الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 386 الرجوع إلى "الثقافة"

الزعامة والزعماء

Share

تتطلب الزعامة قيادة الجماهير ، وهو عمل من أشق الأمور وأصعبها ، لأن الجماهير - عادة - تخضع للعواطف والانفعالات الوقتية أكثر من خضوعها للعقل والتفكير الهادئ المتزن ، ولذلك قد تتحول من عاطفة الرحمة إلى القسوة العنيفة في لحظة ، وهذا هو السر في أن الزعيم الثأثر الهائج الشبوب العاطفة أنجح في قيادتهم من الزعيم الهادئ المفكر .

ومن ثم كانت العلاقة بين الزعيم وأتباعه من أدق العلاقات وأ كثرها تعرضا للخطر . فالزعيم دائما في الميزان ، كل كلمة منه وكل فعل يصدر عنه وكل كلمة أو فعل من مؤيديه أو معارضيه تؤثر في ميزانه بالرجحان أو عدمه . ولشخصية الزعيم أثر كبير في هذه العلاقة ؛ فلكل زعيم صورة تنعكس في خيال أتباعه وتؤثر فيهم ، وكثيرا ما يضيف الأتباع إلي هذه الصورة خيالات وأوهاما من عندهم يخلعونها على الزعيم وقد يعتقدها هو أيضا في نفسه ، ومن ثم كان التفاعل بين الزعيم وأتباعه تفاعلا قويا .

والنظر إلى الزعيم يختلف باختلاف حالة الأتباع العقلية والخلقية والاجتماعية ، والجماعة الضغيفة العقلية قد تزعم الهرج الثرثار ، وقد تزعم الهائج الشديد الانفعال أو كثير الملق لهم من غير اعتبار جدي آخر أو نحو ذلك . وقد تخطئ الجماعات - حتى الراقية منها - فتمنح من نال ثقتها في ناحية من النواحي ثقتها في النواحي الأخرى ، فقد ينبغ الزعيم في السياسة فيمنح الثقة في الاقتصاد أو العكس ، وقد ينبغ في الإصلاح الديني فيمنح الثقة في السياسة وهكذا . وقد تكون الأمة في حالة ثوران واضطراب فتكون العلاقة بين الزعم والأتباع علاقة مضطربة كذلك ، كما في زعماء الثورة الفرنسية ، كانوا يرفعونهم فوق الأعناق ثم

ينفضون أيديهم منهم فيسقطون ثم يدوسونهم بالأقدام .

والمثل الأعلى للزعيم السياسي يختلف باختلاف العصور والبيئات ، وهو في هذا العصر - في الأمم الديمقراطية - يتكون من عناصر أربعة لابد منها جميعا ليكون الزعيم زعيما حقا . وهي : الأمانة والشجاعة والذكاء والتعاطف مع الناس .

فأما الأمانة فلسنا نعنى بها ألا يسرق ولا يخون ولا يرتشي ، فهذه أمور تطلب من كل فرد في الأمة مهما حقر شأنه ، تطلب من الموظف الصغير والتاجر الصغير وكناس الشارع والفلاح الفقير . إنما تطلب من الزعيم الأمانة بمعني أدق وأرقى ، وهو أن يكون جادا صادقا مخلصا في فكره وقوله وعمله ، فهو ليس أمينا إذا أخفي الحقائق عن أمته او راءى وتظاهر بما ليس فيه ، كل أنه ليس أمينا إذا أغمض عينه عن خيانة يرتكبها المقربون إليه أو راعي أسرته أو حزبه على حساب أمته ، الأمانة في الزعيم السياسي ألا يسمح لعقله أن تسكن فيه فكرة إلا إذا اعتقد أنها حق ، ولا يجري على لسانه قول إلا الحق ، ولا يصدر منه عمل إلا إذا آمن بنفعه - فإن لم يتوافر فيه هذا العنصر فهو زعيم مزيف .

