الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1022 الرجوع إلى "الرسالة"

الزنابق الحمر لطاغور، ترجمة الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار

Share

من دلائل النهضة الحديثة فى مصر , وفى الشرق العربي , أن يتحرك الأدباء إلى نقل نفائس الكتب عن لغاتها التي صدرت بها . ولم يكن الأمر كذلك منذ عهد قريب , بل كان يسعى الناقل إلى الإنجليزية أو الفرنسية يطلع فيها , وينقل عنها المؤلفات الفارسية أو الهندية أو الصينية . ونحن نعلم أن الترجمة مهما تكن أمينة فلن تقوى على نقل الآثار الأدبية بدقة تامة , ونعنى بالآثار الأدبية الشعر والتمثيليات ،وعلة ذلك أمور كثيرة , أهمهاخصائص كل لغة مما يجري فيها من تعابير , وليس لها مثيل فى اللغات الأخرى . وهذا هو السبب فى اختلاف التراجم الفرنسية عن الإنجليزية للأصول اليونانية مثلا . بل لقد تختلف الترجمة فى اللغة الواحدة تبعا لاختلاف ذوق المترجمين ومقدار فهمهم للأصول , ولذلك تتعدد التراجم للنص الواحد مما لاشك فيه إذن أن الناقل يبعد عن الأصل بعض الشىء, فإذا جاء ناقل وترجم الأصل عن لغة أخرى فقد

ابتعد خطوة أخرى عن الاصل . ولذلك كانت الترجمة من الأصل رأسا أفضل من الترجمة عن الترجمة

ويسرنا أن نقرأ تمثيلية الزنابق الحمر للشاعر الهندى رابندرانات طاغور معربة رأسا عن الأصل البنغالى , بقلم الأديب أحمد عبد الغفور عطار الذى يقول فى كلمته يقدم المسرحية  :"وقد حاولت جهد المحاولة أن أنقل جو طاغور وروحه وفنه وبساطته , وأقترب فى أسلوبي العربى من أسلوبه فى البنغالية . فإن كنت قد وافقت فالحمد الله ، وإلا فعذرى إن كنت أمينا فى النقل والترجمة , وبذلت غاية الوسع , ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها

والمترجم من مكة المكرمة , ولكنه درس فى مصر ؟ ولذلك لا يحس فى أسلوبه أو عبارته أى غرابة عن اللغة المصرية , وهو يعرف اللغة البنغالية . وحدثنى أنه استغرق فى ترجمة هذه المسرحية ثلاث سنوات مع انها صغيرة الحجم , وهذا شأن الفنان الذى يستغرق فنه ويتأنى فى عمله والمسرحية تعبر عن روح الهند وفنها الأصيل الذى يختلف عن غيره من الفنون فى الدول الاخرى

وهى رمزية لا تمثل الواقع , ولكنها تصور مع ذلك الحياة الإنسانية أبلغ تصوير . فلا يوجد إقليم اسمه "ياكشا" ولا يعبر عن الملك بصوت دون أن يرى

يصور طاغور فى هذه المسرحية المجتمع البشرى , ويصور العلاقة بين الملك والشعب , وبين الرجل والمرأة , وبين العمال والرؤساء , ويصور منزلة هذه الاشياء التي يتعامل بها الناس ويتداولونها , كالذهب والخمر والشعر والغناء والزهور

فالملك رمز الظلم , والمرأة رمز السحر , والعامل رمز الدأب , والذهب رمز القوة , والخمرة رمز النشوة , والزئبق الأحمر رمز الحب والخوف

تبدأ المسرحية بغلام عامل يحفر الأرض يخاطب " ناندينى " المرأة الجميلة الفاتنة رمز السحر كيشور : ألديك أزهار كافية يا ناندينى ؟ لقد أحضرت

لك بعضها , وأكثرت من بعض الألوان ناندينى - كيشور , انطلق , تحرك , عد إلى عملك ،

ناندينى : ولكنهم سيعاقبونك إذا علموا بما صنعت كيشور : قلت : يجب أن تحصلى على زنابق حمر  تالله ما أعظم سرورى لندرتها فى هذا المكان !

