الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 284 الرجوع إلى "الثقافة"

الزحف على روما

Share

منذ بضعة عشر عاما اسلمني قطار الصباح إلي مدينة روما . فرأيتها لأول مرة . . " زحفت " عليها من الشمال ، لا كما تزحف الجنود ، بل كما يزحف الحجاج ، الذين يهرعون إليها في كل عام من جميع اركان الأرض . كانت الحكومة الفاشية إذ ذاك في أوج عزها ، وفي خير اعوام حكمها ، لم تكن وقتئذ تفكر في الفتح والقتل وسفك الدماء ؛ بل كانت منهمكة في التعمير والإصلاح ، والتشييد والبناء . طهرت مدينة روما من تلك الأدران المادية والأدبية التي تشوه جميع العواصم - أوربية كانت أم غير أوربية - من غير استثناء حتي صارت مثالا بديعا للأمم ، لو أن الأمم قادرة على أن تنهج ذلك النهج . وأخذت ترفع الأحجار والتراب والأنقاض عن آثار العهود الغابرة ، حتى جعلت من المدينة سفرا تاريخيا ضخما ، يحتوي بين

دفتيه صور القرون وأخبار السنين ولقد أخذت اطالع ذلك السفر في شوق ونهم ، فأقلب طرفي في الكوليسيوم ، ذلك المحفل الضخم ، الذي كان يتسلي فيه الرومان برؤية صراع الأسود ، وتطاحن الأبطال لا كما تتسلى اليوم ، في ظل هذه الحضارة الناعمة ، بمناظر الكباريه ، والدعاية الفائرة ، والتهتك الوضيع . واجوب متاحفها المفعمة ، حيث تنعم الروح بروعة الفن الإيطالي  في العصور الوسطى ، وفي زمن النهضة ، ثم اخترق " التبير " إلى ضفته اليمنى ، فأزور أروع معابد أوروبا ، كنيسة القديس بطرس واتجول في مدينة الفاتيكان ، التي لا يزيد طولها على الميل ، وعرضها على الميل ، وهي مع ذلك أجل مدن اوربا ، وأرفعها قدرا . فأرى فيها مجد روما الحديث ،  والخلف الحقيقي لدولة روما القديمة

إن في أرجاء الأرض بقعا أتيح لها من الحظوة وازدهار  الجد ، ما جعلها ممتازة على البقاع ، فاحتلت موضع السيادة والرئاسة بين الأمكنة . ولقد يكون من السهل أن يدرك المرء أن بعض المواقع حقيقة ذو ميزة فائقة ، بحيث لا بد أن تنشأ فيه مدينة عظيمة ، من السهل أن ندرك مثلا أن مكان ممفيس أو القاهرة حيث تلتقي مصر السفلي ومصر العليا مكان ملائم لعاصمة عظيمة ؛ وعلى ضفة البسفور حيث تلتقي أوربا وآسيا ، ويتصل البحر الأسود بالبحر الأبيض مكان لمدينة عظيمة ، وحاضرة باهرة . ولكن الذي يتأمل موقع روما لا يجد من السهل أن يتبين فيه ما يؤهله لكل هذا الشرف الضخم ، والمجد التليد والطارف . قل ما شئت عن ميزات موقعها : من أنه يتوسط الجزيرة الإيطالية بين الشمال والجنوب ، ومن أنه علي نهر التيبير ، وهو من أطول أنهار إيطاليا ، وأكبر الأنهار التي تجري في جبال الاينين ، وأنه الموضع الذي تستطيع سفن البحر أن تصل إليه من مصب التبير . وأن في هذا المكان كثبانا يرتفع فوق مستوي المستنقعات الغربية ، ولهذا فهي تصلح لبناء المساكن البشرية . . قل كل هذا وغيره من الميزات الطبيعية . فإنك لن نستطيع أن تجد في ذلك كله ما يفسر تحيز الآلهة ، التي جعلت من هذا الموقع مركزا من أكبر مراكز الحضارة البشرية على مدي الأجيال والقرون .

