كان الانكليز آخر الشعوب التى اختلطت بالمصريين اختلاط زواج ، ولذا يصعب تحديد أثر هذا الاختلاط الاجتماعى بين الشعبين تحديدا كاملا ، إذ لا يتعدى تاريخ أول زواج بين الشعبين الأربعين عاما إلا فى النادر .
ولقد كان ذهاب الطلبة المصريين إلى أوربا وتثقفهم بالثقافة الأوربية ، وافتراق الشقة بذلك بين عقليتهم وعقلية بناتنا من أكبر أسباب هذا التزاوج . فلقد جرت العادة أن يذهب الطلبة إلى انكلترا بعد انتهاء دراستهم العالية فى مصر ، أى أنهم يكونون فى سن زواج ؛ فليس من غير الطبيعى إذا أن يقع الشاب المصرى فى حب فتاة إنكليزية ، وأن ينتهى هذا الحب فى الكثير من الأحوال برجوع الفتاة معه إلى مصر .
وأول ما يلاحظ عن هذه الطبقة أن التعليم ودين الزوجة وتقاليدها ، كل هذا لا يسمح بتعدد الزوجات فى الأسرة ، وليس هذا غير طبيعى ، فان عادة تعدد الزوجات كانت دائما مرذولة بين طبقاتنا المصرية المهذبة . وليس هناك سبب يدعو للحكم بأن التزوج بين المصريين والانكليز غير ناجح جنسيا أو اجتماعيا ؛ فصحة الأطفال
تبدو جيدة ، ومستواهم العقلى لا يقل أبدا عن مستوى الأطفال الخالصى المصرية إن كان بيننا من تخلص مصريته . ونسبة الطلاق والافتراق فى الطبقة المختلطة ليست أكبر منها فى نظيرتها فى الطبقة الانكليزية الخالصة أو فى الطبقة المصرية ، خصوصا هذه الأيام .
وعند حضورهن إلى مصر تختار الزوجات الانكليزيات الأحياء التى يكون فيها أسر انكليزية مصرية ؛ وهذا طبيعى ، لأن عدم معرفة اللغة لا يسمح لهن بالسكنى مع أهل الزوج ، أو بالاختلاط مع معارف أزواجهن ممن لا يعرفن الانكليزية . ونتيجة ذلك الاختيار أن هذه الطبقة تقطن فى أحياء خاصة بها مثل مصر الجديدة والزمالك .
وبمرور الزمن يتعلم الكثير من الزوجات الانكليزيات اللغة العربية وقليل منهن يجدنها إجادة لا تكاد تلاحظ معها فى حديثهن لكنة أجنبية .
والزوجة الانكليزية فى أول عهدها بمصر لا تقدر على تحمل صيفنا عاما بعد عام بغير أن يؤثر الحر أثرا سيئا فى صحتها ؛ أضف إلى ذلك حبها لوطنها وشوقها إلى أهلها ؛ ولذا يجتهد الأزواج أن يصحبوا نساءهم إلى انكلترا كل عامين أو ثلاثة ، خصوصا فى أيام شبابهم ؛ ثم يقل السفر
بتقادم الحياة الزوجية ، وتضعف علاقة المرأة بأهلها وحبها لوطنها القديم ، فتستقر فى مصر وتألفها .