اسرع , أرجو أن تعود وإلا تأخرت كيشور - يجب أن أختلس جزءا من وقتى الذى أنفقه فى الحفر بحثا عن الذهب , لأحفر من أجلك حتى أحضر لك الأزهار

بهذا المطلع البديع يستهل طاغور مسرحيته . فهذه الزهور نادرة , ولا يعرف سر مكانها إلا هذا الشخص العامل . وهى نادرة ندرة الذهب الذى يحفر المئات منهم الأرض للحصول عليه . ليقدموه إلى الملك , وإلى أصحاب السلطان . وليس لهؤلاء العمال الحفارين أسماء إلا فيما بينهم وبين أنفسهم . أما فى نظر رؤسائهم , فلا يعرفونهم إلا بأرقام .أنهم " نمر " لاا أكثر . فهذا الحفار يشقى فى الارض باحثا عن الذهب , ولكنه غير راض عن عمله , بل ساخط عليه , على حين يقبل باحثا عن الزنابق حتى يستطيع تقديمها هدية إلى ناندينى . فترضى بذلك نفسه

اما الملك وأعوانه , فإنهم يدفعون الناس للبحث عن الذهب , لانه الوسيلة لاستعبادهم , مع أن الذهب شىء " ميت " لاجمال فيه . وأنظر إلى الحوار بين ناندينى وبين الأستاذ الفيلسوف

ناندينى : يحيرني أن أرى مدينة بأسرها تدفع رأسها فى التراب دفعا , وتنقب بكلتا يديها فى الظلام . أنتم تحفرون النفق فى العالم السفلى ليل نهار , و ترجعون بثروة ميتة أودعت الأرض منذ أجيال فصانتها

الأستاذ - نحن نبتهل إلى شيطان هذه الثروة الميتة ، وإذا استطعنا استعباده يرقد العالم تحت أقدامنا دون عناء

ناندينى - ألهذا تخبئون مليككم خلف حائط من

الستار المعتم ؟ أخوفا من أن يكشف الناس أنه إنسان ؟ الأستاذ - كما أن لشبح ثرائنا الميت بأسا شديدا مخيفا

فإن لشبح الملكية الغارق فى الضباب بأسا أشد وأقوى . إنها بقواها غير البشرية ترعب الناس

ناندينى - كل ما تقوله كلام نسجته الصنعة وزوقه الخيال

الأستاذ - إنه صنعة زوقها الخيال . ولئن كان العارى اسرع فهما وتصديقا , فإن الملابس المصنوعة هى التى تستر ما فى أجسادنا من عيوب , وتخفى ما نود كتمانه , وهى بعد تحددنا . لشد ما يمتعني أن أناقشك الفلسفة !

ناندينى - هذا غريب منك أنت الذى اتخذت وكرك فى الليل والنهار بين كتلة من الصفحات الصفر الشاحبة مثل حفاريك الذين ظلوا في جوف الأرض . إنك تضيع وقتى سدى

هذه عبارات سهلة ولكنها تعبر عن فلسفة فى غاية العمق . إنها قصة الإنسانية التي ذهبت فى الحضارة شوطا بعيدا , فأصبحت تصنع كثيرا من الصناعات لا تقوى على المعيشة بدونها , بل أصبحت تمجدها وتعبدها . الحق أن الإنسان المتحضر عبد لآلاف الاشياء التي يستعملها , والتي يقتنيها بالمال , كالمسكن وما فيه من أدوات , وهذه الملابس المعقدة , وسائر المقتنيات الكثيرة التي تزحم بها أنفسنا فى هذه الحياة . ومن أجل هذه المقتنيات , والسبق فى الحصول عليها , أخذ الناس يتستعبد بعضهم بعضا بالعسف والإرهاب , واستعمال السيف والسوط , حتى نزل الرعب فى القلوب , وسرى الخوف فى أوصال العباد . ولو تأملوا لرأوا ان حكامهم لا حول لهم ولا قوة , وأنهم بشر كسائر البشر

ويحدثنا طاغور من فلسفة الحب . إنها فى نظره جاذبية طبيعية بين الرجل والمرأة ، لا يمكن أن يعرف سرها , أو يعلل أمرها . لا يمكن إرجاع الحب إلى سبب معين , فالصلة

بين الرجل والمرأة , واتصال أحدهما بصاحبته , يرجع إلى الحظ . وإذا كانت ناندينى قد اختارت الزنابق الحمر دون غيرها من الألوان , ودون غيرها من الزهور كالياسمين والسوسن , فذلك لأن حبيبها " رانجان " يدعوها " الزنبقة الحمراء " وهى كذلك تحس أن لون حبه أحمر كهذا الأحمر الذى يطوق جيدها

