دخلت الحرب الروسية شهرها السادس ، ومد الشتاء إلى ميادين القتال ، بدأ جافة عجفاء ، حادة الأظافر ؛ فبسطت عليها غطاء من الجليد والجمد . وبعثت فوقها رياحا شمالية قطبية قارصة ، يكاد زمهريرها يقطع الوجوه ؛ وأخذ الألمان يجمعون أغطية الصوف من المنازل ، ومعاطف الفرو من النساء ، لكى ترتديها الجنود .
واستطال الليل ، وانكمش النهار حتى أصبح ولم يبق منه سوى سويعات قلائل فى كل يوم . والشمس ضعيفة هزيلة ، مائلة أبدا إلى الأفق الجنوبى ، يحجبها
السحاب ويخفى وجهها الغمام . فلا تكاد الجنود أن تحس من حرارتها وشعاعها ودفئها شيئا .
وسهول روسيا واسعة فسيحة ، تزأر فى أرجائها الريح القارصة ، دون أن يكون هناك جبل يعصم ، أو ركن يؤوى إليه . وقد خرب الروس فى تراجعهم ما وسعهم تخربيه من المدن والمساكن ، فى إقليم قليل المدن والمساكن . . . وحشرت الجموع الهائلة فى العراء وسط الثلج والجمد والزمهرير . لكى يقتل بعضها بعضا ، وتسفك على هذا الجليد البارد دماء بشرية حارة .
وتوهم كثير من الناس أن قدوم الشتاء الروسى سيخفف من حدة الحرب ، ويضطر الجيوش لأن ترابط فى أماكنها ، وتحتفر الخنادق ، وتقيم الاستحكامات ؛ ويكتفى كل فريق بأن يدفع غائلة الفريق الآخر ، فلا تدبر الخطط لهجمات جديدة أو غزوات واسعة النطاق .
وفى الميدان الشمالى - حيث الشتاء أشد قسوة ، والليل أكثر طولا منه فى أى جزء آخر من الميدان - هدأت المعارك فعلا بين القوات الروسية والفنلندية . وكذلك خفت شدة القتال فى إقليم العاصمة الشمالية ليننجراد ؛ ولكن فيما عدا هذين من الميادين لا تزال الجيوش النازية تقوم بهجات متتالية لم يضعف الشتاء من حدتها وشدتها .
فى أوائل شهر أكتوبر خطب زعيم ألمانيا معلنا نبأ هجوم عنيف ستكون له نتائج حاسمة . وظهر بعد ذلك أن هذا الهجوم هو الذى وجه نحو موسكو ، وقد دام زهاء ستة أسابيع ثم هدأ قليلا ؛ وبالرغم من قسوة الأحوال الجوية فان هجوما جديدا قد بدأ فى الميدان الأوسط منذ أسبوع . ويزعم الناس أن هذه هى المحاولة الأخيرة قبل اشتداد الشتاء . للاستيلاء على العاصمة ، وإيجاد مأوى للجنود الألمان .
على أن أكبر الميادين خطرا هو من غير شك الميدان الجنوبى . فاذا كان الاستيلاء على موسكو يكسب الألمان فوزا معنويا ، وينيلهم مدينة واسعة يديرون منها دفة القتال ، فان هذه المزايا قليلة إذا قيست إلى الفوائد العديدة التى يجنيها الألمان من بسط نفوذهم على القوقاز - . . والأحوال الحوية هنا أقل قسوة وشدة منها فى الشمال ، والنهار أطول . ومياه البحر الأسود لا تتجمد على السواحل سوى بضعة أسابيع . ومن الممكن تحطيم الثلج بواسطة سفن معدة إعدادا خاصا لهذا الغرض .
ومن الجائز أن تهدأ الحرب فى الميدان الأوسط بعد مدة وجيزة . ولكن الراجح أنها لن تخف حدتها فى الميدان الجنوبى .