ألهذا ولدت روما في زمن قديم يحيط به ظلام لا تستطيع أن تخترقه ابصار الباحثين والعلماء وربما كان ذلك قبل ميلاد السيد المسيح بعشرة أو بعشرين قرنا . ثم تأخذ روما في الظهور فإذا هي بلدة مستعبدة مستذلة يحكمها طغاة من سكان اوربا وقد كان حكمهم المدرسة القاسية التي تعلم فيها أهل روما حب الحرية وبعض الظلم ؛ فما برحوا ان طردوا الطغاة من بلدهم ، وأسسوا جمهورية روما في عام ٥٠٩ قبل ميلاد المسيح . ألعل هذا هو السر الأكبر فيما بلغته روما من المجد فيما بعد ؟ وأي نشأة لشعب أفضل

من أن ينشأ في حومة الكفاح لنيل حريته من العدو الطاغي الذي يريد أن يذله ويستغله ؟ مهما يكن من أمر ، فإننا  نشاهد في الرومان القدماء خلقا امتازوا به ، وهو الثبات  في الكفاح ، فلقد ينهزمون المرة بعد المرة ، ثم يعودون إلى الجهاد بعزم متجدد

بتلك العزيمة المتينة استطاعت روما أن تبسط نفوذها على إقليم لانيوم ، ثم لم تزل بعد ذلك تتسع وتنمو حتى بسطت سلطانها على الجزيرة الإيطالية كلها . ثم جاء كفاحها  الضخم ، الذي شب بينها وبين مدينة قرطاجنة . ودارت الحرب بينهما في صقلية في المرحلة الأولى ؛ ثم اغار امير قرطاجنة ، هانبال ، على إيطاليا نفسها في المرحلة الثانية ، ومنيت الحيوش الرومانية علي يديه بالهزيمة بعد الهزيمة ولكن قوة روما كانت تتجدد دائما ، وكان هانبال يحارب بجيش من الأجراء المرتزقة ، وروما تحارب بأبنائها الأحرار . فلم يلبث هانبال وجنوده ان اجلوا عن ارض إيطاليا . وفي المرحلة الثالثة أغارت روما على أرض قرطاجنة ومحتها من الوجود . ولم يبق بعد زوالها امام روما عدو يستحق الذكر . فلم تزل تنمو وتمعن في النمو ، حتى اصبحت دولة ضخمة تحيط بالبحر الأبيض المتوسط كله ، وتنتظم النصف الجنوبي من أوربا .

إن روما مثال عجيب ، يوشك أن يكون منقطع النظير ، لبلدة مفردة لم تزل تنمو وتكبر وتتضخم حتى اصبحت أكبر دولة في العالم . ولكى تدرك هذه الحقيقة يحسن أن نقارن بينها وبين عاصمة مثل ممفيس أو القاهرة . فإن  القطر المصري قد وجد وتكون قبل ان توجد له عاصمة . فالقطر هو الذي خلق العاصمة . أما روما فهي العاصمة التي خلقت القطر ، وانجبت الدولة .

ولقد تقلبت على روما الحظوظ ، وبعد أن ذاقت العيش الرغد ، والحياة الناعمة بضعة قرون أخذت تتجرع الكؤوس المرة ، وتعاني من ضروب الشقاء ما لم يتعرض

له من المدن إلا القليل . كانت تجاربها عظيمة ضخمة دائما : فكان مجدها عظيما وشقاؤها عظيما ، والكأس التي تشرب بها واسعة مترعة ، تجرعت منها الشهد زمنا والصاب أزمانا ؛ وقلب لها الدهر ظهر المجن ، فبعد أن كانت فاتحة غازية صارت مفتوحة يغار عليها ، وبعد أن كانت تزحف على الأقطار والأمصار ، أخذت الحيوش تزحف عليها وتوردها موار الدمار لم تكن روما تستحق كل هذا العذاب الذي عانته على أيدي الشعوب البربرية ولكن لم يكن بد من أن تلقي الجزاء الذي لا مفر منه ، لمن يمعن  في الفتح والغزو والتوسع . فإن سيادة العالم عبء باهظ لا تستطيع كواهل دولة أن تنهض به إلا فترة محدودة من الزمن ، ثم تخور القوي علي مر السنين ، ويزعزع العرش ، ويسقط الصولجان وسط الرغام .