وللألوان فلسفة . ولكل شىء معنى ودلالة وتختلف الدلالات باختلاف نظرة الناس . فهذه ناندينى تفهم من الزنبقة الحمراء معنى الحب . ولكن " جوكيل " وهو أحد الحفاربن يفهم منها معنى آخر , فهو حين يرى جيدها وقد تدلي منه الزنبق الأحمر يقول لها " إنك تظهرين لي كشعلة من اللهب القانى يمجها الشيطان "

حقا ما أعجب طاغور ! إنه يسطر مسرحيته بالألوان كما يفعل الرسام . إنه يريد أن يحلى جيد الملك بإكليل من الزهر الابيض , والبياض رمز الموت , والجمرة رمز الحياة . وإذا كان الملك يجمع الذهب , ويستمتع بلونه وتوهحه , فإن لونه ميت كالذهب نفسه , اما لون الزنيق فحى لأن الزهر حى

يفتن الذهب الناس لأنه رمز القوة , ولكنها قوة وهمية , لا يمكن أن يشترى بها الإنسان الحب , وهو سبيل السعادة . وفى ذلك يقول صوت الملك معترفا لنا ندينى

" كل ما أملك اثقال ميتة , وحطام أصم . لا الوفرة فى الذهب بمستطيعة أن تخلق جريئا , ولا الزيادة فى القوة بقادرة أن تهب الشباب .. أنا أستطيع أن أحرس بالقوة التي أملكها , ولكن .... آه , لو كنت أملك شباب " رانجان " لحررتك , ثم نشبثت بك , وأخذتك بين أحضانى بعنف . إن وقتى ينفق فى عقد الحبال المبرمة , ولكن وا اسفاه ! كل شيء يمكن أن يحفظ بإيثاقه إلا

السرور والمرح فإنهما لا يوثقان" وإذا كان الملك شقيا بذهبه وقوته , ولا يجد فيهما عزاء أو تسليه ولا ترويحا للنفس , فإن الشعب يلتمس الراحة من الكدح والدأب فى العمل بالنشوة التى يجدها فى الخمر . وكل ما يؤدى إلى النشوة فهو خمر . في الطبيعة خمر , والشراب المعروف خمر يبعث أيضا إلى النشوة

سئل " ييشو " وهو فيلسوف وشاعر من أتباع ناندينى عن السبب الذى يدفع الناس إلى الشراب فأجاب : " وسعت رحمة الله كل شىء, وستتسع رحمته لمن يشربون قليلا فيعفو عنهم . لقد خلقت أذرعنا - نحن الرجال - لنبذل أقصى ماوضع فى عضلاتنا من خمر القوة ؛ أما أذرعكن - أيها النساء - فقد خلقت لتقديم نبيذ العناق . إن كان فى هذا العالم جوع يدفعنا إلى العمل والكدح فإن فيه أيضا اخضرار الغابة ووهج الشمس المشرقة , وكلاهما يجعلنا ثملين إذا ما نادتنا أيام العطلة "

قالت محدثته : " أتسمي كل هذه الأشياء خمرا ؟ " فأجاب بيشو: " نعم خمر الحياة ينبوع من اللذة والنشوة لا ينضب ولا يفسد . اسمعى شكاتى : جئت إلى هذا المكان مدفوعا إلى العمل والسطو ليلا على العالم السفلى . إن نصيبى الذى أستحقه من الخمر الطبيعية تلقاء عبوديتى للطبيعة قد حرمت منه , ولهذا أجد إنسانى الباطن يتشهي الخمر الصناعية ليتخفف من تعب النهار "

وأحسب أننا وقد ارتفعنا إلى هذه الآفاق العليا من فلسفة الحياة ، لا يعنينا أن نعرف كيف سارت المسرحية وكيف كانت خاتمة الملك , لأن الحياة دوامة عظيمة تبتلع فيها كل شي , وتنقل فيها الأشياء , فتعلو تارة , وتهبط تارة أخرى , وتفقد قيمتها , ويبتلعها هذا الغول الهائل الذى يسمى الزمان

اشترك في نشرتنا البريدية