زحف الألمان على أوكرانيا واستولوا عليها فى شهر سبتمبر الماضى . ولكنهم وقفوا وحلفاؤهم على أبواب أودسا ، وعلى باب شبه جزيرة القرم ، وأخذوا يهاجمون مدينة روستوف ، وهى مفتاح القوقاز الحقيقى ، فردوا عنها مرارا ؛ وطال وقوفهم أمامها ، مع أنها واقعة على الضفة اليمنى ، أى فى الناحية الألمانية بالنسبة للنهر . ثم رأت القيادة الألمانية أن تهاجم القوفاز من طريقين لا من طريق واحد : أحدهما طريق روستوف والثانى طريق القرم . ووقف الروس عدة أسابيع على باب برزخ بريكوب ، يدفعون الألمان ويردونهم عن القرم . وانقضت الأسابيع دون أن تستطيع الجيوش الألمانية أن تعدو البرزخ ، حتى اضطرت الدعاية الألمانية لأن تعتذر عن هذا التخلف مما مست إليه الحاجة من الاستعدادات ؛ وكانت من غير شك استعدادات عظيمة . انتهت باقتحام البرزخ فى منتصف الشهر الماضى ، وانقسمت القوات الروسية شطرين ، أحدهما يدافع عن سياستوبول ، والآخر يحول دون تقدم الجيوش الألمانية نحو كرش .
إن الدفاع الحقيقى عن القرم لا بد أن يحدث فى برزخ بريكوب . وبعد تدفق القوات الالمانية إلى شبه الجزيرة ، بات أمر الاستيلاء عليها كلها مرهونا بالزمن . وقد سقطت بلدة كرش منذ بضعة أيام فى أيدى الألمان . ووصلت جيوشهم إلى البوغاز الضيق الذى يفصل القرم عن القوقاز ، ويصل بحر أزوف بالبحر الأسود . ولا يزيد اتساعه عن خمسة أميال فى أضيق جزء منه . وقد يطول حصار سباستوبول أو لا يطول . ولكنها لم تعد اليوم ذات خطر
كبير ، فقد غادرها الأسطول الروسى ، منذ بات ميناؤها عرضة لقنابل العدو وطائراته المنقضة . وسواء أطال حصار سياستوبول أم قصر ، فان هذا لن يمنع الألمان من المضى فى خطتهم من الهجوم على القوقاز عن طريقين أحدهما طريق روستوف ، والآخر طريق كرش .
وطريق بوغاز كرش تكتنفه صعوبات كثيرة . فليست إقامة جسر عرضه خمسة أميال لكى تعبر عليه الدبابات والسيارات بالأمر اليسير . وليس للمحور أسطول ذو شأن فى البحر الأسود يعاونهم فى هذا العبور . ولقد يظن البعض أن الألمان سيطيرون إلى القوقاز ، لكى ينزلوا به كما نزلوا بكريد ، وليس بين الحالين شبه كثير . ولئن استطاع الألمان أن يعبروا البوغاز إلى الشاطئ الشرقى ، فانهم سيضطررون إلى محاربة الروس وظهرهم إلى البحر . وإمداداتهم لا بد أن تحمل إليهم عبر هذا البوغاز . وقد تعود الناس من القيادة الألمانية أن تعد لكل زحف ما يتطلبه من عدة . ولكننا لا نستطيع أن نتكهن بالخطة التى ستتبعها القيادة الألمانية فى الهجوم على القوقاز عن
طريق بوغاز كرش . ومهما يكن من شئ فان القرم أفادت الزحف الألمانى على القوقاز فائدة جليلة بأن يسرت لها إقليما تقيم فيه مطارات شديدة القرب من القوقاز ، ومن مسالك السفن فى البحر الأسود .