واليوم يتجدد الزحف على روما في ظروف عجيبة ، لم يكن يحلم بها أحد . ولو أن إنسانا انبأنا منذ عشر سنين أن جيوشا ستأتي من الجنوب لفتح العاصمة الإيطالية ، لما أصغينا إلي مثل هذا القول إلا علي أنه ضرب من العبث . ومع ذلك فها نحن نشهد جيشا عجيبا قد أظل روما ، وليس له في الجيوش التي يعرفها التاريخ نظير جيش يتألف من جنود من امريكا بينهم الكندي وساكن الولايات المتحدة والبرازيل . وفي الجيش كتائب من إفريقية الجنوبية ، ومن السنجاليين السود ، وفرق من الجزائر ومراكش ، وأفواج من شعوب الهند المختلفة ؛ وكتائب من زيلندة الجديدة ، وقوات فرنسية من صميم فرنسا ؛ وزمر من أهل بولنده ؟ وفرق عظيمة من شعوب  المملكة المتحدة : من إنجلتره وسكتلنده وإيرلنده وويلس والغريب في هذا كله . ان هذا الجيش الزاحف على روما يشتمل أيضا علي كتائب ايطالية ! ولا عجب إذا كانت المدينة

العريقة تفتح عينها من شدة الدهشة لرؤية هذا الجيش العجيب ، المتعدد الأشكال والالوان ، الذي لا تعرف له في تاريخها الطويل نظيرا

ولا شك أن قيادة هذا الجيش المتعدد الآجناس والآلسن ، وما لقيته هذه القيادة من التوفيق ، امر ينطق بالثناء على قادته جميعا ، وعلى القيادة العليا بوجه خاص أما العدو الذي يحاربه هذا الجيش الضخم ، فهو عدو واحد من جنس واحد ، وافراده وقواده يمتون بصلة إلى أولئك الجرمان القدماء الذين كان الرومان يسمونهم البرابرة ، والذين طالما أغاروا على أرض إيطاليا الغنية الوافرة الثمار والخيرات ، فأشاعوا فيها الخراب والهلاك .

كانت أرض إيطاليا ذات الهواء الصحو المشرق ، والتربة الكريمة الخصبة ، هي مطمح انظار أولئك الشمالين ، الذين حاولت روما عبثا تمدينهم وإخضاعهم . وهؤلاء أحفادهم اليوم يتراجعون فوق ارض إيطاليا ، فلا يتركون وراءهم دارا عامرة ، ولا شجرة قائمة ، إذا امكنهم تخريبها

على أن الزحف على روما يحدث اليوم في ظروف تختلف عما عهدناه في الأزمنة السالفة . فلقد كان الغرض الأكبر

فيما مضي الاستيلاء على روما نفسها ، أما اليوم ، فإن هذا ليس هدفا مقصودا لذاته . ومع ان الحلفاء يسرهم جدا ان يزول الحكم الألماني عن العاصمة الإيطالية ، فإن الاستيلاء عليها لا يختم فصلا من فصول الحرب ، أو مرحلة من مراحلها .