ولا تتعدى معرفة الأطفال بأسر أمهاتهم أشهر هذه الزيارة التى تأخذهم فيها الأم إلى انكلترا ؛ ولذا يندر أن يعرف الطفل أسرة أمه معرفة جيدة إلا فى ظروف خاصة ، كأن يرسل الأب ابنه للتعليم فى انكلترا . ومما يلفت النظر أن أغلب أولاد هذه الطبقة هم أكثر شبها بآبائهم منهم بأمهاتهم ؛ ولا أدرى إن كانت ملاحظتى هذه عامة أو ما حكم قانون الوراثة فيها ؛ وربما كان الخلف الأول فى الأسرة يشبه الأب ، والخلف الأخير يشبه الام ، أى انه إذا كان عند الانسان أربعة أولاد ، فالاحتمال أن يشبه الولدان الاول والثانى أباهما ، ثم الثالث والرابع أمهما ؛ ولما كانت أكثرية الأمهات الانكليزيات هذه الأيام يحددون عدد الأولاد ، ولا يسمحن لأنفسهن بأكثر من ولد أو اثنين ، فيكون من الطبيعى أن تشبه الأولاد آبائهم . الأولاد أثناءهم
وأولاد هذه الطبقة من مجتمعنا ينشأون بطبيعة الحال بلغتين منذ الصغر . وتكون لغتهم الانكليزية إلى حوالى سن العاشرة أقوى من لغتهم العربية ، وهذا أيضا طبيعى ، لأن تلقين الحديث من وظيفة الأم .
والأب يتكاسل فى تعليم ابنه اللغة العربية ، علما منه أن الزمن والبيئة كفيلان بسد النقص ، والواقع يؤيد هذا الظن ؛ فالأطفال إلى سن العاشرة ضعاف فى اللغة العربية ، ثم هم يتساوون ببقية طلبة المدارس المصرية حوالى سن الرابعة عشرة ، إلا فى أحوال يؤسف لها يتولد فيها فى الطفل احتقار للغته .
وبعض الزيارات لبيوت هذه الطبقة يكفى ليقنع الباحث أن بيوتهم فى مستواها المعيشى أعلى من المستوى المصرى العادى ؛ فأطفالهم أنظف وأكثر تعودا على النظام ، ومطابخهم أكثر ترتيبا ، وطعامهم أبسط وأصح
من الطعام المصرى ، وحياتهم المنزلية وسعادتهم مستقلة عن المقاهى العامة .
وما يميز الانكليز من حب النوادى والرياضة والغرام بالرحلات والحدائق يميز أيضا هذه الطبقة . فأنا أعرف الكثير من الأسر الانكليزية المصرية ممن يتركون القاهرة يومى الخميس والجمعة إلى رحلات فى الصحراء أو فى الريف حيث يقضون أيام راحتهم .
وأغلب هذه الأسر ينتسبون إلى النوادى الرياضية الاجتماعية ، وللكثير منهم حدائق جميلة يعتنون بزراعتها وتنسيقها ، حتى يعزى الكثير من اهتمام المصريين بتربية الزهور وعرضها سنويا إلى أفراد هذه الطبقة .
ولأن أطفال الأسر المصرية الانكليزية يتعلمون لغة أمهاتهم من الصغر كتابة وقراءة ، قد أتيح لهم من موارد الثقافة والتسلية ما لم يتح للطفل المصرى الخالص ؛ فاللغة العربية فيها قليل جدا من الكتب التى تصلح لقراءة الأطفال ، واللغة الانكليزية غنية من هذه الناحية ، لهذا يتيسر لمن يعرفها من الاطفال قراءة كتب مثل (Hans Anderson), (Alice In Wonder Land) و (ألف ليلة وليلة) .
ومن الغريب أن " الف ليلة وليلة " لم ينقح ويهذب بعد فى اللغة الأصلية بما يناسب الأطفال ، مع أنه ترجم إلى أغلب اللغات الأوربية وهذب بما يناسب الصغار . وليس من المبالغة أن أقول إنه لا يكاد يوجد طفل فى انكلترا لا يعرف بعضا من قصص " ألف ليلة وليلة " .
والمتيسرات من الأمهات يزودن أطفالهن باسطوانات أغانى ونظم وموسيقى انكليزية مما يؤلف عادة للصغار ؛ فينشأ هؤلاء بذوق غربى فى الموسيقى مع ذوقهم الشرقى ؛ وبعض أولاد هذه الطبقة بجيدون بعد نشأتهم الغناء والموسيقي الأوربية إجادة تكفيهم أن يظهروا فى المنتديات الموسيقية العامة فى أوربا .