والراجح أن ألمانيا لن تحاول الهجوم المزمع عبر بوغاز كرش ، حتى يتم لها الاستيلاء على رستوف ، وعبور نهر الدون عند مصبه ؛ فاذا تقدمت فى هذا السبيل بعض التقدم ، فهنالك تجىء المحاولة الأخرى للشق الآخر من المقراض . ومهما يكن من شئ فان الزحف من كرش يتطلب من غير شك استعدادات كثيرة من طراز خاص ؛ ولابد - كما أفهمتنا الدعاية الألمانية - من انقضاء بعض الوقت حتى تتم هذه الاستعدادات . وفى هذه الفترة تهاجم روستوف بكل ما للألمان من حول وطول .
إن الاستيلاء على القوقاز غنيمة ليس مثلها غنيمة ، وهنالك فوائد ست على الأقل كلها ذو شأن جليل ، وخطر عظيم .
(١) الفائدة الأولى : الثروة المعدنية العظيمة . فها هنا ينابيع البترول ، التى ليس لها فى العالم القديم نظير ؛ وهنا مناجم المنجنيز - التى تفوق بإنتاجها جميع مناجم العالم . والمنجنيز مادة ثمينة ، وحسبنا أن نعلم أنها هى التى تضاف إلى الحديد لكى تجمل منه الصلب الشديد الذى يستطيع مقاومة القذائف الشديدة التدمير . والبترول أعظم خطرا لأنه روح الحرب ، ودمها وغذاؤها . وقد شن الألمان على روسيا حربا شعواء فى ميدان طوله ألفان من الأميال ، وهى تبتلع من البترول ، جديده وقديمه ، وطارفه وتليده ، آلاف الأطنان فى كل يوم . وليس يعلم أحد على وجه
التحقيق ما ادخره الألمان من هذا السائل الثمين . ولكن المعروف أن الهالك منه أكثر من الناتج . وأن لابد للمدخر منه ان يسد الثغرة التى تزداد اتساعا فى كل يوم . والاستيلاء على آبار القوقاز يفى بحاجة الألمان من البترول وفاء تاما . بقدر ما يحرم الروس هذا المورد العظيم .
على أن الوصول إلى آبار البترول ليس بالأمر اليسير . وهنالك آبار فى الجزء الشمالى من القوقاز حول بلدة جرزنى ، ولكن الشطر الأعظم من البترول الروسى واقع فى إقليم باكو ، فى الطرف الشرقى من جبال القوقاز على بحر قزوين .
تمتد سلسلة جبال القوقاز من يوغاز كرش فى الشمال الغربى ، إلى بلدة ياكو فى الجنوب الشرقى ؛ ويبلغ طولها ألفا وثلاثمائة من الكيلو مترات ، متصلة القمم وعرة المسالك ، سمكها يزيد فى كثير من المواضع على مائة كيلو متر ، وترتفع رءوسها فى الفضاء إلى أربعة آلاف من الأمتار ، وقد تزيد على هذا الارتفاع ، لا تخترقها السكك الحديدية إلا من أطرافها الشرقية أو الغربية . ولا تجتازها طرق من الشمال إلى الجنوب ، اللهم إلا الطريق الشديد الوعورة ، الذى يصل فلاديقوقاز شمالا ببلدة تقليس جنوبا ، وليس هنالك طرق أخرى ، ولا بد لمن يبغى الاستيلاء التام على القوقاز أن يجتاز البلاد من أطرافها الشرقية أو الغريبة ؛ وليس هذا بالأمر السهل . فان الجبال تمتد إلى البحرين الأسود وقزوين ، وليس بين الجبال والساحل سوى ممر يضيق فى كثير من المواضع ، حتى لا يكاد يفصل بين الحبل والبحر شئ . ولا بد من اقتحام هذين الطريقين الشرقى والغربى للوصول إلى باكو على بحر الخزر ، أو باطوم على البحر الأسود .
والذين يعرفون شيئا عن الجغرافيا العربية يذكرون
أن الفرس قد بنوا ثغرا على بحر قزوين بالقرب من بلدة دريند (شمال باكو بنحو مائتين وخمسين ميلا) وسموه باب الأبواب ، واستطاعوا أن يسدوا بهذا الباب الطريق أمام الشعوب البربرية التى تزحف من الشمال .
