يتعجب الكثيرون من صلابة الروسيين في كفاحهم الحالي ضد النازيين ، ومما يعانون من الصعوبات العديدة التي تعترض سبيلها من جراء الحرب ، إن إحدي تلك الصعوبات بلا شك هي مشكلة الزراعة في روسيا .
ينبغي لدولة تقاسي ويلات تلك الحرب الشعواء ألا تقصر اهتمامها على إنتاج أسلحتها فقط ، بل تنظر إلي أهمية إنتاجها الزراعي ايضا . قد رأينا جميع الدول التي تحت سيطرة النازيين كيف تقاسي ازمات إنتاجها الزراعي وكيف ينزع من الفلاح حصاده الضئيل ، أما روسيا فقد ابتدأت الاهتمام في حل مشكلتها الزراعية خلال العشرين عاما الماضية
حيث كانت أولى الدول التي رأت أهمية نظام توزيع الزراعة في جميع انحاء البلاد ، واستغلال الأراضي البور بقدر المستطاع ، وجعلت لكل منطقة حقولها بخضرواتها وزبدها وألبانها وماشيتها وغلالها حتي تستطيع ) كل منطقة ( ان تستقل بقدر إمكانها في محاصيلها الزراعية .
لاشك أن روسيا قد خسرت في الوقت الحالي من أراضيها جزءا لا يستهان به من الوجهة الجغرافية ، ولكن لم تزل هناك مساحات لا حد لها تمون الشعب السوفياتي من حيث لوازمه الزراعية . استغلت روسيا جزءا متسعا من أراضيها الصحراوية التي تتجاوز سبع مساحتها ،
وما علينا إلا أن نلقى نظرة علي دولة التركمان إحدي دول الاتحاد السوفياتى التي تقع شرقي بحر قزوين ؛ تلك المنطقة مثلا كانت تسكن منذ ٢٠ عاما بالقبائل الرحالة ، فأصبحت اليوم بفضل مجهود سكانها مجزءة إلى حقول مثمرة بعد ان حقق المهندسون والجغرافيون السوفياتيون مشروع تحويل مجري نهر الأموداريا لاغراض الري ، قد تحول مجري ذلك
النهر عن طريق صميم الصحراء ، وبذلك اتى معه بالآشجار والحقول والخضراوات ، وانشقت على ضفتيه بلاد بأكملها حيث استقرت فيها نهائيا الجماعات التي كانت في الماضي رحالة يتمتعون بكافة حقوق البلدان المتمدنة . أما في شمال سيبيريا وخاصة في منطقة شبه جزيرة كولا ، وعلي شواطئ المحيط المتجمد التي لم تكن منذ عشرين عاما إلا اراضى متروكة طوعا للعواصف الثلجية ، اصبحت تنتج اليوم
وتورد إلي البلاد الصناعية المجاورة كميات وافرة من الخضروات . وفي منطقة مرمانسك استطاع الخبراء السوفياتيون زرع وتربية نوع جديد من غلة القمح ، وخلال فصل الصيف القصير حيث تستغل اشعة الشمس في تلك المنطقة لإنتاج أنواع جيدة منه
كانت تستخدم روسيا منذ عشرين عاما الأساليب المتأخرة لاستغلال أرضها . استعملت في الماضي اداة الزراعة الأولية كالمحراث الخشبي وغيره ؛ وكان محصولها الزراعي بطبيعة الحال ضئيلا جدا . أما اليوم فتطورت تلك الأساليب واستعملت أحدث الآلات الزراعية . اليوم
تستخدم روسيا مئات الآلآف من المحاريث والمجرات الميكانيكية وآلات الحصد وجميع ما تستلزمه الزراعة الحديثة . وحتي الطائرات التي ترتفع فوق الحقول كالنسور الجبارة كي تبذر مساحات تتجاوز مئات الأفدنة في وقت يسير جدا . أما العزب النموذجية فأسست الحكومة السوفياتية مئات منها كي ترشد الفلاحين عن كيفية الزراعة ، وأكثر من
عشرين ألف معمل ومحطات اختبارية تشغل آلاف العلماء والإخصائيين الزراعيين
قام الشعب السوفياتي لأول مرة خلال العشرين عاما الماضية بتحقيق اكبر مشروع زراعي عرفه البشر ، والذي كلل بالنجاح ، وهو تأسيس العزب التعاونية المشتركة المعروفة باسم الخلكوز ابتدي بإنشاء تلك العزب في سنة ١٩١٨ ، ثم انتشرت في انحاء البلاد حتى قدرت بالآلاف في سنة ١٩٣٠ ، وتجاوزت في عام ١٩٣٩ مائتين وخمسين ألفا ؛ وهذا خلاف أربعة الآلاف عزبة التي تديرها
الحكومة السوفياتية ، تتعاون أعضاء كل عزبة في إنتاج كميات وافرة من أجود المحاصيل الزراعية من أقطان وقمح ، خلاف اللحوم والالبان والزبد والزيوت الصناعية الخ . . وقد وردت الحكومة السوفياتية لتلك العزب أكثر من نصف مليون من المحاريث الميكانيكية وستون ألف آلة حصد ، ومجموع آخر من الآلات الزراعية الحديثة المختلفة ، وهذا خلاف السماد والبذور المتنوعة .
يشترك في إدارة تلك العزب الإخصائيون الزراعيون والمهندسون والعمال الماهرون ، والبيطريون الذين تخصصوا في المعاهد والكليات الزراعية والصناعية التي انشئت . وأصبحت اليوم كل عزبة كمدينة صغيرة بها مدارسها ومكانتها العمومية ونواديها ومستشفياتها وديار السينما ومحطات الإذاعة
قد وضعت روسيا برنامجا زراعيا هاما ، وأخذت على عاتقها تعليم الفلاح كي يدرك معني الزراعة العلمية . ويرشد رجال العلم آلاف الفلاحين لتشجيع روح التجديد والبحث . وهذا هو سر نجاح بلاد الروسيين التي تتطورت وأصبحت ضمن أحدث الأمم الزراعية في العالم .