ثم إن ثقافة الأولاد الانكليزية بعد سن الطفولة تترتب على مبلغ ثقافة أمهاتهم ؛ فيهم من يكون اطلاعه الأدبى فى سن الثامنة عشرة مثلا مساويا لاطلاع الولد الانكليزى قرينه ، ومنهم من ينصرف إلى قراءة القصص البوليسية ، فتقل بطبيعة الحال ثقافته ، ولكن الجميع يتساوون فى تفوقهم فى اللغة الانكليزية أيام الدراسة .
فلو أدركنا أن ثلث وقت مذاكرة الطالب المصرى يذهب فى محاولة اقتناء اللغة الأجنبية ، وان النتيجة بعد هذا المجهود غير مرضية كل الرضا لقدرنا ميزة أولاد هذه الطبقة أيام دراستهم على أقرانهم فى المدارس .
ومن الطريف فى هذا الشأن أن صبيا أعرفه كان يعدد لأمه الانكليزية كل ليلة أخطاء مدرس اللغة الانكليزية فى المدرسة الابتدائية التى كان بها .
ولا عجب أن فاقت معرفة أمثال هؤلاء الصبيان بالإنكليزية معرفة المدرس المصرى .
وبعض الأمهات الانكليزيات يعتنقن دين أزواجهن ، ولكنهن يحتفظن بأعيادهن الخاصة ويحتفلن بها ، خصوصا عيد الميلاد الذى هو عيد أطفال وعيد رأس السنة ، وهو عيد الكبار .
لم أتعرض هنا لزواج الانجليز بالمصريات ، لأنه نادر ، فالدين يمنع المسلمة من الزواج بغير من هو من دينها ، وإخواننا الأقباط محافظون ، لهم تقاليدهم ؛ ولكن الحب يتحدى الدين والتقاليد أحيانا ، فأنا أعرف أ كثر من مصرية مسلمة تزوجت بانكليزى ، وفى كل الأحوال التى أعرفها يتدين الزوج رسميا بدين الزوجة وتأخذ هى جنسيته على ما يقتضيه القانون الدولى .
وقد تلزم دواعى كسب العيش الرجل بالسفر إلى بلاده فتصحبه الزوجة المصرية الأصل ، ويكون شأنها هناك شأن أختها الانكليزية فى مصر ، أى وحشة وعدم
استقرار وحنين إلى أهلها يغالبها حبها لزوجها وأولادها ثم اعتياد واستقرار وألفة للوطن الثانى .
وأولاد هذه الفئة تنشأ بطبيعة الحال إنكليزية الجنسية ، ولا أعرف من بينهم ممن نشأوا فى إنكلترا من يعرف العربية ، ولكن من يمكث منهم فى مصر يجيدونها ، بل قد يقتصرون عليها ويتناسون الانكليزية .
ومعاملة الزوجات الانكليزيات للخادم أرحم وأرق من معاملة الطبقة المصرية المماثلة ؛ فالسيدة الانكليزية إن سألت خادمها فمن فضلك ، وإن أدى ما طلبت شكرته ، وهى لا توقف عمله لتطلب منه كوب ماء أو كتابا من غرفة مجاورة ، بل تقوم هى بكل هذه الأعمال الشخصية ، كما أنها تساعده فى المطبخ وأعمال البيت .
وهى تتعلم من الخادم أول لغتها العربية ، وهن يسمين هذه اللغة (Kitchen Arabic) أى عربى المطبخ ، وبعضهن يقتصرن عليه .
وكثير من هاته الزوجات يشتركن فى الأعمال الاجتماعية المصرية كإنشاء جمعيات الاحسان ، وعمل ملابس لتوزيعها على الفقراء ، وتعليم النساء المصريات من صديقاتهن غزل الصوف ، وعمل الشورابات والقمصان ؛ فمن هذه الجهة هن مراكز ثقافة انكليزية فى البيئة التى يعشن فيها .
