الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193 الرجوع إلى "الرسالة"

الزهاوي

Share

كنت في عداد الذين احتشدوا لتأبين الكاظمي الشاعر في  بغداد وأرهفوا آذانهم يستمعون إلى الزهاوي الشاعر المتفجع  المتوجع.

جاء الزهاوي يومئذ يتوكأ على عصاه في جسم متهدم يصارع  العلل ويناجز الأدواء وصعد إلى مرزح الخطابة وجلس على  كرسي ووقف خلفه شابان حرصا حين شرع يلقي قصيدته على  أن يمسكا بذراعيه إمساك الشفيق الذي يحذر أن تجمح العاطفة  بالشاعر فيثور وينهض من مقعده وهو لا يقوى على الوقوف  فيصيب الجسم الذي تردافت عليه الاسقام اذى شديد راح الزهاوى يلقي قصيدته بصوته المتهدج، ونغمته التي  انفرد بها، واضطرابه الجسماني حتى وصل إلى قوله:

الكاظمي قد اعتني ببلاده  وبلاده بحياته لم تعتن

فنهض، وهاج، وتلظى قلبه الفتي يوشك أن يودي بجسمه المتهدم لولا حذر الشابين. ثم أنهى الزهاوي نشيده:

يا بلبل الشعراء مالك صامتا    من بعد تغريد بشعرك مشجن

قد سرت قبلي للردى متعجلا   ولعلني بك لاحق ولعلني!

وردد الشطر الأخير نشيجاً مؤثراً: ولعلني! بك لاحق ولعلني!  التفت إلى صديق يجلس بجانبي فإذا بدمعه يترقرق وقلت: أرأيت  يا صديقي؟ إن الزهاوي يرثي نفسه في قصيدته، إن هواجسه تنم  عن دنو أجله!! قال: صدقت ولكن شعره اليوم فيه فتوة وفيه  حياة! قلت: إنها خفقة الذبالة الأخيرة كمنذر بانطفاء السراج؛  أنني مزمع على مغادرة بغداد قريبا وأحس برغبة ملحة تهيب بي  إلى زيارته غداً زيرة الوداع الذي لا لقاء بعده. فماذا تقول؟ قال:  ذلك ما أبغي

وانطلقنا في اليوم التالي إلى بيت الشاعر، ودخلنا عليه فإذا  به جالس على فراش يتكئ على وسادتين، فرحب بنا وسر  بزيارتنا؛ وكان أول ما حادثنا سألنا عن وقع قصيدته في رثاء الكاظمي،  فاعربت له عن أثرها فينا وقلت: إنني عائد إلى فلسطين وأود  أن أدون في مفكرتي ما يدور في هذه الزيارة من حديث! قال

الزهاوي: حسن وهل اطلعت على     (الأوشال)  ؟ كنت أظن أن  عظمي رق وان زمني لن يمتد بي كثيراً فسميت مجموعة قصائدي   (الأوشال)   ولكنني نظمت بعدئذ بعض القصائد وهي آخر  ما أنظم، وجمعتها في ديوان صغير سميته   (الثمالة) ، والثمالة آخر  ما أنضم في هذه الدنيا التي أراني تاركها قريبا. قلت: وهل غير  الثمالة للأستاذ شعر لم يطبع؟ قال: أجل إنه ديوان في. . . وأحسب  أنه لن ينشر في القرن العشرين؟ قلت وما عمر الأستاذ؟ قال:  أنا في السنة الثانية والسبعين بالحساب الشمسي وفوق الأربعة  والسبعين بالحساب القمري!

وهنا أحس الشعر بالألم وأخذ يئن، فوجمنا، ولكنه قطع  وجومنا بقوله: لكل جريح أنة، وصمت قليلا ثم قال: نظمت  قصيدة لتتلى في تكريم الدكتور حسين هيكل لمناسبة تأليفه   (حياة  محمد) ، ونادى خادمه فناوله كيساً انتزع منه القصيدة وتلاها  علينا ثم أستأنف الحديث: وطالما كنت أنشر قصائدي في السياسة  الأسبوعية وحدثني طالب أن مئات النسخ من السياسة كانت  تباع في دار العلوم بمصر حين تنشر لي فيها قصيدة؛ وطالما احتدم  الجدل وتعارك الطلاب   (وتباسطوا)  بسبب انقسامهم إلى فئتين:  واحدة تؤثر شوقي عليّ، والأخرى تؤثرني على شوقي! قلت:

وتطرق الزهاوي في حديثه إلى بعض أدباء بغداد الذين  يحاولون انتقاصه فندد بهم وحمل عليهم حملة شعواء، ثم تحدث  عن صفات الشاعر التي هي في نظره استعداد ذاتي ومادة تتألف  من ثقافة ولغة ثم طول ممارسة. وسألته عن خير قصائده فقال:  أكو   (يوجد)  أكثر من أربعين قصيدة كلها   (زينات) ؛ خذ  مثلا قصيدتي   (هواي)  ومطلعها: أذكرى إذ كنا صغيرين  نلعب! وخذ قصيدتي في الغروب وقصيدتي في الطلوع إنهما  عصريتان جديدتان، أما التصوير المؤثر الجميل ففي قصيدتي: ومتى تخر أم لا؟ ومطلعها:

يا ابنة الهم إن غرفتك القلب فلا تخرجي إلى الأبواب

إن هذه القصيدة بديعة، بديعة!

وحدثنا عن رأيه في بعض الشعراء، فإيليا أبو ماضي يحلق  أحياناً في السماء عالياً ويهب اخرى، أما أحمد محرم فيمتاز شعره  بجزالته ولكنه مشوب بالتقاليد، وأما الصافي فحبذا لو أتسع

اطلاعه اللغوى وارتقت ثقافته .قلت له :وفى العراق ؟قال: الرصافى ماضيه خير من حاضره بكثير ، بكثير ، والشيخ رضا  الشبيى قل أن يحلق ، والجواهرى عربيه ضعيفة ، ولقد لازمنى  سنتين أو ثلاثا وكان فى أثنائها ... سأمحه االله !ولكن أملا قد  يعقد على حسين الظريفى وابن أخى ابراهيم الزهاوى

وسألته عن قصيدته فى رثاء الكاظمى فقال :تقرؤها فى (الرسالة) ثم تحدث عن صاحبها وقال : والزيات هو الكاتب الذى تقرأ أخلاقه فيما يكتب ودار الحديث حول المجمع الملكى اللغوى الذى تأسس فى  مصر فأبدى تشاؤمه منه :وقال إنه لن يدوم أكثر من سنوات  لجموده !

وحدثنا عن المرحوم الملك فيصل واعجابه بشعر الزهاوى  ومما قال : ورأى فيصل رسمى وأنا نائم فاعجب به وأمر بتكبيره ، فنظمت بيتين كتبا تحت الرسم ،وأنشدهما الزهاوى ،واذكر أن  شطرهما الأخير هو : ولكنى عن مدحك لا أنام ،وودعت  الزهاوى وأنا موقن أنه الوداع الأخير

(نابلس)

اشترك في نشرتنا البريدية