيوعية الثالثة (الكومنترن) في بث الدعوة الثورية وتحريك الطبقات العاملة في مختلف الأمم ، هي أهم وأبرز جهود موسكو فى ميدان السياسة الخارجية ؛ وكانت هذه الجهود تسفر من وقت إلى آخر عن فورات شيوعية خطرة في بعض البلاد التي تصدع بناؤها الاقتصادى على أثر الحرب الكبرى ؛ ولا سيما في أوربا الوسطى التي كانت بالأخص ميداناً خصباً لتجارب الكومنترن في الحجر قامت بالفعل حكومة شيوعية بقيت أياماً ، وغلبت الاشتراكية الثورية في النمسا وألمانيا ورومانيا ؛ وامتدت جهود الكومنترن إلى آسيا، فاضطرمت الصين بحركة ثورية واسعة النطاق لا تزال آثرها
بارزة في حوادث الصين حتى اليوم ؛ ولبثت أوربا أعواما تقاوم شبح البلشفية ، حتى استطاعت ان تتغلب عليه ، وان تحصره في روسيا ؛ وجنح السوفييت ، بعد إذ رأوا ما جرته عليهم سياسة الكومنترن الغرقة ، من العزلة الاقتصادية والسياسة ، إلى شيء من الاعتدال ؛ وكانت سياسة ستالين تري بالأخص إلي التقرب من الدول الغربية ، واستئناف العلائق الطبيعية معها ؛ واسفرت هذه السياسة عن دخول روسيا في عصبة الأمم ، وارتباطها مع معظم الدول القريبة بمعاهدات تجارية ومواثيق سياسية ؟ بيد أن هذا التقرب لم يسفر على أي حال عن استعادة روسيا لنفوذها السابق في شئون اوربا ، لان الدول الغربية كانت لتوجسها وحذرها من أغراض موسكو تعمل دائما على إبعاد هذا النفوذ
ومن الخطأ أن نعتقد أن روسيا البلشفية قد نزلت عن الأغراض الجوهرية التي كانت تقوم عليها سياسة القياصرة الخارجية ، ولاسيما في الناحية الاستعمارية ، والعمل على بسط النفوذ السلام ؛ فقد كانت هذه الأغراض وما زالت روح السياسة السوفيتية، وكل ما هنالك أن موسكو شغلت بجهودها الثورية مدى حين ، ولم تتح لها فرص صالحة للعمل في الميدان الأوربي .
أما الآن فإن روسيا تسترد مكانها القديمة في الدبلوماسية الأوربية بفضل السياسة الهتلرية ؛ ولقد حاولت إنكلترا وفرنسا من قبل ذلك أن تجتذبا روسيا إلى الاشتراك معهما في العمل على إحياء جهة السلامة الاجماعية ، ومقاومة التوسع الجرماني، الذي تعتبر مقاومته من الأعراض التقليدية للسياسة الروسية ؛ ولكن هذه المحاولة فشلت نظراً لأنها كانت مفيدة بغايات وظروف معينة ، ولم تر فيها روسيا ما يحقق أملها في إطلاق يدها في شئون أوربا الشرقية ، وفي استئناف العمل لتحقيق غاياتها الاقليمية
أما ألمانيا الهتلرية فانها نظراً لحرج مركزها وعزلها السياسية الخطرة ، وحرصاً على تفرغها لمقاومة الدول العربية ، لم تقف في سبيل تفاهمها مع روسيا عند أية تضحية إقليمية أو دبلوماسية ، ولم تجد سبيلا لأن تخطب ود روسيا بعد طول عاصمتها لها ، إلا أن تشركها معها في اقسام غنائمها، وأن تتخلى لها عن مناطق البلطيق ، وأن تفسح لها سبيل الزحف إلى أواسط أوربا وإلى البلقان
وقد كان هذا التحول الخطير في السياسة النازية ، ضربة أليمة لألمانيا المختارية ذاتها ؛ فقد كانت لألمانيا قبل اتفاقها مع روسيا مطامع وحركات ظاهرة في دول البلطيق، وكانت تعتبر هذا البحر منطقة نفوذ خاصة بها ؛ وكان الزحف الألماني نحو الشرق Drang nach Osten ، أعني شرقي أوربا ، ونحو الجنوب يجرى ، بعد سقوط تشيكوسلوفاكيا بسرعة عظيمة ؛ وكانت مطامع ألمانيا في اليوكرين موضع توجس موسكو ؛ ولكن هتلر أرغم في اللحظة الأخيرة على أن يحطم بيديه مشاريعه وأحلامه في هذا الميدان، لكى يحول دون تفاهم روسيا مع الدول الغربية من جهة ، ولكي يتقى خطر الحرب في جهتين ، ويستطيع بذلك أن يتفرغ لمحاربة انكلترا وفرنسا في الغرب.
على أن السياسة الهتلرية كانت في ذلك قصيرة النظر ؛ وقد عملت في الواقع بالمثل القائل ( اقتلوني ومالكاً معى ».
ذلك أنه فضلا عن أنهيار مشاريع السياسة الأنسانية ومطامعها في شرق أوربا وفى البلقان ، فإن ألمانيا نفسها قد أضحت معرضة لخطر البلاشفية الرهيب ؛ ومن المحقق أن فكرة الثورة العالمية تعود اليوم فتملاً أحلام البلاشفة ؛ ولقد حطم هتلر فى سبيل مطامعه ، حواجز البلشفية في أوربا الوسطى ، ونعنى النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا ، وأضحت ألمانيا النازية اليوم نقف مع البلشفية وجها لوجه ؟ ولا ريب أن في أحوال ألمانيا الداخلية ، وما يعانيه الشعب الألماني من شفيع الاضطهاد والضغط ، ومن مصائب البؤس
الاقتصادي ، وسوء التغذية ، ما يجعل خطر البلشفية أقرب إلي ألمانيا مما يظن زعماؤها
ولقد جازت ألمانيا هذه التجربة الرهيبة سنة ١٩١٩ حين خرجت محطمة من الحرب الكبرى ، وكادت تسقط فريسة الشيوعية ؛ وكانت تضطرم حتى قيام الحكم الهتلرى بحركة شيوعية قوية يمثلها في الريخستاج زهاء مائة نائب ؛ وكان زعيمها « تيلمان» منافس هتلر وهندنبورج في انتخابات الرآسة فى سنة ۱۹۳۲ ، وقد حصل فيها على نحو ثمانية ملايين صوت . وقد عمل هتلر حينما تولى الحكم على تحطيم هذه الحركة بكل ما وسع ، وصفقت له أوربا والعالم كله ؛ ولكنه يعود اليوم فيعمل بنفسه على إحياء
آمال الشيوعية في ألمانيا ؛ وقد كان من أثر عقد الميثاق السوفيتي الألماني أن أفرج عن آلاف من الشيوعيين الألمان يطلب موسكو ؛ ومن المحقق أن البيئات الشيوعية التى أخدت الهتلرية صوتها من قبل والتي تعود اليوم فتسترد شيئاً من الانتعاش ، لن تبقى جامدة إزاء تشجيع موسكو وعطفها
فهل تسير ألمانيا مرة أخري إلي هذا المنحدر الخطر ؟ هذا ما يتوقعه البعض ؛ بل يرى البعض ان هتلر يري في اقتراب هذا الخطر ذاته ، وفي التلويح به للدول الغربية وسيلة لإرغامها على عقد الصلح ، وإنقاذ ألمانيا من الكارثة المحتومة التي تنحدر الآن سراعا في سبيلها .