أما الشجاعة فلا بد له منها في كثير من المواقف ، فقد يضلل الشعب بشتى الأضاليل ، فيحتاج الزعيم ان يجاهر بما يعتقد ولو اغضب أتباعه ، ولو أغضب الرأي العام ، لأنه ليس تابعا للرأي العام ، بل هو قائده ومرشده ، يخاصمه أحيانا إذا رأي الخطأ في اتجاهه ، وقد يخاصم الحكومة في تشريعها الضار أوفي تصرفها السئ فيحتاج إلى الشجاعة ليهاجمها ويثور عليها . ليس الزعيم الشجاع هو الذي يعيش على التملق للجماهير وكسب إعجابهم بالحق أو الباطل والكلام مما يسرهم ويرضيهم . إنما الزعيم الحق من له من الشجاعة الأدبية ما يمكنه من أن يسمعهم الكلام المر إذا اقتضي الحال ، ويخالفهم إن رآهم على ضلال ، ويقومهم إن اعواجوا ،

ويدعوهم إلى الصراط المستقيم إن انحرفوا ، ولو عرضه ذلك لفقد زعامته وتشويه سمعته .

ثم لابد للزعيم من ذكاء ممتاز يدرك به الحقائق ولو تعمد إدرا كها ، وهو في عصرنا هذا عنصر أساسي أكثر مما كان قبل ، لأن الحياة الاجتماعية تعقدت وظروف الأمة تعمل فيها عوامل مختلفة خفية وظاهرة ، والنافع والضار على أشد ما يكون من الاشتباك ، وليست أية أمة بمعزل عن العالم ، فهي نقطة من محيطه تتأثر بما يجري فيه ، وليست العوامل الداخلية بأقل تعقدا من العوامل الخارجية - كل هذا يتطلب ممن تصدر للزعامة أن يكون له من الذكاء ما يدرك به هذه الشؤون المعقدة إدراكا صحيحا ليبني عليه حسن تصرفه .

ثم إن علماء النفس اليوم يقسمون الذكاء أقساما وينوعونه أنواعا : فهناك الذكاء في فهم النظريات والمسائل المجردة كذكاء الفلاسفة والجامعيين . وهناك الذكاء العملي ، والزعم السياسي أحوج إلى هذا النوع العملي ، وهو إدراك العلاقات الواقعية للمسائل والأشخاص ، وهو ذكاء مكتسب من التجارب أكثر مما يستفاد من دراسة النظريات وعمق التفكير ، هو ذكاء كالذي يكسبه المهندس من كثرة ممارسته ، والطبيب - بعد دراسته - من طول مزاولته . فالزعيم السياسي في حاجة قصوى إلي ذكاء عملي يفهم به عقلية الناس الذين يعاملهم ويتزعمهم ويعمل لهم وكيف يساسون ووسائل إقناعهم وتوجيههم ومواطن القوة والضعف فيهم ، فإن لم يدرك ذلك واكتفى بالنظريات وفهمها فشل فشل المحامي الذي يقتصر على دروس المدرسة ، أو الاقتصادي الذي فهم النظريات ولم ينزل السوق .

وأخيرا لابد من عنصر " العطف " أو بعبارة اخري شعور الزعيم بأواصر الأخوة بينه وبين من يتزعمهم ، ولا يكون ذلك مجرد قول يقوله أو يتعلق الجمهور به . إنما

هو شعور صادق يتغلغل في نفسه ويقبض على أقواله وأعماله . يشعر بعذاب الناس وآلامهم وآمالهم كما يشعرون بل أكثر مما يشعرون ، ثم يشعر لهم ، - يحمله صدق هذا الشعور على ان يسير بهم إلى الغرض الذي ينشد وينشدون ، لا أن يستخدمهم في تحقيق مصالحه الشخصية ، وأغراضه الذاتية - بهذا العطف يستحل العذاب في خدمة الأمة ويهزأ بالمتاعب في سبيل تحقيق الغرض ، وبدونه يكون أنانيا جافا إن خدع الناس حينا فلابد أن ينكشف عاجلا أو آجلا - إذا ملأ الزعيم هذا الشعور استساغ التضحية واستعذبها ، وإلا كان شرها في كسب الخير لنفسه من وجوهه المختلفة .

ما أحوجنا في الشرق اليوم إلي زعماء من هذا القبيل تجمعت فيهم هذه العناصر ، فيأخذون بيده في نهضته ، وينيرون السبيل أمامه ، ويهدونه إلى الحق وإلى صراط مستقيم .

اشترك في نشرتنا البريدية