الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الحادى والعشرونالرجوع إلى "الرسالة"

الزمن

Share

أتينا في كلمة سابقة على تطور رأي العلماء بشان الفضاء وكيف  أن الجزء المعين منه لا يمكن أن يكون له قدر ثابت. ذلك لأننا  نقيس الفضاء بحجوم الأجسام المادية التي تشغله، وحجوم تلك  الأجسام تتغير بتغير حركتها. فالصندوق الذي حجمه متر مكعب  وهو على سطح الأرض لو انطلق في الفضاء بسرعة أكبر من سرعة  الأرض نقص حجمه عن متر. ولو تخلف عن الأرض وسار  بسرعة اقل من سرعتها زاد حجمه عن متر. ويمكن أن يكون له  أي حجم نشاء إذا نحن جعلناه يتحرك بالسرعة اللازمة. فالقول  بأن حجم هذا الصندوق متر مكعب هو قول ناقص، ويجب أن  نتممه بعبارة وهو على سطح الأرض.

والآن نلخص تطوراً آخر بشأن الزمن يشبه من وجوه كثيرة  هذا التطور بشأن الفضاء. ذلك لان الزمن أيضا لم يعد له قياس  مطلق ثابت ولا سياق معين اللهم إلا في المكان الواحد، فعبارة  ساعة من الزمن لا معنى لها إلا إذا قلنا بالنسبة لكوكب كذا  كما إن عبارة ماض وحاضر ومستقبل لا يمكن إطلاقها إلا في نفس  المكان. وقد انبنى هذا التطور على الحقيقة الآتية:

من المعلوم أن الضوء يستغرق زمناً في انتقاله من مكان إلى  مكان، فالشعاع الذي ينطلق من الشمس يصل إلينا على الأرض بعد  ثماني دقائق من انطلاقه. ومن الأجرام السماوية ما يستغرق ضوءه  في الوصول إلينا ساعة أو ساعات، أو يوماً أو أياماً، أو سنة أو سنين

أو آلاف السنين أو الملايين السنين بحسب البعد بيننا وبينه.

ومن المعلوم أن الإنسان لا يرى الشيء إلا إذا استقبل بعدسة  عينة أشعة ضوئية منبعثة من ذلك الشيء تتركز على شبكة العين  بهيئة صورة لذلك المرئي تحس بها أعصاب الأبصار، وعلى ذلك  فالحادثة التي تقع على الشمس الآن لا نراها نحن إلا بعد ثماني دقائق،  وكلما بعد الكوكب أبطأت أخباره في الوصول إلينا. هذه الحقيقة  تبدو بسيطة ولكنها تولد مشكلات خطيرة نلخص بعضها فيما يلي:

(أولاً) تصور أنك انتقلت فجأة إلى الكوكب يبتعد عن الأرض  مسافة يقطعها الضوء في ١٤ سنة، وانك تستطيع هناك أن ترى  ما يجرى في القطر المصري بالتفصيل، فما الذي تراه؟ أنك ترى من  جديد حوادث الحركة الوطنية واضطرابات سنة ١٩١٩. ثم تمر  عليك الحوادث سنة بعد سنة ولا تستطيع رؤية ما هو جار الآن  إلا في سنة ١٩٤٧. فأنت استطعت إذن أن تعيش الآن فيما هو  بالنسبة لنا ماض، وذلك لمجرد انتقالك إلى مكان آخر من الكون  كما إننا نعيش الآن فيما هو بالنسبة لك مستقبل للأنه لن يمر بك  إلا بعد ١٤ سنة.

(ثانيا) تصور انك بعد انتقالك إلى ذلك الكوكب وإشرافك  من هناك على الحركة الوطنية المصرية، فضلت العودة إلى الأرض  على جناح السرعة. وقطعت المسافة من هناك إلى هنا في ساعة واحدة  (على فرض إمكان ذلك) فما الذي يبدو لك؟ انك ترى حوادث  هذه ال ١٤ سنة تمر عليك بسرعة وتنقضي كلها في ساعة. معنى ذلك  ال ١٤ سنة في حسابنا قد صارت في حسابك ساعة، وذلك لمجرد تغير حدث في اتجاه حركتك وفي مقدار سرعتك.

(ثالثا) تصور انك وأنت على هذا الكوكب فضلت زيادة  الابتعاد عن الأرض ومن عليها وركبت شعاعاً ضوئياً يطير بك إلى  الناحية الاخرى من الكون، فماذا ترى أثناء رحلتك؟ انك ترى  على الأرض شيئاً عجباً: ترى كل شيء عليها قد وقف عن الحركة  فجأة وثبت على حالة واحدة، كأنما قد أصاب كل ما عليها ومن عليها  شلل تام. لذلك لأنه لم يعد يصل إليك منه ضوء جديد، وصارت تستقبل دائماً موجة واحدة من ضوئنا تمثل لك لحظه واحدة فقط من لحظاتنا.  فأنت والحالة هذه تعيش باستمرار فيما نسميه نحن لحظة واحدة.

(رابعاً) تصور أن ابتعادك هذا كان بسرعة اكبر من سرعة  الضوء، فما الذي تشاهده؟ انك ترى في هذه المرة اعجب العجب.  ترى الحوادث الأرضية وقد بدأت يتلو بعضها بعضاً ولكن على  غير النظام الذي مرت به علينا، وعلى عكس ذلك النظام. ترى أولا  حوادث سنة ١٩١٩ ثم حوادث سنة ١٩١٨ ثم حوادث سنة ١٩١٧  وهكذا ذلك بأنك لا تستقبل الضوء منا بالنظام الذي انبعث به

بل تلحق بالتدريج بما مضى منه موجة بعد موجة. وبذلك يستطيع  أن تقلب نظام الزمن رأساً على عقب فترى حاضرة قبل ماضية  وماضية قبل غابره.

(خامساً) تصور أننا هنا على سطح الأرض نرقب كوكباً  يبتعد عنا بسرعة كبيرة بحيث تبدأ الحادثة هناك، وفي أثناء وقوعها  يكون الكوكب قد ابتعد عنا مسافة أخرى علاوة على بعده الأصلي،  وتصور أن حادثة مما يستغرق ساعة من الزمان قد ابتدأت هناك  ورأينا بدايتها. ففي الوقت الذي تتم فيه تلك الحادثة يكون الكوكب  قد قطع مسافة جديدة يضطر الضوء لقطعها ثانية في زمن معين. وعلى ذلك  فان الضوء الذي بدلنا على هذه الحادثة لا يتم توارده علينا في ساعة بل  في اكثر من ساعة من هذه الحادثة من حسابنا يزيد على ساعة. معنى  ذلك أن حوادث ذلك الكوكب تبدو لك كشريط سينمائي بطيء  كما أن لحوادث على الأرض تبدو لسكان ذلك الكوكب كشريط  سينمائي بطيء.

اشترك في نشرتنا البريدية