هذا وصف مجمل لأثر التزاوج بين الانكليزيات والمصريين فى مصر ، وقد يبدو هذا الأثر ضئيلا ، إذ لا يتجاوز عدد الزوجات الانكليزيات بيننا بضع مئات , ولكن فى ظنى أن أولاد الزواج الخليط سوف يكون لهم يوما ما شأن خطير فى مصر ، وأهميتهم عندى هى فى قدرتهم من الصغر على فهم الثقافة الأوربية وعلى التذوق فى الموسيقى والأدب والفن بالذوقين المصر والغربى تذوقا يسهل معه المقارنة والفهم والنقد والابتكار .
فالشباب المصرى الذى تعلم فى أوربا بضع سنين ذهب إليها فى سن متأخرة ، وقضى فيها وقتا قصيرا ، ولا يتيسر فى هذه الظروف فهم الثقافة الأوربية فهما كاملا يؤدى إلى الاصلاح والابتكار الذى نحن فى أشد الحاجة إليه .
فمصر تنتظر إذا أن ينشأ من هذه البيئة الخليطة أدباء المستقبل وفنانوه ، وتنتظر منهم أن يبتكروا فى الفن والأدب ما ابتكره أدباء روسيا وفنانوها ، فى النصف الاول من القرن التاسع عشر . فروسيا لم يكن لها أدب ولا موسيقى ولا فنون تذكر قبل ذلك القرن ، ونهضتها فى كل هذا قامت على أكتاف نشء كان بعضه نتيجة الزواج بين الروس والفرنسيين .
هذا النشء تعلم فى فرنسا وفهم أدبها وفنها كما فهم ذلك الفرنسيون ، ثم رجع إلى بلاده وابتكر لها أدبا ومسرحا وموسيقى كانت فى فنها فرنسية وفى روحها روسية . وبلغت روسيا فى كل هذه الفنون الجميلة الذروة فى أقل من نصف قرن .
والقارئ يعرف كيف أن الأدب الروسى ترجم بعد وقت قصير من ظهوره وازدهاره إلى أغلب اللغات الأوربية والشرقية . ثم كيف أن الموسيقى الروسية أصبحت بعد النصف الأول من القرن التاسع عشر موسيقى عالمية ترتقى مكانا بين الموسيقات الشعبية لا يقل عن مكان الموسيقى الايطالية أو الألمانية .
فهل يأتي علينا نحن المصريين يوم نساهم فيه فى ثقافات العالم وفنونه وموسيقاه ؟ هل يأتى يوم يباهى فيه المصرى والمتكلم بالعربية عامة ، فيقول هذه موسيقى مصرية أو عربية أو عراقية ، وهذا تصوير سورى ، وذاك أدب تونسى ، وهكذا ؟ . .
نحن نأمل فى اختيارنا من الثقافات الغربية أن يكون رائدنا الفهم الصحيح والذوق الصحيح ، وألا ننقل
لمجرد النقل ، وأن يبرر جيل يأتى بعدنا هذا التقليد ، فيبتكر لنفسه ، ويستقل بثقافته وفنونه .
ودور الابتكار لن يأتى من الطريق الذى نسلكه اليوم ، أى من مجرد الأخذ عن الأدب الغربى والفنون الغربية ، ولا بمجرد ترقيع أدبنا وفنوننا ، كالنحت والرسم والبناء ، بغير انسجام ولا تناسق ؛ وهو لن يكون أيضا بأن يدرس المصرى أولا فنه وأدبه ثم فن الغرب وأدبه ، بل العكس ، لأن هذه القيم الثقافية هى قيم ذوقية محضة ، والمبدأ النفسي فى الذوق هو أن يتعلم الدارس أولا الشئ الصحيح أو الأقرب إلى الصحة ، ثم يدرس بعد ذلك الخطأ أو ما يراد إصلاحه ، حتى لا يؤثر الثانى فى ذوقه تأثيرا سيئا يتلف عليه بعض فهمه ، ويضعف من موهبته الناقدة. م . م