فالوصول إلى باكو وباطوم تحول دونه عقبات ليس من السهل إخضاعها وتذليلها .
(٢) الفائدة الثانية لهذا الغزو قطع الصلات بين موسكو العاصمة وبين الجنوب . ومن هذا الطريق تجىء الإمدادات بطريق إيران وخليج العجم . والخط الحديدى المباشر بين القوقاز وموسكو يخترق رستوف ويتجه شمالا نحو العاصمة ؛ فاذا سقطت رستوف فى ايدى الألمان لم يكن بد من اتخاذ طريق طويل - غير مباشر - يدور حول نهر الدون من الشرق ، حتى يصل إلى العاصمة . فاذا اتسع ميدان الحرب فى القوقاز ، فقد تنقطع المواصلات تماما بين بلاد القوقاز وموسكو .
(٣) والثالثة : حرمان الأسطول الروسى فى البحر الأسود من موانىء تؤويه وتمده . إن حصار سياستوبول حرم هذا الأسطول مرفأه الأكبر ، وموئله الأول . ولا بد للأسطول اليوم أن يقنع باستخدام ميناء باطوم ، وتوفوروسك ، وكلاهما لا يكاد يقارن بسياستوبول . فاذا فقد الروس السيطرة على سواحل البحر الأسود بقى الأسطول الروسى من غير ملجأ أو مأوى .
(٤) الفائدة الرابعة ، التى يجنيها الألمان من توغلهم فى القوقاز ، أنهم يستطيعون بالزحف شرقا أن يقطعوا جيش القوقاز عن جيش الشمال ، وأن يصلوا إلى مصب نهر الفاجا ، وبهذا يأخدون القوات الروسية من الجنوب إلى جانب مهاجمتهم من الغرب .
(٥) والخامسة أن الاستيلاء على القوقاز يباعد بين تركيا وروسيا . فتصبح الأولى وقد أحدق بها الألمان من
ثلاث جهات . فاذا أريد ˒"˒ الضغط "˓ على تركيا لكى تتبع خطة خاصة ممالثة لألمانيا ، فان اقتراب الألمان من حدودها الشرقية يزيد مركزها حرجا وصعوبة .
(٦) والسادسة وهى فائدة لا تقل خطرا عن سوابقها أن ألمانيا تستطيع بعد اجتياز القوقاز أن تهدد إيران ، والشرق الأوسط والهند . وينفتح أمامها طريق برى لمهاجمة بريطانيا .
فلقد حالت السيادة البريطانية فى البحر ، دون اشتباك جدى بين قوات المحور والقوات البريطانية . ما عدا الميدان الليبى ، الذى لا بد للفريقين أن ينقلا إليه الجنود والمعدات الحربية . أما الميدان القوقازى ، فانه يكون قريبا من ألمانيا ، شديد البعد عن الجزر البريطانية . ولهذا نرى اهتمام بريطانيا عظيما بميدان القوقاز ، وبما يدور فيه من حرب ، ولن تألو جهدا فى إمداد القوات الروسية
فيه بما تحتاجه من سلاح وعدة حربية . بل لقد دار على الألسنة أن بريطانيا تنوى الاشتراك الفعلى فى حرب القوفاز إذا اتسع ميدانها ؛ وأيد هذا الزعم ما هو معلوم من اتصال القيادة الروسية بالقيادة البريطانية فى الهند .
على أن هذه التطورات كلها - على فرض توفيق الألمان فيها ، ستستغرق زمنا ليس بالقليل . وقد يضطر الألمان إذا عبروا نهر الدون ، أن يستمروا فى زحفهم شرقا إلى نهر الفلجا ، قبل أن يزحفوا جنوبا نحو القوقاز .
ومهما يكن من شئ فلا بد أن يظل الميدان الجنوبى فى الحرب الروسية أخطر الميادين فى هذا الشتاء . وإذا قدر الميادين الأخرى أن تنعم بشئ من الهدوء النسبى فان الحرب فى الجنوب لن تتمتع بهدوء كثير .