بل الغرض الأول الذي تسعى إليه جيوش الحلفاء هو الانتصار في الميدان الإيطالي كله ، و هزم الجيوش النازية وإجلاؤها عن ارض إيطاليا . ومتى تم  لهم هذا كان ذلك بمثابة انتهاء مرحلة خطيرة في القتال . فالمعركة التي تدور اليوم هي معركة إيطاليا لا معركة روما وقد بدأت هذه المعركة في الخريف الماضي ، يوم خرجت إيطاليا من الحرب ، وقرر الألمان ان يدافعوا الحلفاء عن أرضها ، فجعلوا من بلاد حليفتهم القديمة ميدانا من ميادين الحرب

وتقدم الحلفاء بسرعة في المرحلة الأولى من القتال ، بحيث لم ينقض الخريف حتى كانوا قد استولوا على الثلث الجنوبي من إيطاليا ، بما في ذلك مدينة نابولى . ثم اخذوا يتقدمون بعد ذلك ببطء وبالتدريج ، لان القوات الالمانية جاءها مدد كبير ، واستطاعت أن تقاوم مقاومه شديدة .

ثم جاءت مرحلة الشتاء الماضي ، والميدان يمتد من البحر الإدرياتي شرقا إلى البحر الترهبني غربا ، في مسافة تقرب من الثلثمائة من الكيلومترات . وهو يمتد في ارض شديدة الوعورة تختطها جبال اينين المتقطعة ، التي ترتفع قممها أحيانا إلي ألف وأحيانا إلي ألفين من الأمتار . وسواء اكانت مرتفعاتها عالية أم متوسطة ، فإنها تجعل الحرب في مثل هذا الميدان عملا شاقا بطيئا ، ولا شك ان المهاجم يلاقي فيه صعوبات وعقبات أكبر مما يجده المدافع . لذلك لم يكن من المستغرب ان كان تقدم الحلفاء بطيئا أول الأمر ، وأنهم وققوا أمام حصن كاسينو مدة طويلة دون أن يستطيعوا التغلب عليه

وأراد الحلفاء أن يقوموا بعمل فيه تهديد مباشر لروما

من جهة ، وفيه - إذا نجح - أخذ للجيوش الألمانية من الخلف من جهة أخري فأرسلوا حملة إلى الساحل الإيطالي جنوب روما مباشرة . ولكنهم لم يستطيعوا في الشتاء الماضي تحقيق أغراضهم . وانتهت المرحلة الثانية في شهر مارس الماضي والحلفاء مرابطون حول أنزيو في الشمال ، ووراء كلسينو في الجنوب

وفي يوم ١١ مايو الماضي بدأت المرحلة الثالثة وقد أعد لها الحلفاء عدة هائلة . فلم تلبث كاسينو التي امتنعت أشهرا أن سقطت في أيام . واتخذ الحلفاء من وادي نهر ليرى طريقا يسلكونه في تعقب اعدائهم . وبالرغم من ان قادتهم حذرونا من أن نتوقع تقدما سريعا ، فقد كان تقدمهم من غير شك سريعا . وعندما وصل الجيش الامريكي إلي بلدة تراسينا على الساحل الغربي ، كان ذلك بمثابة إيذان للجيش المرابط حول أنزيو بأن يحاول هو أيضا أن يخترق الخطوط التي تحيط به . فلم تمض أيام حتى اتصل جيش الشمال بجيش الجنوب . وأصبح الجيش الخامس الأمريكي مشرفا علي روما ، لا يحول بينه وبينها سوى جيش الماني وقف  دونها ليذود العدو ، أو ليؤخر تقدمه ما أمكنه التأخير .  ولم يكن الغرض من هذا الدفاع الألماني العتيد الدفاع عن روما ، بل الغرض منه ان تعطي الجبوش الالمانية فرصة التراجع ، قبل أن يحاط بها وتضطر إلي الاستسلام .

ولهذا فان سير هذه المرحلة من حرب إيطاليا يجب ألا يقاس بالاستيلاء على روما ، بل بما فقدته الجيوش الألمانية من عدتها وعددها ، وقدرتها على الوقوف في خطوط جديدة شمال روما ومداومة الحرب ضد الحلفاء

لقد وعد قادة ألمانيا بألا يدافعوا عن روما . ولعل هذا الوعد ان يتحقق ، وان تنجو هذه المدينة الجليلة من التخريب والتدمير ، وإن لم يكن من الممكن ان تنجو تماما من جميع ويلات هذه الحرب

اشترك في نشرتنا البريدية